الاتحاد

دنيا

يابانية نشيطة تكرس نفسها جسراً للتواصل بين الإمارات واليابان

قدمت إلى الإمارات وأقامت بداية في أبوظبي ومن ثم انتقلت إلى دبي، وذلك بعد أن تعرّفت اليابانية ناوكو كيشيدا على زوجها الإماراتي خلال رحلة بحرية تنظمها الحكومة اليابانية تحت عنوان “إبحار لشباب العالم”، وتشمل زيارة عدد من البلدان في العالم متنقلة من مرفأ إلى آخر في سبيل التعرّف على ثقافات الشعوب. وكان أن شارك يوسف طحنون من الإمارات في رحلة العام 1990 فتكلّلت رحلته بزواجه من ناوكو، التي اعتادت منذ أيام الجامعة القيام بنشاطات شبابية تطوعية في سبيل التفاهم والفهم بين شباب العالم.

خمسة أولاد هم ثمار هذا الزواج، غير أن ناوكو أرادت لكونها تمكنت من الانخراط في الحياة الاجتماعية الإماراتية أن تؤسس لعلاقة يسودها التفاهم واستيعاب ثقافات الآخرين بين اليابانيين المقيمين في الإمارات والمجتمع الإماراتي، وفي ذلك تقول “لاحظت أن ثمة الكثير من اليابانيين الذين يأتون إلى الإمارات ويعملون لفترة ومن ثم يعودون أدراجهم من دون أن يتعرفوا على المجتمع الإماراتي بعاداته وتقاليده ودينه ولغته، وهذا أمر مؤسف بالفعل، لأن كل من يزور الإمارات بوسعه أن يكون بمثابة سفير يخبر عنها بصدق وشفافية تبعد النظرة النمطية عن الأذهان... ولكن ما هو السبيل لتحقيق ذلك؟ إنهم يأتون ويرحلون من دون التعرف على الثقافة الإماراتية... أردت أن أقوم بعمل مختلف يقرّب بين الثقافتين اليابانية والإماراتية وبعد عمل في غالبيته تطوعي - وكنت أدرّس اللغة اليابانية للإماراتيين الراغبين بالالتحاق بالجامعات اليابانية- قررت تأسيس المركز الثقافي الإماراتي - الياباني الذي بدأ نشاطاته في مارس 2008، ونسعى حالياً إلى إصدار ترخيص له ومركز دائم لنتابع ما بدأنا به ونحصد نتاجه في فترة قياسية”.
من رحلة السفينة التي حوّلت وجهة ناوكو إلى الإمارات إلى رحلة الانخراط في المجتمع الإماراتي بكل تفاصيله،حيث أنها سعت في تربية أولادها على اعتبار الثقافة والمجتمع الإماراتي انتماء لهم، من دون أن تلغي ثقافتها اليابانية التي تأتي بالنسبة لتربية أولادها في المرتبة الثانية، وصولاً إلى رحلة التعريف بالإمارات لليابانيين وتعريف الإماراتيين بالثقافة اليابانية. وتقول كيشيدا “أردت ألا يضيع أولادي ويعيشون حياة تعيسة، وفي سبيل ذلك سعيت جاهدة كي لا يتشتت انتماؤهم، وفي الوقت عينه أن يعرفوا تماماً عن جذور والدتهم، لم أرد لهم أن تكون ثقافتهم نصف إماراتية ونصف يابانية، فحدّدت ما أريد لأنني متزوجة من إماراتي، وأقيم في الإمارات، من دون أن أغفل جذوري”.
منذ 1990 وحتى اليوم، لا تزال ناوكو كيشيدا تتابع مسار رحلة الحكومة اليابانية التي تقام سنوياً لفترة ثلاثة أشهر، ومنذ نحو أسبوعين التقت بطاقمها وشبابها الآتين من عدة بلدان من العالم في مرفأ دبي، وألقت محاضرة لهم عن الإمارات.
