الاتحاد

دنيا

أم في الجحيم

تجاوز الخمسين، فيما تقترب هي من الثلاثين والفارق بينهما يزيد على العشرين عاماً، ورغم ذلك وجدت نفسها محظوظة، وأن تلك فرصة لن تتكرر وستمر مر السحاب، وإن لم تغتنمها فستندم عليها طوال العمر تقدم لخطبتها في الوقت الذي لم يطرق احد ممن يقاربونها في العمر باب والدها ليطلب يدها فليس في أسرتها ما يغري أي شخص بالإقدام على تلك الخطوة فكل منهم يريد فتاة ثرية أو على قدر من الثراء أو صاحبة أملاك وعلى الأقل لديها وظيفة تدر دخلاً يمكنهما من العيش ولو على هامش الحياة وأسرتها متوسطة الحال وإلى الفقر أقرب تعليمها متوسط وبها مسحة من الجمال لا تصل إلى الإغراء منذ سنوات طوال تسلل اليأس إلى نفسها فقد دخلت مرحلة الخطر وطالها شبح العنوسة وبدأت تستسلم لأن قطار الزواج فاتها فقدت الأمل في رجل يشاركها حياتها لذلك عندما تقدم «محمود» لخطبتها لم تصدق نفسها وخشيت أن تكون في حلم جميل تخاف أن تستيقظ منه وتعود إلى الواقع الأليم حتى أسرتها كانت تسيطر عليها الأحاسيس والمخاوف نفسها ولم يصدقوا فالرجل رغم سنه هذه أقرب إلى الشباب وفيه حيوية وحركة والاهم من هذا أمواله الكثيرة فهو من رجال الأعمال الأثرياء ولديه بنايات وشركات ومصانع فلم تكن لهم مطالب منه فهو يقدم اكثر مما يريدون وخلال عدة أسابيع تم زفاف العروسين وانتقلت «هند» إلى شقة في منطقة راقية لم يرد بخاطرها يوماً أن تمر فيها والآن هي صاحبة بيت فيها ومازالت المخاوف تراودها وتلعب برأسها من فقدان هذا النعيم حتى أنها تغاضت عن تغيب زوجها كثيراً عن البيت الذي أصبح بالنسبة له مجرد استراحة يأتي متأخراً ويخرج مبكراً وما بينهما وقت للنوم ساورها الشك في انه لم يأت بزوجة تشاركه حياته وهمومه وأحلامه وإنما اشترى خادمة تنظف له المنزل وتغسل الملابس وتعد الطعام وترد على الهاتف وتتلقى الأوامر فتجيب، ورغم أن تلك أصبحت قناعتها الكاملة، لكنها تذرعت بالصبر كلما تذكرت حياتها السابقة وأحوال أسرتها وماذا لو عادت إلى بيت أبيها، حيث الفقر والعوز؟ فكانت بين خيارين كلاهما مر.
بعد عام واحد من الزواج رزقا بطفلة اطلقا عليها اسم «منة» لكن وتيرة الحياة لم تتغير فالزوج في انشغالاته التي تزداد يوماً بعد يوم واصبح يتغيب بالأيام عن أسرته الصغيرة وإن لم يقصر يوماً في مطالبها ولم يبخل عليها لكن الوحدة تكاد تعصف بالزوجة التي لم تستطع الصغيرة أن تشغل إلا القليل من وقتها وكل الفضائيات التي تشاهدها لا تزيدها إلا مللاً ببرامج لا تستهويها وأفلام مكررة، وكثيراً ما اشتكت لزوجها هذه الأحوال فلم تجد إلا إجابة واحدة هي نفسها كل مرة انه لم يخف عنها ظروفه وتعرف طبيعة عمله وانشغالاته وليس في الإمكان افضل مما كان مما جعلها تصل إلى حد اليأس. وزاد الطين بلة بالعاصفة التي هبت حول الزوج لتهتز أعماله وتنقلب أحواله ويتعرض لنكسات مالية متتالية عطلت الإنتاج وضاعفت الديون ولوح الدائنون بالشيكات التي حررها لهم لكن لم يكن في يده شيء يفعله فقدموها إلى المحكمة ويفاجأ بأحكام الإدانة تهبط فوق رأسه واحداً تلو الآخر حتى تراكمت وأثقلت كاهله وأصبح مطاردا لتنفيذ أحكام الحبس حتى انقطعت صلته بأسرته إلا قليلاً ولم يعد يرى طفلته التي بلغت السادسة ولا يزورهما إلا على فترات متباعدة وفي جنح الظلام ولم تأته المصائب فرادى بل انهالت وانهمرت كالسيل الجارف وكأنها ألقت به من فوق جبل شاهق إلى قاع واد سحيق وانتقل الى خانة الفقراء رغم انه مازال يملك أصولاًِ من عقارات وشركات قيمتها ملايين الجنيهات لكنه غير قادر على التصرف فيها وهو مطلوب لتنفيذ الأحكام بحبسه.
