أرشيف دنيا

الاتحاد

الوسيط الروحي


إعداد-هالة دروج:
في كل سبت تستعد ماري ماكورت وعائلتها لحمل الرفوش وأجهزة الكشف عن المعادن وغيرها من المعدات اللازمة لرحلاتهم التي استمرت ما يقارب الـ 17 عاما، وينطلقون في عطلة نهاية الأسبوع للبحث في مياه البحيرات والأقنية والحفر في الحقول والسهول الموجودة في المناطق المحيطة· وفي بداية كل رحلة تعيش العائلة أملا ما يلبث أن يتحول في نهايتها إلى يأس وإحباط لفشلهم في العثور على الكنز الذي يبحثون عنه·
لكن الكنز الذي يبحثون عنه لا يضم الذهب أو التحف القديمة أو ما شابه، بل يضم رفات أو جثة الابنة هيلين الشابة البالغة من العمر 22 عاماً والتي قتلت وهي في ريعان الشباب ولم يتم العثور على جثتها أبدا·
تعود جذور الحكاية الى التاسع من فبراير من عام ،1988 ففي ذلك اليوم كان الجو ماطرا والرياح قوية· وكانت هليين قد اتصلت بوالدتها واتفقتا على اللقاء في موعد الغداء لتنطلقا بعدها في جولة للتسوق قبل أن تعودا إلى منزل العائلة· لكن الرياح القوية والأمطار الغزيرة اضطرت الأم لتغيير مخططها وقررت العودة إلى المنزل مباشرة·
في وقت لاحق من بعد ظهيرة ذلك اليوم اتصلت هيلين بوالدتها وطلبت منها أن تعد العشاء باكرا لأنها ستخرج إذ كان لديها موعد في المساء· ثم عاودت الاتصال بعد قليل لتطلب الإذن في استعارة السيارة لتستخدمها في عطلة نهاية الأسبوع· ضحكت والدتها وأخبرتها بأنهما يمكن أن يناقشا الأمر عندما تعود، وكانت تلك آخر محادثة تجري بين الأم وابنتها، فهيلين لم تعد إلى المنزل في تلك الليلة التي كانت بمثابة بداية لرحلة من العذاب والكوابيس ما تزال الأم تعيشها إلى الآن·
بصمة الدم
شوهدت هيلين لآخر مرة وهي في طريق عودتها الى المنزل الذي لم تتمكن من الوصول إليه مطلقا· وعندما تم إبلاغ الشرطة اتجهت الأنظار أولا إلى حانة جورج آند دراجون التي لا بد أن تمر بها الفتاة ويكثر فيها تواجد الشباب المتسكعين الذين يفرطون في تعاطي الكحول· ودارت الشكوك حول إيان سيمز صاحب الحانة الذي لاحظ المحققون أنه كان يرتعد خوفا أثناء الرد على أسئلة روتينية عادية· وتبين كذب ادعائه بتواجده في مكان آخر أثناء وقوع الجريمة كما أثبتت الأدلة الجنائية أن الجريمة وقعت في الحانة نفسها حيث تم العثور على بصمة سيمز بدم هيلين على بابها·
وفيما بعد تم العثور على بقع من دم هيلين وقطعة حلي كانت ترتديها في صندوق سيارة سيمز· وعثر على ثياب المتهم نفسه وهي ملطخة بالدماء ومرمية بالقرب من ضفاف قناة قريبة ووجد أيضا هراوة يعتقد أنها استخدمت في ضرب الضحية وعليها آثار أسنان مطابقة لأسنان كلب سيمز·
لكن المتهم اختلق رواية يقول فيها أنه وقع ضحية للمجرم الحقيقي الذي دخل إلى حانته أثناء وجوده في الطابق العلوي، وارتدى ثيابه الخاصة، وقتل هيلين ثم سرق سيارته ليتخلص من الجثة وأعادها بدون أن يلفت الأنظار· غير أن محكمة ليفربول التي أصدرت الحكم بحق سيمز لم تقتنع أبدا بأي حيثية من حيثيات هذه الرواية·
وفي عام 1989 أدين إيان سيمز بالجريمة وحكم عليه بالسجن مدى الحياة· وأصبح بذلك ثالث مجرم تتم إدانته في تاريخ القضاء البريطاني بدون أن يكون هناك جثة ضمن الأدلة المتوفرة في القضية· وبعد مرور ما يقارب العقدين من الزمن على وقوع الجرائم، وبالرغم من المحاولات المتكررة لعائلة القتيلة ما يزال سيمز يصر من وراء القضبان على عدم البوح بمكان وجود الجثة·
تقول ماري: 'كان علينا البحث في أماكن لا يمكن لأحد الاقتراب منها إذ قمنا بتمشيط أماكن الصرف الصحي وأماكن خطيرة جدا· فمن أبسط حقوق الإنسان أن يتمكن من دفن أحبائه في حال وفاتهم· لقد قتلت ابنتي قبل 18 عاما وهذا في حد ذاته أمر مروع، لكن أن يظل القاتل وراء القضبان محتفظا بالسر الذي يحرمها من فرصة أن تحظى بجنازة ومراسم دفن لائقة فهو أمر أكثر بشاعة· أعرف أن ابنتي ماتت وأن رفاتها موجودة في مكان ما· كل ما أريده أن أدفنها في أرض مباركة وأن أتمكن من زيارة قبرها لأضع الزهور عليه'·