تقول ناوكو كيشيدا “العمل في مجال التبادل الثقافي لم يكن مصادفة في حياتي، فمنذ أن كنت طالبة اشتركت في العديد من برامج التبادل مع طلاب من مختلف أنحاء العالم”. وتضيف “حين قدمت إلى الإمارات لم أكن أعرف اللغة العربية ولا زلت غير ضليعة بها، إنما أعرف ما يكفي ليمكنني من التواصل مع جيراني. وحين أصبح أولادي في المدرسة، ساعدت في العام 200 على تأسيس نظام للنشاط الياباني في مدرسة الشارقة الحديثة، وتطوعت مع المدرسة في هذا المجال لفترة سنة، كنت خلالها أدرّس اللغة اليابانية للنادي الياباني في جامعة الشارقة. وتابعت تعليم اليابانية للطلاب الإماراتيين الذين أبدوا اهتمامهم باللغة خصوصاً مع اهتمامهم بالدراسات العليا في الجامعات اليابانية في اليابان، وذلك لذيوع صيتها في المجالات التكنولوجيا المتطورة، وقد زاد هذا الإقبال أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001... وثمة من كانوا يدرسون اللغة اليابانية كهواية واهتمام شخصي لا علاقة له بالسفر إلى اليابان لمتابعة دراساتهم العليا”. وتشير من خلال خبرتها إلى أن أولئك الذين اهتموا بتعلّم اللغة اليابانية كهواية، كان محفّزهم الرئيسي فهم الكلمات المكتوبة والحوارية في الألعاب الإلكترونية والرسوم المتحركة”.
التعريف بالإسلام
تقول كيشيدا إنَّها بدأت منذ العام 2004 بإعطاء محاضرات عن الحياة الإماراتية وعن الإسلام للنساء اليابانيات في أبوظبي، كما كانت تخبرهم عن تأسيس الإمارات وكيف تم بناء الدولة، والأهم عن واقع المرأة الإماراتية، وهنا شدّدت “لا يعرف الزائرون أو المقيمون إلا معلومات خاطئة عن المرأة الإماراتية، فيما أن واقعها مختلف عن النظرة النمطية بدورها الفعّال والمؤثر في مجتمعها... إنهم يعتقدونها مقيّدة وهذا بالطبع ليس صحيحاً”. وتردف “شعرت أن عليّ واجبا بما أني انخرطت في الحياة الإماراتية أن أقول وأعرّف بالحقيقة لأن المرأة الإماراتية لا تشبه بأي شكل من الأشكال الصورة النمطية المكوّنة عنها”.
وتضيف “لقد فتحت أبواب منزلي وأحياناً كنت استقبل فيه نحو 45 امرأة يابانية لإعطاء هذه المحاضرات، كما أتيح لي إلقاء هذه المحاضرات في جمعية النساء اليابانية وفي المدرسة اليابانية في دبي، وذلك وفق الظروف المتاحة لتنظيم هذه المحاضرات فيهما. كما دعتني زوجة القنصل الياباني في دبي لإلقاء المحاضرة في مقر إقامتها والقنصل، وهناك التقيت بزوجات مديري أهم الشركات اليابانية، وتمكّنت من الحديث معهنّ عن الحياة الإماراتية وصورة الإمارات الحقيقية التي لا يتاح للكثيرين الإطلاع عليها بالعمق. وشعرت أن من أتحدث معهنّ سوف يعودون يوماً ما إلى اليابان وسوف يخبرون محيطهم عمّا سمعوه مني، فتوضح الصورة أكثر”.
مرجعية يابانية
الدافع الذي كان وراء تأسيس المركز الثقافي الإماراتي - الياباني جاء مع علم كيشيدا بأن ثمة إقبال كبير من الطلاب الإماراتيين للدراسة في اليابان، ويودون قبل توجههم إلى جامعاتها التعرف على البلد بثقافته ولغته، من دون أن تتوفر لهم هذه الفرصة، فسعت حينها كيشيدا إلى جعل محاضراتها التي كانت تلقيها جزءاً من نشاطات يقوم بها مركز يعرف في الوسط الإماراتي ويشكّل مرجعاً لكل الراغبين بالتعرّف على الحياة الإماراتية وعلى الحياة اليابانية على السواء، عنوانه العريض ثقافي ونشاطاته تعزّز التواصل