الاتحاد

دنيا

رحلة شجون

انقشع البرق وأرعدت السماء، فنزلت قطرات ماء تدحرجت على وجنتي، غسلت أعماقي من درن الزمان، ومسحت نفسي من غبار راكمته الأيام.
تركتُني في الشارع للنسائم تلفحني، مشيت مسافات طويلة، أردت تخزين أكبر قدر من عليل الهواء، لحظات عزلتني عن الموجود، لم أعد أسمع ضجيج السيارات، وأبعدتني عن صخب حياة، حملتني الرياح بعيداً، وأحرقتني بلهيب الذكريات، قطعت تفكيري في الزمان، وفجأة وجدت نفسي صغيرة جداً بين الحقول أجول، وجدت نفسي في بيتنا العتيق أين سقط رأسي، في قريتي الدائم خضارها، فجمعت الطين المبتل بالمطر وشكلت خيالي وما اقتنصته عين صباي الأول، تخضبت يداي سعادة، لازالت رائحة التراب المثار بأول قطرات المطر تثير شجوني، ترجعني هذه الرائحة لسنين خلت لا أذكر منها إلا ما ينام في ذاكرة الصغر؟ حملني الزمان لصباحات تشرق شموسها دافئة توقظ الزهور البرية، وترسم قبلة على خدود شقائق النعمان الندية، وتداعب سنابل القمح المتمايلة، ممتدة الحقول على امتداد البصر، أبدع الخالق في رسم لوحات يعجز اللسان، وتخرس الكلمات، ركضت وسط طبيعة شكلت معرفتي الأولى.
لازال قلبي أسمع نبضاته ونحن نجري، تخفي أجسادنا الصغيرة نظارة الربيع، صغار تجمعنا الروابي والحقول، نقطف الزهور ونشكل منها البيوت والعرائس والخيول، نقف على الربوة ونتسابق على رؤية أبعد نقطة في الوجود، حيث يشهد عناق السماء مع الأرض في عشق حين تغوص الشمس في أحشاء آخر نقطة في الأفق، وقت الغروب حيث يتصاعد دخان المطابخ، فتمتزج رائحته بالطبيعة التي تغمض جفونها برحيل الشمس، لترتاح الجفون، لتصحو على زقزقة العصافير.
أرجع للبيت وإخوتي الصغار، ارتمي في حضن أمي وأنام حتى الصباح كالزهور والطيور، أنام مع غروبها وأستيقظ حين ترسل أول خيوطها الذهبية، لم أعرف « باربي» ولا « فلة»، شكلت عرائسي من قصب، وبيوتي من طين وحجر، ولونتها بأنواع الزهور وفرشتها بالبرسيم الأخضر.
أذكر كل ذلك مع أن عمري لم يكن يتجاوز الرابعة حين رحلنا لصخب المدينة، امتد تفكيري لسنوات خلت، نجحت لحظة المطر في حملي إلى ذاكرة الزمان، سرحت خلالها أنتعش بزخات المطر تدغدغني وترفعني من على الأرض، سعادة مفاجأة زارتني، خف وزني فحلقت بين ينابيع المياه وخضار الأرض ورائحة الزهور البرية، ونمت، بعد تعب يوم صغير على ركبة أمي، أتحسس يديها تداعب خصلات شعري المغبر، نوماً عميقاً
و لحظة سفر، استفقت منها على صراخ سائق سيارة يشتمني على تجاوز الطريق دون انتباه، حينها فقط حطت رجلاي على الأرض، وكنت هنا أتابع صخب الحياة.

لكبيرة التونسي

اقرأ أيضا