وكانت الزوجة واحدة من الأعباء الثقيلة، وبدلاً من أن تعينه عليها وتشاركه تحمل المسؤولية وتشد عضده لعبور هذه الأزمات وهي تعرف ضعفه وما يعاني في هذا الوقت العصيب وتعرف انه مطارد من العدالة وغير قادر على المواجهة والدفاع عن النفس توجهت إلى قسم الشرطة تحرر ضده بلاغا تتهمه فيه باختطاف ابنتها مبررة ذلك بأنها طلبت منه الطلاق فرفض ويخشى أن تهرب بالصغيرة فيفتقدها. وقالت الأم وهي تذرف الدموع الغزيرة أنها تخشى أن يحدث لابنتها مكروه فقد قام زوجها وشابان باختطاف الصغيرة أثناء خروجها من المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي وتعاملوا معها بقسوة وقد شاهدتهم بعينيها وهم يكممون فمها حتى لا تستغيث وتم تحرير المحضر وبدأ رجال المباحث يفحصون البلاغ ويضعون خطة التحرك للتحقق من صحته وكيفية القبض على الجناة ومعرفتهم والتوصل إلى مكانهم ومكان أخفاء الطفلة قبل أن تتعرض لأي أذى.
المفاجأة الأولى التي توقف أمامها رجال المباحث كشفت عن ان البلاغ كاذب لأن اليوم الذي حددت الأم وقوع الحادث فيه كان يوم جمعة أي اجازة رسمية والمدرسة مغلقة تماماً وتتم مناقشتها من جديد فتحاول المراوغة وتدعي أنها اخطأت في تحديد تاريخ اليوم، بينما يندفع فريق بحث آخر يجمع المعلومات لتتوالى المفاجآت كالعاصفة، وتؤكد أن «هند» على خلاف مع زوجها وطلبت منه الطلاق بعدما اشتدت ازمته لكنه رفض فكانت تتحرك بحرية؛ لأنه غير قادر على السيطرة عليها وهو في هذه الظروف وبسبب تهربه من الأحكام وتعرفت إلى شاب ونشأت بينهما قصة غرام وشوهدت معه في اكثر من مكان عام في مدينة غير التي تقيم فيها فهو رغم انه مازال طالباً أو انه طالب فاشل، فإنه ابن عائلة ثرية انفق عليها ببذخ واستغل وحدتها وحريتها واستأجر لها شقة هي والطفلة على نفقته لتقيما فيها ويلتقي بها وقتما شاء لكنه كان يكره الصغيرة لانها تمنعهما من الاستمتاع بوقتهما ويتصيد لها الأخطاء وعندما دعاهما لتناول الغداء في مطعم مشهور في المدينة سقط كوب الماء من يدها فضربها ضرباً مبرحاً أمام الرواد واستنكروا جميعاً تصرفه وهم يظنون انه ابوها ولم يرحم صراخها وهي تستغيث وتختبئ في أمها التي كانت تعاونه في ضربها ولم يتحمل الغرباء هذه القسوة والوحشية فتوقف بعضهم عن تناول الطعام، بينما رحل البعض الآخر احتجاجاً واعتراضاً ووضع رجال الشرطة كل هذه المعلومات أمام الأم وواجهوها بها مع الخطأ الذي أوقعت نفسها فيه فلم تستطع الإنكار ولم تجد وسيلة للتهرب والخداع وانهارت وبكت بكاء حقيقياً بدلاً من دموع التماسيح السابقة.
جلست «هند» تعترف وتروي حكايتها من البداية إلى أن تعرفت على هذا الشاب ووعدها بالزواج لكن بشرط أن تكون وحدها وان ترد الطفلة لأبيها فلم تستطع لأن والد الطفلة غير موجود فاضطرت لاصطحابها معها وقد قاما بتعذيب الصغيرة وضربها حتى فقدت الوعي في اخر مرة وبعد عدة ساعات لفظت أنفاسها وخشي العاشقان المجرمان افتضاح أمرهما فدفنا الجثة في حديقة الفيلا التي يملكها والد الشاب دون أن يراهما أحد أو يعرف بجريمتهما البشعة أي إنسان، لكن ظل الهم الأكبر وهو بماذا يجيبان عندما يسألان عن الطفلة؟ وقررا أن يستغلا ظروف الأب الهارب ويتهماه باختطافها خاصة انه لن يتم القبض عليه وتضاف إليه تهمة جديدة وإذا تم القبض عليه، فإنه لا يمكنه الإفلات من الاتهام فيدخل السجن ولن يخرج أبداً وبذلك يفلتان من العقاب، ويضربان كل العصافير بحجر واحد، وأخيراً يخلو لهما الجو ويتزوجان.
والقي القبض على القاتل ليعترف هو الآخر بجرمه ويتم حبسهما واستخراج جثة القتيلة البريئة الصغيرة التي لا تدري بأي ذنب قتلت؟ هل بسبب أبيها الذي تركها فريسة لهذين؟ أم بسبب شاب لا يعرف الرحمة ولا الإنسانية؟ أم بسبب أُم لم ترق إلى درجة الحيوان الذي يموت دفاعاً عن صغاره؟ ربما تكون ضحيتهم جميعاً وكلهم مذنبون.

اقرأ أيضا