والتفاهم الثقافي المتبادل، وهكذا أثمر عملها ومحاضراتها عن تأسيس المركز الذي حدّدت أهدافه منذ البداية بشكل واضح، وأولها التعريف بالثقافة الإماراتية للمقيمين اليابانيين في الإمارات، ثانياً التعريف بالثقافة اليابانية للمواطنين الإماراتيين، ثالثاً تنظيم نشاطات مشتركة من الجنسيتين تتخطى نظام المحاضرات وعمادها القائم على توافر محاضر وتلامذة متلقين، بحيث يجمع بين الناس ويعزّز التفاعل بينهم. أما الوظيفة الرابعة للمركز فهي الترويج للدراسات العليا في الجامعات اليابانية للطلاب الإماراتيين الذين يرغبون بالتوجه إلى اليابان لمتابعتها ونيل شهاداتهم منها، كما تضم وظيفة المركز في هذا المجال العمل على تأسيس نادي خريجين للذين نالوا شهاداتهم في الدراسات العليا من الجامعات اليابانية.
المتطوعون دائماً
تشير محدثتنا إلى أن ابنها البكر الذي يبلغ الثامنة عشرة من عمره، قد بدأ في اليابان دراسة النظام الشمسي للطاقة بمنحة من شؤون الرئاسة في أبوظبي، وذلك لاحتلاله على مدى عامين في المرحلة الثانوية درجة الشرف. وتشير إلى أهمية الطاقة الشمسية للإمارات في المستقبل، معوّلة على عودة ابنها من اليابان بعد تخرّجه للمساهمة في تطور الإمارات.
وتقول كيشيدا أنَّها وحتى بعد عامين على تأسيس المركز وإقامته لعدة نشاطات اجتماعية وتعليمية، لم يتوفر مقره الدائم بعد.، وجلّ من يقوم في المساعدة في المركز بشكل مستمر هم من المتطوعين ويبلغ عددهم 15 متطوعاً. وبالتالي، تعمل كيشيدا حالياً على السعي لتأمين تمويل للمركز وإيجاد مقر ثابت له يسهّل من عملية نيله للرخصة، مشيرة إلى أنها تتقاضى من المشاركين في المخيم الصيفي والمحاضرات مبالغ رمزية لتغطية تكاليف حجز القاعات التي تنظم فيها هذه النشاطات، كما أن السفارة اليابانية ليس لديها ضمن ميزانيتها ما يسمح بدعم مركز مماثل. وتقول “عقدت كمؤسسة ورئيسة للمركز اجتماعاً رسمياً مؤخراً للبحث في الحل المناسب لإيجاد مقر دائم للمركز وللعمل على نيل الرخصة من خلال لقاء الرسميين واطلاعهم على النشاطات الكبيرة والمهمة التي قمنا بها في العامين المنصرمين، متأملة بنيل دعمهم لمركز يعرّف بالثقافتين الإماراتية واليابانية ويساعد الطلاب الإماراتيين في دراسة اللغة اليابانية وفي اختيار الجامعة المناسبة لاختصاصهم في اليابان.
الحب أساساً
تختم ناوكوكيشيدا بالقول: “هدفي الرئيس ليس مجرد إيجاد مقر ثابت ودعم، بقدر أن يصبح هذا المركز مركزاً للمعلومات ومعزّز فعلي لكل من الثقافتين الإماراتية واليابانية. إن بوسعنا مساعدة الطلاب بشكل فعّال ليتأقلموا مع النظام التعليمي في اليابان، ويعرفوا كيف يختارون جامعاتهم واختصاصاتهم. وشعاري في الحياة للذين يعيشون في البلدان التي لم يولدوا فيها هو أن يتأقلموا مع حياة المجتمع الذي يقيمون فيه، وليس محاولة تغيير محيطهم ليتلاءم مع طبيعة الحياة التي اعتادوا عليها، فمع الحب بالوسع أن يعيش الإنسان أينما كان طالما أنه لا يحاول أن يغيّر المحيط وفق أهوائه، والحب والمحبة يكفلان له التأقلم والتفاعل مع المجتمع الذي يقيم فيه.

اقرأ أيضا