الاتحاد

عربي ودولي

روسيا أناس يصنعون المركبـات الفضائية وآخرون يتنقلون على الحمـير


موسكو - الاتحاد - خاص:
لحظة الاختيار هي، واقعياً، لحظة مستحيلة في روسيا: النموذج الأميركي حيث القوة الضاربة التي تمتد كونياً أم النموذج الياباني حيث الدخول الكامل في التكنولوجيا وفي الاقتصاد بعيداً عن أي هاجس استراتيجي؟
هو الاختيار بين الكاوبوي والساموراي· لكن روسيا لا تستطيع ان تكون روسيا التي قد تستعيد عظمتها أليست روسيا المقدسة؟ في منتصف القرن، فالأولوية لبناء اقتصاد ديناميكي ومستقبلي حتى لا يصيب الاتحاد الروسي ما أصاب الاتحاد السوفييتي·
فلاديمير بوتين يعمل على أساس النموذج الروسي: التسوية بين الخيال والواقع، بين العظمة والخبز· ولكن ألا يقول تقرير للخارجية الإسرائيلية ان الروس يعملون لموطئ قدم في الشرق الأوسط· كيف؟
أيهما أفضل أن يقلّد الروس الكاوبوي أم يقلّدون الساموراي؟
عندما زار رئيس غرفة الصناعة والتجارة الروسية يفجيني بريماكوف أخيراً بيروت، لوحظ ان الرجل الذي ولد وترعرع ساسياً راح يتحدث بلغة اقتصادية راقية، معتبراً ان الأولوية الاستراتيجية لبلاده هي·· الاقتصاد·
هو الذي كان صحافياً يجول في الشرق الأوسط، ثم انتقل الى موسكو ليصبح وزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء، وكاد يحل محل الرئيس بوريس يلتسين في الكرملين، لو لم يدفعه اللوبي اليهودي بزعامة ميخائيل خودوركوفسكي بعيداً خصوصاً بعدما دعا في مطاري بكين ونيودلهي الى اقامة مثلث استراتيجي يضم روسيا والصين والهند في وجه الولايات المتحدة بطبيعة الحال·
الاقتصاد إياه هو الذي أزال الامبراطورية السوفييتية من الوجود· كان هناك ما يشبه الرؤية الخشبية للعالم، وحتى للتفاصيل ودون ان تكون الشيوعية كذلك كما كتب الفيلسوف الفرنسي لوي التوسير الذي اعتبر ان بالإمكان التعاطي مع الأيديولوجيا على انها زهرة اللوتس او التعاطي معها على انها·· السلحفاة·
كان ثمة امبراطورية على ظهر السلحفاة· صناعات ثقيلة من كل الأنواع العسكرية: طائرات، صواريخ، دبابات، غواصات· ولكن كان هناك نقص فادح في الصناعات الصغيرة بدءاً من السيارة وحتى الملعقة· لا تنوع على الاطلاق فالطنجرة التي تستخدم في احد الفنادق الكبرى في موسكو هي نفسها التي يستخدمها فلاح قوقازي في منزله المتواضع، وان حدثت تعديلات طفيفة في التصميم خلال السنوات الأخيرة من عمر الدولة· وكان على المفكر السويسري جان زيغلر ان يقول ان مهمة الايديولوجيا بدت كما لو انها القبض على الخيال· وكان قد بدأ مقالته بالتساؤل ما اذا كانت الطناجر لا الصواريخ العابرة للقارات هي التي قضت على الدولة·
المركبات الفضائية والحمير
اضافة الى ذلك وكما قال بريماكوف كانت الدورة الانتاجية في البلاد تعاني من خلل عضوي، بلاد مترامية بمساحة تتجاوز الـ22 مليون كيلومتر مربع نحو سدس اليابسة وتضم أكثر من مائة قومية و 15 دولة ولكن دون ان يكون هناك تنسيق او توازن في العملية الانتاجية· أناس يصنعون المركبات الفضائية التي تشق طريقها في المجهول وآخرون ما زالوا يستخدمون الحمير أو الكلاب في تنقلاتهم·
نشير هنا الى ما قالته وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس المتخصصة في الشؤون الروسية، منذ نحو 10 سنوات عن الاتحاد السوفييتي: دولة لا مبرر لها، هذا ما استنتجه بعد دراسة دقيقة للوضع اذ لم يكن باستطاعتي ان أعرف اي صلة تلك التي بين بطرسبرغ وطشقند·
كيف لدولة بتلك الضخامة وبتلك الامكانات والتي أنتجت رجالاً مثل بطرس الأكبر وايضاً رجالاً مثل الملكة كاترين ان تكون أقل شأناً من الولايات المتحدة التي استطاعت تسويق سراويل الجينز في أصقاع المعمورة؟ ماذا عن أصناف السجائر وعن الكوكاكولا والبيبسي كولا ماذا عن التشيكلس والهمبرجر والهوت دوغ، بطبيعة الحال ماذا عن البوينج والسيارات الفارهة التي كانت أحد مسببات مصطلح الحلم الأميركي؟
