الاتحاد

تقارير

الاقتصاد الياباني... نجاح أعيا الغرب

جافين بلير
طوكيو


مع تضخم الدين العام ووصوله إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفاض أسعار الفائدة إلى الصفر تقريباً، واستمرار تداعيات الركود الاقتصادي الذي امتد طيلة عقود متوالية... يفترض بالعملة اليابانية (الين) أن يتراجع سعر صرفها وينحدر إلى الحضيض، لكن بدلا من أن تنخفض جاء ارتفاع قيمة الين في الآونة الأخيرة ليمثل تحدياً كبيراً لجميع المحللين الذين توقعوا دخول اليابان مرحلة النسيان في حسابات الاقتصاد عالمياً وخروجها من حلبة المنافسة الاقتصادية على الصعيد الدولي.
ومع ذلك فقد تواصلت في هذا المجال التكهنات المنذرة بكثير من السيناريوهات السيئة بالنسبة لليابان، ومن ذلك مثلا خفض إحدى الوكالات الأميركية المختصة لدرجة التصنيف الائتماني للدين الحكومي الياباني أواخر شهر يناير المنصرم، معللة ذلك بأن الحزب الديمقراطي الحاكم في اليابان "يفتقر إلى استراتيجية متماسكة" لمعالجة الصعوبات المالية المستجدة في البلاد.
لكن، وبصرف النظر عن مصداقية مثل هذه التصنيفات الخاصة التي تصدرها الوكالات الأميركية، خاصة بعد أن ثبت عجزها المريع عن التنبؤ بالأزمة المالية الأميركية، وتصنيفها للاستثمارات المالية عالية الخطورة على أنها فرصة استثمارية ذات مردودية مرتفعة في حين أنها كانت وراء الأزمة المالية العالمية... إلا أنه مع ذلك لا يمكن إنكار الحالة الراهنة الصعبة التي تعرفها المالية العامة لليابان. وللتدليل على وجود هذه المشكلات الضاغطة، يشير المحللون إلى حصة المديونية العامة من الناتج الإجمالي المحلي الياباني، والتي وصلت إلى 200 في المئة لتصبح من أكبر النسب في العالم الصناعي باسره. ولا يتفوق على اليابان في نسبة الدين العام إلى الناتج الإجمالي المحلي، سوى زيمبابوي في إفريقيا، متجاوزة بكثير الولايات المتحدة التي لا تتعدى هذه النسبة لديها 60 في المئة.
لكن وبالرغم من كل هذه العثرات، والتحذيرات المتواترة في هذا الخصوص، وفيما يستمر الاختلال الكبير بين الديون والمداخيل اليابانية خلال السنة المالية المنصرمة... فإن الاقتصاد الياباني لم يتعرض بعد إلى الانهيار، بل على العكس من ذلك، واصل الين صعوده وتعزز وضعه على خارطة العملات العالمية في الفترة الأخيرة.
هذا في الوقت الذي لم يبد فيه المستثمرون أي مؤشرات على التخوف من عواقب العجز الياباني، وذلك أساساً لأن الديون تأتي في جلها من الداخل الياباني نفسه، كما أن الدولة اليابانية ذاتها ليست محاصرة بأسعار الفائدة المرتفعة على الديون كما هو الحال بالنسبة للفائدة التي يفرضها الدائنون الأجانب في الخارج.
ولا ننسى في هذا الخصوص أيضا أن اليابان تمتلك احتياطياً كبيراً من الأصول والموجودات في جميع أنحاء العالم، كما أن معدل البطالة لديها يعد من أكثر معدلات البطالة انخفاضاً على مستوى العالم.
أما على الصعيد المتعلق بشركاتها الخاصة، فقد حققت هذه الشركات أرباحاً مهمة خلال العام المنصرم، مستفيدة في ذلك من التحسن الطارئ على الاقتصاد العالمي ومن النمو السريع لمعدلات الطلب في الاقتصادات الآسيوية الصاعدة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من نجاح اليابان في الصمود إلى الآن، وكونها حققت أرباحاً كبيرة... فإن التحليلات والنصائح الغربية لم تفتأ تواصل تحذيرها من قرب انهيار اليابان ووصولها إلى حافة الهاوية. وهو ما أثار استغراب العديد من المراقبين المستقلين، من أمثال "سكوت كالون"، مدير شركة "إيشجو جروب" للاستثمار، وذلك بقوله: "إن السؤال الذي أطرحه على من يتخوفون من الوضع الاقتصادي في اليابان هو: إذا كانت اليابان فعلا ضعيفة فلماذا يبدو الين قوياً، إنهم يريدون تفسير قوة الين من خلال ضعف الاقتصاد، ويقولون إن الين قوي لأن البنك المركزي ضعيف، أو لأن النظام السياسي منقسم على نفسه... لكن مثل هذا التفسير تناقض المنطق، لأن الضعف لا يقود إلى القوة".