وسيط روحاني
وأخيرا في تطور غريب من نوعه ادعى المحقق الجنائي توني ستوكويل الذي يصف نفسه بالوسيط الروحي أنه كرس اتصالاته مع العالم الآخر لمساعدته في التعرف على مكان وجود جثة هيلين، وقال إنه على استعداد لحل لغز هذه الجريمة وغيرها من الجرائم التي تحير الشرطة البريطانية·
وهكذا بعد كل سنوات البحث التي أجريت ضمن دائرة نصف قطرها 20 ميلا من منزل العائلة تعقد ماري الآن آمالها على قدرات خارقة للمحقق توني ستوكويل لإزالة الغموض عن تلك الجريمة التي حولت حياتها إلى جحيم·
وكان ستوكويل قد حضر إلى منزل هيلين لمقابلة والدتها وقال لها: 'أنا مجرد وسيط، أي همزة وصل بين عالمين· أنا لا أتبع نهجا علميا محددا ولكنني أتعامل مع المعلومات والمشاعر والأفكار'· ويقول ستوكويل أنه اكتشف قدراته الخارقة منذ أن كان صبيا في الثامنة من عمره عندما كانت الأرواح تتراءى له وهو يلعب مع أقرانه في المدرسة· كما يشير إلى أن الأمر كان يتطلب منه توخي الحذر في علاقاته مع الآخرين وفي نمط حياته·
وعندما قابل ماري لم يكن ستوكويل يدري بأي تفاصيل عن قضيتها بل كل ما كان يعرفه أنه سيسعى لمساعدة أم في العثور على جثة ابنتها· كما طلب من العائلة عدم إخباره بأي تفاصيل لأن مثل هذه المعرفة تقف عائقا أمامه أثناء قراءة مشاعر وأفكار الآخرين ومحاولته للاتصال مع الأشخاص في العالم الآخر·
كل التفاصيل التي سردها المحقق ستوكويل لماري عن الساعات الأخيرة في حياة ابنتها كانت متطابقة مع رواية الشرطة والأدلة الجنائية، من صراعها مع الجاني في الحانة إلى عملية خنقها إلى أن فقدت وعيها ثم وضعها في صندوق السيارة· كما ركز انتباهه على الغرفة الموجودة في الطابق العلوي من الحانة وتخيل ما الذي حدث للفتاة هناك متتبعا الخطوات التالية إلى النهاية· يدعي ستوكويل أنه أجرى اتصالاته مع مساعديه الثلاثة من العالم الآخر زينتار وستار وكيرا وحصل على المعلومات اللازمة· وبطريقته الخاصة رسم مخططا للمكان الذي توجد فيه جثة هيلين والذي تخيله على أنه هضبة صغيرة تعلوها أربع شجيرات صغيرة وعند الأسفل مباشرة هناك منطقة حصوية وإلى اليسار منها هناك مجموعة من نباتات العليق· أمامه يوجد طريق ضيق يمر بمنزل حجري ويؤدي إلى مكان وجود جثة هيلين·
استخدمت الشرطة وصف ستوكويل للمكان وقامت باستخدام تصاميم الكمبيوتر لإنتاج خريطة تصورية للمكان نشرت في الصحف المحلية للحصول على مساعدة السكان في العثور على المكان·
تقول الأم: 'إنه أمر فظيع أن أحرم من حق دفن ابنتي· أشعر وكأن نقاط الماء تتساقط على رأسي من صنبور مفتوح· أنا لا أنعم بالنوم أبدا· وأول شيء أقوم به عندما أستيقظ صباحا مشاهدة الأخبار على أمل أن يكون حدث تطور ما خلال الليل· وفي كل مرة يتم فيها العثور على جثة في أي مكان ينتابني الأمل بأن تكون تلك جثة هيلين· وكلما سمعت بقصص عن عائلات فقدت أبناءها أشعر وكأنني فقدت ابنتي للتو· وكلما مررت بمكان أفكر بأن ابنتي قد تكون مدفونة فيه'·
وعندما تستعيد ذكريات ذلك اليوم المشؤوم تقول ماري أنه كان لديها حدس بأن خطبا قد يحدث لابنتها التي كانت تتميز بدقة مواعيدها· فبسبب سوء أحوال الطقس في ذلك اليوم تم إلغاء بعض رحلات المترو لكن الأم ذهبت إلى المحطة وتأكدت من أن القطار الذي تستقله ابنتها للعودة من العمل ما يزال على موعده· تخيلت الكثير من الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها هيلين بسبب الرياح القوية ولكن مخاوفها كانت بعيدة كل البعد عن تعرضها للقتل·

اقرأ أيضا