كانت الأخبار تصل عبر الاذاعات فجأة انفجرت الصورة في وجه الجميع· انه التليفزيون الذي دخل الى عمق الاشياء وراح الروس يسألون: ولماذا نحن نعيش هكذا؟·· السؤال كان من الضخامة بحيث حدث الزلزال· كتب جان دانيال في الـ نوفيل اوبسرفاتور: كما لو انك استيقظت ذات صباح وقيل لك ان الشيطان مات· شيء من هذا القبيل يشبه زوال الاتحاد السوفييتي·
السقوط بالصدمة الكهربائية
لا يريد الروس، بطبيعة الحال ان يزيل الاقتصاد الاتحاد الروسي المسافة لا تزال هائلة والتطور يحتاج الى جيلين أو أكثر، الخطوة الأولى قد تتحقق مع العام ·2020 لكن الخطوة الذهبية تنتظر منتصف القرن· هذا ما قاله لنا أحد رجال الأعمال الذي رافق بريماكوف اي انه اذا كان السقوط بالصدمة الكهربائية يفترض الا يكون القفز بالصدمة الكهربائية· هذه مغامرة في المجهول، والروس يتقنون الصبر· انهم يعيشون وراء الثلوج ويعرفون كل اشكال المرارات كما انهم يعرفون كل أشكال الفرح·
ثمة رأيان في موسكو: نكون مثل أميركا، بقوتها الاستراتيجية الضاربة ام نكون مثل اليابان التي تخلت عن كل الماضي الامبراطوري ولم يترك الاسطول الياباني شاطئاً مقابلاً الا واجتاحه وراحت تتعاطى بالتكنولوجيا حتى حققت، مع المانيا تلك النتائج المذهلة·
بداية لا تستطيع روسيا الا ان تكون دولة عابرة للقارات: 11 منطقة زمنية على مساحة 17075400 كيلومتر مربع، وهي اكثر دولة في العالم تتاخم دولاً أخرى الصين، اوكرانيا، بيلوروسيا، كازاخستان، اذربيجان، بولونيا، منغوليا، استونيا، فنلندا، كوريا الشمالية، ليتوانيا، ليتونيا، النرويج وجيورجيا اي 14 دولة فيما يبلغ طول سواحلها 37653 كيلومتراً·
كيف يمكن لدولة بهذا الحجم ان تبقى في مكانها وهي التي حاول نابليون بونابرت الدخول الى عاصمتها ولم يفلح بطبيعة الحال بعدما واجهته موسكو بالثلوج والنيران بما في ذلك النيران البشرية· واحد استطاع ذلك هو بوتاخان حفيد جنكيز خان الذي وضع يده على المدينة·
هل أصبحت قاحلة؟
أوروبا أصبحت شيئاً آخر، لا مجال لأي نشاط جيوبوليتيكي في القارة العجوز· لا ريب ان الأوروبيين افتتنوا بـ ستويفسكي و تولستوي و شولوخوف و غوركي و غوغول و يفتشنكو و باسترناك و سولجنتسين، البعض افتتن بـ فلاديمير ايليتش لينين ولكن من الصعب الآن ان تجد ادباً روسياً حديثاً في المكتبات الأوروبية لا موسيقى سوى لكورساكوف وتشايكوفسكي لا أفلام سينمائية او تليفزيونية، لا منتجات صناعية سوى الكافيار والنفط والغاز والحديد· هل اصبحت روسيا قاحلة الى هذا الحد، وماذا غيّرت فيها الرأسمالية·
ذات مرة، كتبت لوكنار انشينه الفرنسية الساخرة عن التوازن التجاري بين فرنسا والاتحاد السوفييتي وضعت لائحة بالسلع المتبادلة· تبين ان ثمن كمية الايديولوجيا التي يصدرها السوفييت يعادل ثمن الملابس والعطور ومستحضرات التجميل والسيارات التي كانت تصدرها فرنسا· الايديولوجيا لم تأت بنتيجة· مات جورج مارشيه وهو في الظل· الآن يحاول الحزب الشيوعي الذي كان ضارباً بجذوره ذات يوم ان يحتفظ بمجرد البقاء في الخريطة السياسية الفرنسية· هذه حالة هالكة وتندثر·
ثمة تقرير سرّي اسرائيلي تم اعداده من قبل مركز البحوث السياسية في وزارة الخارجية ويتعلق بالتقرير الاستخباراتي السنوي للعلاقات الخارجية يقول إن موسكو قررت تفعيل علاقاتها مع بعض الدول العربية من اجل استعادة موطئ قدم لها في المنطقة واستطراداً فهي ستتقبل اكثر فأكثر مواقف العرب من الدولة العبرية·
أي خدمة للعرب؟
هذا الكلام يقوله الإسرائيليون الذين أثاروا الكثير من الصخب الذي تناهى الينا أيضاً من واشنطن حول شراء صواريخ أرض - جو من روسيا· هذه صواريخ لا يمكن ان تبدّل قيد أنملة في الوضع الاستراتيجي الراهن ومع ذلك لا بد من الصراخ فيما الجيش الاسرائيلي الذي يمتلك ترسانة نووية هائلة يمتلك أحدث قاذفات القنابل وأحدث الصواريخ والدبابات·