ويضيف كالون موضحاً موقفه: "عندما تشتري الين، فذلك يعني بالضرورة أنك تبيع عملة أخرى، سواء أكانت الدولار الأميركي أو الأسترالي أو اليورو الأوروبي... وعندما يُقبل المستثمرون على شراء عملتك فهذا يعني أيضاً أن البنية الاقتصادية متينة ولا خوف عليها وأنها تنطوي على الكثير من نقاط القوة".
ومن تلك النقاط الحجم الكبير من السندات والأموال التي راكمتها اليابان على امتداد سنوات الازدهار الاقتصادي والفوائض المالية الكبيرة.
فاليابان تمتلك أكثر من تريليون دولار من العملات الأجنبية، أغلبها من سندات الخزانة الأميركية، كما أن لديها احتياطيا كبيرا يصل إلى 5.1 تريليون دولار تابعة لصندوق المعاشات الحكومي، متجاوزة بذلك الاقتصاد الروسي بأكمله.
ولتمويل مصاريفها العامة، لجأت الحكومة اليابانية إلى الاقتراض مستندة إلى تلك الصناديق والشركات الكبرى، بالإضافة إلى اعتمادها على السندات التي تصدرها وتقوم بشرائها الشركات الراغبة في الاستثمار، وهو ما يصفه "مارتن شولتز"، الباحث الاقتصادي البارز في معهد "فوجيتسو" للأبحاث في طوكيو بـ"الضرائب المؤجلة" التي يتعين على الشعب الياباني دفعها في وقت لاحق.
لكن، وفيما عدا الاحتياطات المالية الهائلة الموزعة على صناديق المعاشات والادخارات الخاصة لليابانيين، تبقى نقطة القوة الأهم للاقتصاد الياباني هي الشركات اليابانية، فبعد الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم، حققت الشركات اليابانية أرباحاً مهمة، ولأول مرة منذ سنوات ارتفعت الرواتب في العام 2010، كما انخفضت البطالة إلى ما دون 9.4 في المئة مع متم السنة الأخيرة، فيما يتوقع أن ترتفع أرباح الشركات إلى 5.31 في المئة من الآن وحتى شهر مارس المقبل.
وخلافاً للحكومة اليابانية التي ترزح تحت الديون، فإن الشركات اليابانية لا تعاني من التزامات خارجية، وحصتها من الديون لا تكاد تذكر، بل إن الشركات الكبرى تحتفظ بصناديق استثمارية كبرى خاصة بها وتسعى من خلالها، لاسيما في الوقت الراهن الذي تراجعت فيه أسعار الأصول في العالم إلى الاستحواذ على الشركات الأجنبية. فعلى سبيل المثال خصصت شركة "كانون" الشهيرة ما قيمته تريليون ين، أي ما يعادل 25.12 مليار دولار، لشركاء أصول أجنبية خلال السنوات المقبلة.
غير أن هذه المكاسب الكبيرة التي حققتها الشركات اليابانية، وما أظهرته من قدرة كبرى على النهوض بالاقتصاد الياباني، لا يجب أن تحجب عنا القضايا الهيكلية التي تؤرق اليابان في هذه المرحلة، وعلى رأسها تراجع عدد السكان، وهي المشكلة التي تقتسمها مع أوروبا الغربية.
ومع ذلك تظل الإنجازات اليابانية في مجال ربحية شركاتها وانخفاض البطالة والتنافسية العالية مصدر حسد العديد من البلدان في الغرب، فقد تجاوزت اليابان المعوقات، واستطاعت التكيف بنجاح كبير مع المشاكل الاقتصادية المستجدة، لتزيد من قدرتها الإنتاجية، وكي تعزز نموها الاقتصادي، معتمدةً في ذلك على صحوة النمور الآسيوية، وتنامي الطلب على منتجاتها ذات القيمة المرتفعة، إذ رغم دخول الصين على الخط ومنافسة الشركات الهندية والكورية الجنوبية، فقد حافظت الشركات اليابانية على تفوقها التكنولوجي وقدرتها على الابتكار والإبداع، مستفيدةً بصفة خاصة من احتياطاتها المالية الكبيرة، ومن إمكاناتها العلمية التي تضمن لها الريادة ليس فقط في محيطها الآسيوي، بل في العالم بأسره.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا