أرشيف دنيا

الاتحاد

الدعوة المستجابة


لي زميلة في الجامعة سمعتني أتحدث عن جدتي وعن دعوتها المستجابة فأخبرتني بأن أخاها يعاني من مشكلة صعبة ولا يمكن حلها إلا بمعجزة، فقد عجزت جميع محاولاته المستميتة لحل تلك المشكلة، فهل يمكن ان تدعو له الجدة العزيزة من أجل أن تحل مشكلته؟ اخبرتها بأنني لا استطيع أن اقوم بمثل هذا الدور، فجدتي لا ترضى أن تدعو لاحد ما لم تعرف تفصيلات الموضوع كله، واقترحت عليها بأن تنصح أخاها للذهاب إلى الجدة والتحدث معها وإقناعها بالدعاء له، وليس ذلك صعباً لأن جدتي موجودة حالياً في المستشفى· أخبرت صديقتي شقيقها فأسرع الخطى لزيارة الجدة ولحسن حظه فقد اكتشف بأن أخي الكبير هو أحد اصدقائه مما ساعده على اللقاء بها بسهولة· بعد أن سلم عليها ووجد منها انساً في استقباله والترحيب به شرح لها مشكلته قائلاً: باختصار شديد فقد احببت فتاة التقيت بها في مجال العمل، لقد اقتنعت بشخصيتها فهي إنسانة رائعة بمعنى الكلمة، وقد استطاعت ببساطة ان تتربع على عرش قلبي فلا أفكر بالزواج من غيرها حتى لو بقيت بلا زواج عمري كله، طلبت من والدتي ان تخطبها لي فرفضت ذلك رفضاً قاطعاً والسبب هو أن البنت من أصل غير عربي وأن جدتها سمراء البشرة، لم تعجبني طريقة أمي في التفكير فالبنت من أسرة طيبة ذات سمعة ممتازة فلا داعي لتقليب دفاتر التاريخ والبحث عن الأصول والأعراق والألوان، انها طريقة تفكير عقيمة رفضها الإسلام رفضاً قاطعاً فلمَ نتمسك بها نحن؟ حاولت إقناع أمي بوجهة نظري هذه ولكنها رفضت ولم تتقبل تلك المناقشات فأخبرتها بأنني لن اتزوج غير هذه البنت فقالت الأفضل أن تبقى بلا زواج على أن تجعلنا نناسب مثل هؤلاء الناس، ماذا اقول أمام عماتك وخالاتك وبقية الأهل؟ مضت ست سنوات ولازالت أمي مصرة على رفضها وقد فشلت في جميع محاولاتي للتأثير عليها وإقناعها، أما البنت فقد عجزت عن مقاومة أهلها في الضغط عليها للتزوج فالخطاب كثيرون وقد كبرت في السن ولم يعد الوقت يسمح بالمزيد من الانتظار· أنهى الشاب كلامه ثم تعلق نظره بالجدة متوسلاً ان تتفهم طبيعة مشكلته وتمد يد الدعاء من أجله، ولكنها ابتسمت وقالت: يا بني لا ينبغي لك أن تعارض أمك، اسمع كلامها فهي تبحث عن مصلحتك· غامت الدنيا بعيني الشاب فتركها وانصرف ولكنه لم ييأس وبقي مصراً على زيارتها يومياً والسلام عليها، ثم يقف أمامها منكسراً تدل نظراته على التوسل اليها واستعطافها لتدعو له، بعد أيام ثلاثة اقتنعت الجدة بأن تدعو لهذا الشاب فطلبت ان تتوضأ وصلت ركعتين ورفعت يد الدعاء له بالتوفيق وبالسعادة· عاد الشاب إلى بيته وفتح الموضوع مرة أخرى مع والدته فرفضت الفكرة مرة أخرى رفضاً قاطعاً· في اليوم التالي طلبت الأم من ولدها أن يأخذها في سيارته لشراء بعض الاحتياجات للمنزل، في الطريق طلبت منه وبشكل مفاجىء أن يريها منزل الفتاة فأخذها مسرعاً إلى المكان وهو لا يدري إلى ماذا ترمي بذلك الطلب· بعد يومين فوجىء الشاب بأن أمه قد ذهبت إلى منزل الفتاة وخطبتها له، كانت المفاجأة كبيرة جداً فذهب الشاب إلى الجدة في المستشفى وأخذ يقبل يديها ويشكرها والدموع تنهمر من عينيه من شدة الفرح والسعادة·
