الاتحاد

تقارير

فلسطين وحقيقة الهوية

ماهر عيسى
ناشط فلسطيني في مجال المجتمع المدني


الوضع السياسي المتغير يدفع المجتمع المدني الفلسطيني لأن يعيد التفكير بشكل متواصل في هويته الحقيقية. يتوجب على هذا المجتمع اليوم أن يقرر كيف يواجه الأسئلة الحاسمة مثل مجال عمله وعلاقته مع الحكومة وإستراتيجياته وتكتيكاته، دون أن يفقد أو ينسى سبب وجوده الرئيس، وهو خدمة المجتمع الفلسطيني.ليس هذا التحدي سهلاً، لذا يتوجب على المجتمع المدني أن يسير على خط رفيع حتى يتسنى له تجنب العداء بين "حماس" و"فتح"، إضافة إلى ذلك، يتوجب عليه أن يعيش في بيئة جعل فيها الاحتلال وما نتج عنه من عنف مضاد، لغة الحوار والتفاهم غير موجودة. إلا أن مجتمعاً مدنياً صالحاً يعمل بصورة جيدة يعتبر حيوياً لبناء فلسطين قوية ومستقلة. تلعب منظمات المجتمع المدني في المناطق الفلسطينية أدواراً متنوعة، الأمر الذي يجعل منها أكثر ضرورة للفلسطينيين.
وهي لا تعمل فقط كمؤسسات تقدّم الخدمات للسكان في مجالات مثل الدعم النفسي للمجموعات المعّرضة وإعادة التشغيل وإيجاد فرص عمل، وبناء القدرات والتدريب وتوفير منابر لحرية الفكر والتعبير، وإنما تشكّل كذلك رقيباً على الحكومة وغيرها من المؤسسات الرسمية.تواجه منظمات المجتمع المدني الفلسطينية تحديات داخلية وخارجية يفرضها الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، إذ يُطلَب منها الرد على أسئلة صعبة مثل: ما هو موقفها من الاحتلال؟ وكيف يمكنها لعب دور فاعل في دعم صمود الشعب الفلسطيني دون الانخراط في نشاطات يمكن أن تصنَّف على أنها إرهابية أو عنفية، الأمر الذي ينفي حالة السلمية واللاعنف الضمنية التي يجب أن يمثلها المجتمع المدني؟ ما هو موقف منظمات المجتمع المدني المستقلة فيما يتعلق بالقضايا الوطنية التي تتطلب منها التعبير عن رأي سياسي أو قانوني؟ كيف يمكنها أن تفعل ذلك دون أن يُنظَر إليها على أنها تقف في الصف مع "حماس" أو "فتح".
أما التوترات الداخلية في المجتمع الفلسطيني، فهي لا تقل تحدّياً عن التوترات الخارجية، حيث أن القرارات قد تحمل في طياتها مخاطرة تقويض أركان الحيادية الظاهرة وصورة منظمات المجتمع المدني. وينطبق هذا بشكل خاص على مجتمع يكون فيه الوضع السياسي خلافياً لدرجة أن الصور النمطية والإشاعات تكثر وتغذي أحياناً القرارات.
يفرض هذا الوضع على منظمات المجتمع المدني أن تفكر مرتين قبل القيام بأي عمل يمكن أن يُرى على أنه غير مقبول من جانب الأطراف المتناحرة، أو قد يساء فهمه. الخيار الناتج هو إما البقاء دون نشاط والقيام ببدائل مأمونة تكون من حيث المبدأ غير ذات معنى، أو المخاطرة بأن يثير عملٌ ما غضب مجموعات أو أفراد معينين.
وتطرح الظروف الخارجية، التي تفرضها إسرائيل والمجتمع الدولي معضلة أخرى. إذا قررت منظمات المجتمع المدني الانخراط في نشاطات معادية للاحتلال، مثل التظاهر ضد المستوطنات وهدم المنازل والاعتقالات الجماعية اليومية وأعمال الغزو والتغلغل، فإن خطر وصم هذه المنظمات بالإرهابية أو الخطرة يمكن، دون شك، أن يُفشل حركتها ويبدد قدرتها على جمع الأموال، وكلاهما عنصر حاسم لعمل هذه المنظمات.
في هذه الأثناء، تزداد المعوقات أمام المجتمع المدني الفلسطيني نتيجة لتزايد الشقاق بين القطاعين الإسلامي وغير الإسلامي، خاصة حول قضايا المرأة والشباب. يجعل هذا الشقاق من الصعوبة بمكان لمنظمات المجتمع المدني أن توحّد قطاعات مختلفة من المجتمع الفلسطيني حول قضايا الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان.
يمكن لمنظمات المجتمع المدني في مواجهة هذه المآزق إما أن تتخذ مواقف تتماشى مع مهمتها بإدامة النضال لصالح المجتمع وتدفع بالتالي ثمن نشاطاتها، أو أنها تقرر البقاء حيادية وبالتالي تقبل مصيرها وقَدَرها كامتداد لمكونات النظام غير الفاعلة.
هناك حاجة لسلسلة من الحوارات البحثية في أوساط منظمات المجتمع المدني. يتوجب على المجتمع المدني أن تراجع دورها وتحدّده رغم الظروف. يتوجب علينا في نهاية المطاف إيجاد منبر يجمع ممثلين عن المجتمع المدني من غزة والضفة الغربية مع المانحين الأميركيين والأوروبيين. يتوجب على المجتمع المدني أن يطرح أجندته داخلياً، وكذلك إلى المجتمع الدولي، والوصول إلى تفاهم مشترك حول أدواره وواجباته قبل أن يقرر ما يستطيع أو لا يستطيع تحقيقه.

ينشر بترتيب مع "كومون جراوند"

اقرأ أيضا