الاتحاد

دنيا

عقدة أبي وأمي

تلك أحداث لم أعشها ولم أشهدها، فقد كنت في علم الغيب، أخبروني عنها بعدما جئت إلى الدنيا وبدأت أدرك، قالوا لي إن أبي وأمي تزوجا بعد قصة حب معروفة، فهي ابنة خاله ويكبرها بثلاثة أعوام تلاقى قلباهما قبل تخرجه في الجامعة ولانه يرغب في الزواج منها لم يخجل من إعلان حبه على الملأ، وبارك الأهل تلك المشاعر على أنها مقدمات خطبة لا قصة غرام فالعائلتان محافظتان وتتمسكان بالعادات والتقاليد، وتم إعلان الخطبة رسميا في حفل كبير بعدما انتهت أمي من دراستها وحصلت على مؤهل جامعي، وحصل أبى على وظيفة مرموقة فكانت الأفراح بالجملة واكتملت مع تعيين أمي معلمة في إحدى المدارس، وخلال عام أو أقل قليلا كان أبى بمساعدة أسرته ومساهمة أسرة أمي قد انتهى من شراء شقة وتأثيثها بما يليق بمكانته، وتم الزفاف واصبح العاشقان زوجين ولا ادري كيف كانت السنوات الأولى من زواجهما، ولا اعرف إن كان الزواج قد طرد الحب أم استمر ولا أعلم تفاصيل تلك السنوات وما دار فيها، فأبي وأمي يتجنبان الحديث عن نفسيهما معي، وليس لدي فضول لمعرفة ذلك ولا ابحث عن إجابات لتساؤلات، معرفتها لا تنفع والجهل بها لا يضر.
ونبدأ حين استطعت تمييز الأشياء فأبي - بسبب ظروف عمله - يتغيب كثيرا عن المنزل، يأتينا كل أسبوع أو كل أسبوعين وكانت أمي تصطحبني إلى بيت أبيها، فقضيت كل تلك الفترة بين أخوالي وأبنائهم واقتربت منهم وأصبحت واحدا منهم كانوا اقرب لي من أعمامي وأقارب أبى فهو عندما يزورنا يحضر إلى بيت جدي ليأخذني أنا وأمي لسويعات معدودة، لكن كان يغدق علينا ولم يقصر تجاهنا بقدر ما يستطيع، وظروف عمله تضطره للابتعاد فلم يكن ذلك بيده ولم يقصده على الإطلاق وعمله لم يكن مستقرا في مكان واحد فلم يستطع أن يصطحبنا معه.
كنت قد بلغت السادسة من عمري عندما جاءت أختي إلى الدنيا كانت طفلة جميلة فرحت بها لأنها ستنتشلني من الوحدة وتشاركني وقتي وغرفتي، وارتبطت بها بشدة، لا أحب أحداً غيري أن يحملها، أداعبها وهي تدخل السرور على نفسي وهي تبتسم في براءة لكن أحلامي تحطمت كلها، فعندما وصلت أختي إلى سن الرابعة من عمرها ظهرت عليها علامات مرض غريب، عرفنا فيما بعد من التحاليل والفحوصات ورحلة عذاب طويلة بين العيادات والمستشفيات انه مرض وراثي، يصيب العقل والجسد في نفس الوقت، أي أنها ستصاب بالتخلف العقلي، فيتوقف نمو الجسم والعقل معاً، مع هشاشة العظام، وتشوهات في الأطراف، وبدأت كل هذه الأعراض تظهر عليها سريعا، وغرقت في الحزن والهموم ولم يدخر أبي وسعا وبذل اكثر مما يستطيع من أجل علاجها لكن بلا نتيجة إيجابية، أكثر من خمس سنوات من العذاب بلا تقدم، بل الحالة تزداد وما كان يخفف عنا هذه المعاناة أن أختي لا تعاني آلاما بسبب هذا المرض، ولقلة الحركة ازداد وزنها، واعتادت أمي تركها وحدها في المنزل، فأبي غائب في عمله وأمي في عملها وأنا في المدرسة فبدأت حالتها النفسية تزداد تأثرا، ورفضت أمي البقاء في البيت من أجلها رغم أن أبى ألح عليها كثيرا في هذا وخاصة أننا لسنا بحاجة لعملها، لكنها كانت تعتبر ذلك جزءا من شخصيتها، ومتنفسا في غيابه، وبدأت الخلافات تطفو على السطح وأشاهد أمامي شجارا لا استطيع التدخل فيه، واصبح هذا هو المعتاد في أسرتي، حتى في الساعات القليلة التي كان أبي يحضر فيها إلينا، وقد استقرت بنا أمي في بيتنا وتوقفت عن الذهاب إلى بيت أبيها بسبب مرض أختي وظروفها وعدم قدرتها على الحركة، فإذا خرجنا كنا نحملها على ظهورنا، وعندما يعرض أبي على أمي الخروج للتنزه ترفض وتتعلل بالنوم مبكرا كي تستيقظ مبكرا لعملها، فيخرج أبي وحده ويعود في ساعة متأخرة واعتاد ذلك في الأيام والسنين التالية كلها.
