الاتحاد

دنيا

التعصب يناقض سماحة الإسلام.. والمطلوب ترسيخ الوسطية

التعصب أمر مذموم في الإسلام وجذوره تعود إلى ما سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوى الجاهلية المذمومة التي لا تؤمن عواقبها، لأنه يغيب العقل والحكمة ويبعد الإنسان عن التسامح والوسطية ويدفعه إلى الغضب الشديد والقيام بتصرفات هوجاء لا تحمد عواقبها، وقد تصل إلى انتهاك الحرمات وإيذاء الناس وإلى القتل. وتعاني مجتمعاتنا حاليا من تفشي داء التعصب بدرجة خطيرة طالت كل شيء حتى الفن والرياضة والأنشطة الاجتماعية وباتت تهدد وحدة المجتمعات وتماسكها.
ويقول الدكتور عبدالفتاح إدريس، أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، إن الإسلام يرفض التعصب والغلو والدعوات الفاسدة التي تؤدي إلى التطاحن والفرقة والتدمير وخراب المجتمعات، مضيفا أن جوهر الإسلام الرفق بالناس في الفتوى والقضاء واقتضاء الدين وسائر المعاملات، والعدل والوسطية، فهو دين لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”، فهذه الأمة وسط لتوسطهم في الدين، فلم يغلوا كغلو النصارى ولم يقصروا كتقصير اليهود، ولكنهم أهل وسط واعتدال، وهذا التوسط وفق ما أشار إليه العلماء يقتضي ألا تكون في هذه الأمة حيدة عن الحق، أو إفراط أو تفريط.

الإسلام يأمر بالرفق
ويضيف أن الابتعاد عن التعصب من القيم التي يحض عليها الإسلام الذي يأمر بالرفق، فقد رُويَّ عن عبدالرحمن بن شماسة قال: “أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن شيء، فقالت: ممن أنت؟، فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟، فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به”.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أيضا أنها قالت: “استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟، قال: قد قلت: وعليكم”، وروي عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “من حرم الرفق حرم الخير، أو من يحرم الرفق يحرم الخير”، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”.
وقال إن الشارع الحكيم يحرم التعصب الذي يجلب العنف والتدمير والتخريب ويرغب في الرفق في كل الأمور، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطى على ما سواه”، وروي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك”.

الرحمة والتعاضد
ويؤكد د. عبدالفتاح إدريس أن منهج الإسلام يحض على التعاون والرحمة والتعاضد بين أبناء المجتمع الواحد، بحيث تكون تصرفات الإنسان ومعاملاته معبرة عن هدي شريعة الإسلام والامتثال لتعاليمه، ويتجلى ذلك في طلب الرفق بمن يستخدمهم المرء في حاجاته من المستخدمين والعمال، فقد روي عن المعرور بن سويد قال: “رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم، فقال لي النبي- صلى الله عليه وسلم: أعيرته بأمه ؟، قال: إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم”.

السلبية والأنانية
ويقول الدكتور محمد داوود، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس، إن الأمة مطالبة بهجر الانفلات وما حرم الله ورسوله– صلى الله عليه وسلم- من التنابذ والتخاصم والعادات والبدع والعصبيات التي لا تتفق مع صحيح الإسلام والتخلص من الذنوب والمعاصي والآثام والتوبة والإخلاص في العبودية لله عز وجل والتحلي بشعب الإيمان والتزود من أعمال الخير والبر، بحيث يحرص الإنسان على أن يكون في السر كما يكون في العلن ويحقق الطاعة لله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله يراه وهو رقيب حسيب عليه.
وشدد على خطورة إعلاء العصبية المقيتة في المعاملات بين أبناء المجتمع الواحد. وقال إن الوهن الذي يضرب الأمة يعود إلى ترسخ السلبية والأنانية والشخصانية وإعلاء المصالح الخاصة والغلو في المواقف والانتماءات على حساب وحدة الصف والكلمة والمصلحة العامة، فلم تستطع التحكم في مصيرها ولم تعد قادرة على صناعة تاريخها، ففقدت مكانتها وريادتها وسلبت منها ثرواتها ومقدراتها وتكالب عليها الأعداء من كل صوب.
ويؤكد أن الأمة يجب عليها هجر الفتنة ومقاومة عوامل التمزق والتفتت، موضحا أن أخطر ما تبتلى به أمة هو غياب الحكمة في التفكير والرشاد في التصرفات وسيادة الأهواء وتحكيم النزوات والنزعات العصبية الضيقة وفقد الروية والاستجابة إلى عوامل الفتنة التي يسعى البعض لبذرها بين شعوبها، حتى تبقى ضعيفة مشتتة لا تقوى على الدفاع ونصرة قضاياها ولا تستطيع حماية مقدساتها وثوابتها والالتزام بمنهج الإسلام وقيمه وتحقيق العدل والرحمة والتسامح للإنسانية والدعوة إلى الله عز وجل بقوة وعزم وإرادة ومغالبة وتحرير الأرض من المعتدين والتخطيط للمستقبل والاستعداد له.

فقه الأولويات
ويرى الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الأديان ومستشار جامعة القاهرة الثقافي، أن المجتمعات العربية في أمس الحاجة لتغيير واقعها الفكري والأخذ بمنهج فقه الأولويات والانشغال بهموم الأمة وقضاياها الكبرى المصيرية التي تمس وجودها ومستقبلها. وقال إن التحديات التي تهدد أمتنا خطيرة وتستوجب من العلماء والفقهاء والمفكرين العمل على الارتقاء بوعي الأمة وإشاعة الثقافة والاستنارة الحقيقية والفقه الشرعي بين الناس وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال والسعي لتحرير عقلية الإنسان المسلم من المذهبية الضيقة أو الاتجاهات السياسية أو الإقليمية التي لا تتصادم من ثوابت الأمة ولا يقرها الإسلام.
وأضاف أن تقديم حقائق الإسلام ونشر سماحته في المجتمعات والابتعاد عن الأمور التي تثير البلبلة والتناقض والفتن مهمة كل الغيورين على مستقبل الأمة والمهمومين بوجودها وحمايتها من المتربصين بها ولذلك يجب علينا جميعا رفض ومقاومة المقولات والآراء التي تثير البلبلة بين الناس وتجر المجتمعات نحو الأزمات السياسية. وقال الخشت إنه يجب على أفراد الأمة التمسك بأدب الاختلاف والابتعاد عن استخدام عبارات الطعن والإساءة والتشكيك في المواقف والنوايا والاجتهاد لإحياء دور المساجد في المجتمعات وتحويلها لمدارس ومنارات دعوية وفكرية وثقافية تنشر وسطية وتسامح الإسلام وقيم المحبة والألفة بين الناس.

اقرأ أيضا