الروس لا يستطيعون ان يقدموا اي خدمة سياسية للعرب الا في مجلس الأمن· هذا لا يغيّر في الامر شيئاً، ولا ريب ان الرئيس فلاديمير بوتين الذي تلاحقه هموم داخلية لا حصر لها يدرك ان الاميركيين الآن في الشرق الأوسط استطراداً لا مجال لموطئ قدم لا بل انه لا مجال لموطئ اصبع في هذه القدم على بوابة المنطقة كتبت هذه العبارة: ممنوع دخول الدببة··
لا مشكلة في التبادل التجاري الذي يظل محدوداً· الروس ينتجون الحديد والخشب والكافيار، هذا كل ما في الأمر، النفط يفترض ان يذهب في اتجاه آخر فيما الاميركيون ينتجون كل شيء ما عدا الشاي وان كان قد بوشر باختبار نوع معين من الشاي المهجن·
ثم ماذا يستطيع الروس ان يجنوا من العرب وبالتأكيد على المستوى السياسي؟ لا شيء على الاطلاق وهذا ما اكتشفه جون فوستر دالاس وزير الخارجية في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور الذي لاحظ استحالة التعايش بين الثلوج والرمال· ولكن هنا جاذبية المياه الباردة التي أخذت بخيال بطرس الأكبر الذي لا ريب انه من كبار المخططين الاستراتيجيين في التاريخ وكاد ان يقلب الدنيا رأساً على عقب لو ظل على قيد الحياة وبعدما فكر فعلاً في اجتياح اميركا الشمالية مع الاشارة الى انه هو من طلب من المستكشف الدانماركي فيتوس بيرينغ اجراء مسح للمضيق الذي يفصل بين سيبيريا واميركا الشمالية والذي بات يُعرف باسم هذا الأخير·
بين العظمة والخبز
ما يفعله الرئيس، حالياً، هو انه يحاول ان يبرم تسوية بين الخيال والواقع، بين العظمة والخبز، بين الامبراطورية والسوق· الرجل حقق خطوات كبيرة، لكن روسيا التي عاشت سبعة عقود في كنف الشيوعية قد تحتاج الى مدة مماثلة لإعادة تأهيل نفسها في عالم أضحى أحادي القطب·
هذا لا يعني وضع الهاجس الاستراتيجي جانباً والا فإن روسيا تصبح مثل كازاخستان· المسألة تحتاج الى الكثير من العقلانية في الرؤية كما في الأداء·
ماذا عندما يفكر الروس بالنموذج الياباني؟ أبناء الشمس خرجوا محطمين من الحرب العالمية الثانية· هناك هيروشيما وهناك انحنى هيرو هيتو بين يدي ماك آرثر ولكن ها هو الساموراي ينبعث بكامل قوته· اليابانيون في كل بيت، بدءاً من البيت الأبيض وحتى آخر كوخ في السهوب الاثيوبية· هذا دون ان تكون لديهم موارد طبيعية تذكر العزيمة هي ثروة الارخبيل ولكن من قال ان الروس ليسوا كذلك؟
المشكلة في تلك المساحة الفضفاضة، وأيضاً في المدى البشري وايضاً في تلك الفجوة الضخمة التي أحدثها الانتقال من الشيوعية الى الرأسمالية بوجود قراصنة اللحظة اي تلك المجموعة اليهودية ميخائيل خودوركوفسكي و بوريس بيريزوفسكي و رومان ابراموفيتش وغيرهم، اذ استطاعت تعميق الأزمة على نحو مأسوي من خلال شراء أجزاء كبيرة من القطاع العام بأسعار بخسة وخاطفة وهو ما أمّن لهم الظروف الملائمة لجمع ثروات خيالية ودائماً على حساب الدولة والناس·
الروس هم الروس
الروس لا يستطيعون ان يكونوا اميركيين بطبيعة الحال، لا يمكنهم ان يكونوا يابانيين· روسيا هي روسيا، والروس هم الروس، اليابانيون ابتعدوا عن السياسة والتاريخ ودخلوا في التكنولوجيا· هنا كل شيء حتى ان ديانة الشانتو جرى ترويضها افقياً لتتلاءم مع الحقيقة الجديدة· كيف يمكن للروس ان ينسوا انهم الروس· يكتب اناتولي باسييف: يفترض ان تكون هناك أقراص للنسيان· لكن كل شيء ضاغط هنا ويذكر بالامبراطورية·
العمل، إذاً على جبهتين: اقتصادية وسياسية، ودون اي قفزة في الفراغ·
هذا ما يفعله الرئيس فلاديمير بوتين الذي تحدث عن صواريخ نووية متطورة جداً· في اليوم التالي سأل معلّقون في موسكو ما اذا كانت هذه الصواريخ محشوة بالشوكولا··؟
هذا ما يريده الروس· التاريخ مؤجل!
أورينت برس

اقرأ أيضا

روسيا: تصفية عنصرين مسلحين خططا لعمل إرهابي