وأنا في الخامسة عشرة جاءت أختي الثانية، ولكن في غير الظروف التي جاءت فيها الأولى، فقد سبقتها المخاوف من تكرار المأساة، بل تكررت بالفعل بصورة طبق الأصل، لم نفقد الأمل في رحمة الله، وتعايشنا مع قدره ومشيئته لا ندري إن كنا نتمنى للصغيرتين الشفاء، أم الموت لكن علاقة أبى مع أمي كانت على المحك، بلغ التوتر فيها ذروته، استطيع الآن أن أقول أن الحب الذي سمعت عنه وكان بينهما قد رحل، ولم يبق له أثر، لمست بينهما قطيعة زادتها تلك الدعابة التي حولتها أمي من الهزل إلى الجد، واعتبرتها حقيقة واقعة، عندما قال أحد زملاء أبى إن والدي يفكر في الزواج، بل تقدم بالفعل لخطبة فتاة اجمل من أمي لانه يريد أن يجدد شبابه ويعيش حياته، ولا اعرف ان كان هذا الرجل يعرف الخلافات التي بين أبى وأمي أم لا، وأيا كان الجواب فإن نتيجة هزله هذا كانت مدمرة، فقد اصبح أبي وأمي بسببها في حكم المنفصلين، أو أن العلاقات بينهما كانت مقطوعة تماما وفشلت محاولات أبي معها ولم تصدق أن هذا من قبيل المزاح، وأنه لا يعتزم الزواج ولا يفكر في هذا الأمر، وليس على أدنى استعداد لأن يضحي بأسرته لكن أمي زادت في عنادها وأصبحت ترسم سيناريوهات خيالية لا علاقة لها بالواقع، توهمت أن زميله سيزوجه اخته، وأنا أعلم أنه ليس له أخت أصلا، ثم تعتقد كلما خرج من المنزل أنه ذهب للقاء امرأة، وإذا لم يحضر في موعده الأسبوعي تتخيل أن زوجته الثانية هي التي منعته من الحضور إلينا.
انتقلت أختي الكبرى إلى الرفيق الأعلى، وتركتنا وحياتنا على هذه الوتيرة، وكنت قد التحقت بالجامعة، اشعر بالضياع بين أب وأم لا يعرفان مصلحتي، وإن لم اشك لحظة في حبي لهما وحبهما لي، لكن النتيجة أنني ضائع تائه بينهما، فشلت كل محاولاتي للإصلاح بينهما، وأصبحت لقاءاتنا نادرة، وان حدثت يكون مجلسنا مثل مجلس الخرس لا نتبادل أي حديث ولا نناقش أي قضية، كل الخطوط بيننا مقطوعة، نفد صبري واستسلمت لهذه الأوضاع إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، فليس لدي ما افعله، وبدأ أبي يشكو بعض الأمراض، الغريبة الأعراض، وأجمع الأطباء بعد فشل كل الأدوية أنها حالة نفسية، وليست مرضا عضوياً، وكلما شفي منها عادت مرة اخرى ويعاود معها رحلة العلاج والأطباء.
سارت حياة أسرتنا بالدفع الذاتي، أنا في دراستي الجامعية وأبى في عمله وقد ترقى واصبح مديرا وازدادت أعباؤه ومسؤولياته، وأمي أيضا أصبحت ناظرة مدرسة وأختي الثانية قعيدة في البيت لا مطالب لها غير الطعام والشراب، ولجأ أبي إلى وسيلة اخرى لكسر هذا الجمود، وأراد أن يلقي حجرا في الماء الراكد فأعلن انه سيطلق أمي، وانه يرفض هذه المعيشة التي هي للعدم أقرب فقامت الدنيا في العائلتين ولم تقعد، رفض الجميع ذلك فتلك حادثة غير مسبوقة فيهما، فلم يسبق لرجل أو لامرأة فيهما الطلاق، أما أمي فقد جاء رد فعلها هادئا، إذ رحبت بالطلاق واعتبرته الحل الأمثل وكنت اشعر بأن أبى ليس جادا فيما يقول وإنما من قبيل التهديد، وقد يكون هذا الشعور وصل لأمي فجعل موقفها كذلك وان لم اكن على يقين من أي شيء، واستمر الحديث عن ذلك عدة اشهر بين شد وجذب وتصديق وتكذيب وجد وهزل، وعادت مرة أخرى المناوشات بين أبي وأمي، تكيل له الاتهامات وتؤكد خيانته لها بالزواج من أخرى، ويكتفي بالضحك أو الابتسام بعدما يفشل في تبرئة نفسه وهو غير قادر على تقديم دليل نفي يمكنه أن يقنعها به، وعندما فشلت خطته هذه، قرر أن يلجأ إلى خطة بديلة، حيث أعلن اعتزامه الزواج، ولقي قراره هذا استغرابا واستنكاراً كذلك، فلم يكن هناك في العائلتين زوج لاثنتين، وكيف يترك زوجته وأم أولاده ويتزوج بأخرى؟ وكان رد أمي هذه المرة، أن أبي متزوج بالفعل لكنه يريد أن يمهد للإعلان عن فعلته وليعرف ردود الفعل.
أنهيت دراستي وحصلت على شهادة جامعية، وعاودت الأمراض أختي الصغيرة، واضطرت أمي للاتصال هاتفيا بأبي، وعندما ضغطت على الأرقام، جاءها صوت أمرأة من الجانب الآخر ترد عليها من موبايل أبي، فاعتقدت أمي أنها اخطأت في الأرقام، فأعادت طلب الرقم مرة اخرى، فجاءها نفس الصوت، فبادرتها بالسؤال من أنت؟ فقالت أنا خادمة جئت لتنظيف الغرفة، عاجلتها بسؤال آخر وأين زوجي؟ أجابتها انه في الحمام فأغلقت أمي الخط وهي تزفر وقد أحمر وجهها، لقد تأكدت الآن أن أبى متزوج من امرأة أخرى وأثناء الاتصال كانت هذه ليلة عرسهما، أبي عريس يقضي شهر العسل هذه الأيام وأختي مريضة وأمي تغلي وأنا عاجز عن فعل أي شيء، حائر بينهما، وهنا جاء دور أمي لتطلب هي الطلاق، رفضت أن تعيش مع ضرة خاصة بعدما علمنا أن أبي تزوج أرملة ولديها طفلان تأكدنا أننا فقدناه إلى الأبد فبدلا من تربيتنا سيتولى تربية ابني زوجته، وسيأخذونه تماما وينتهي الأمر وتكون هذه هي النهاية.
بعد عدة اشهر دعاني أبي لرحلة مع زوجته وابنيها ومن باب الفضول والمعرفة لبيت الدعوة وكي أكون منصفا وجدت من زوجة أبي اهتماما كبيرا ورعاية طوال أسبوع وهو ما لم أجده من أمي، وإن لم يكن الاهتمام بهذا القدر في المرات التالية، إلا أنني لم اكرهها خاصة أن أبي يشعر معها بالسعادة وتهتم بشؤونه بكل ما تستطيع والنتيجة الأولى انه استرد عافيته ولم يعد يعاني الأمراض السابقة وكان نصيبي من أمي التوبيخ والتأنيب، اتهمتني بأنني مثل أبي وأن الخيانة في دمنا وشعرت بآلامها والتمست لها العذر. الآن التحقت بوظيفة مثل وظيفة أبي لكن لا افكر في الزواج لان المخاوف تسيطر على رأسي وأخاف تكرار تجربة أبي وأمي، التي تحولت إلى عقدة وكابوس يؤرق نومي ويقظتي ولم يعد لدي الاستعداد لذلك بل لا أطيقه.

اقرأ أيضا