موقف آخر
بعد هذا الحادث ازداد رصيد الجدة من الاعجاب والافتخار ولكنها لم تتغير، بقيت هادئة ومبتسمة وشاكرة لربها على هذه النعمة الجليلة· حادثة أخرى هزت كيان عائلتنا هزاً عنيفاً فقد تعرض ابن عمي وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره إلى حادث مؤسف وهو يقود دراجته النارية الجديدة، إذ تكسرت عظامه كلها تقريباً وقد أكد الاطباء عدم قدرته على المشي من جديد وانه سيبقى مقعداً طوال عمره، كان ذلك الخبر في غاية الصعوبة، فكيف لشاب مثله أن يصير مقعداً بين ليلة وضحاها، لقد كان نموذجاً للحيوية والجمال وروعة الشخصية، كان متفوقاً في دراسته، دخل الجامعة بنسبة عالية وقد أهداه والده تلك الدراجة التي كان الولد يلح في طلبها، ولم يتصور الأب أبداً بأن هديته مشؤومة الى هذا الحد· وصلت تلك الأنباء السيئة إلى أسماع الجدة وكانت تحب هذا الحفيد بشكل خاص جداً، فهي التي ربته وتعلقت به وان مر يوم دون ان تراه أو تسمع صوته فإنها تكون قلقة ومكتئبة طوال الوقت، انها تخاف عليه كثيراً وتلح عليه بالاهتمام بنفسه وعدم التهور، ولكنه شاب، مندفع لا يعرف قيمة الحياة الممنوحة له· نزلت دموع الجدة غزيرة وارتفع ضغطها ونسبة السكر لديها فبقيت تحت العلاج المكثف في المستشفى لايام ثم تعافت تدريجياً وطلبت أن يأخذوها لترى حفيدها المصاب· أخذوها اليه فوضعت يدها على رأسه وقرأت سوراً من القرآن الكريم ثم طلبت من الله تعالى ان يشفيه وأن يعطيه القدرة على المشي من جديد· بعد ذلك بأشهر استطاع الشاب أن يعود للمشي على قدميه وكان ذلك مفاجأة غير متوقعة لجميع الاطباء فصرخ الجميع ان ما حدث هو معجزة كبيرة جداً لا يمكن تصديقها·
الجدة البديل
حوادث كثيرة وأمور مختلفة مرت علينا وكنا نزداد إيماناً يوماً بعد يوم بأن الله سبحانه وتعالى قد بارك لنا بوجود جدتنا المباركة بيننا· كان رحيلها مصاباً كبيراً للجميع مع اننا نعرف بأنها كانت مريضة وكانت تتألم طوال الوقت وان رحيلها هو راحة وسعادة لها، ولكن فراقها كان صعباً وان أجواء الاطمئنان التي كانت تخيم علينا في وجودها قد رحلت معها ولن تعود· أصابتنا حالة من التعب واليأس والحزن العميق· أرادت جدتي أم أمي أن تخفف عنا هذه الحالة فقالت: لا تخافوا ولا تحزنوا فأنا أيضاً امرأة مستجابة الدعوة، غير انني لم أشأ ان اعترف بهذه الحقيقة خوفاً من الحسد والعين، نظر الكل اليها بريبة·· غريبة، كيف لم تظهر عليك تلك العلامات قبل الآن؟ لم يشأ أحدنا تكذيبها وتركنا ذلك للايام المقبلة· بعد رحيل جدتي بأشهر، جاء موعد تخرج أختي الكبرى من الجامعة وكان لديها امتحان صعب للغاية بذلت جهداً كبيراً في التحضير له ولكنها غير واثقة من النجاح، وكان في ذلك الامتحان ما يتوقف عليه مستقبلها، بكت أختي عندما تذكرت الجدة وتمنت لو انها لم تمت وأنها لازالت حية لتدعو لها في هذا الوقت الصعب، تذكرتُ جدتي الأخرى فقلت لاختي جربيها واطلبي منها ان تدعو لك فإنها تقول بأنها مستجابة الدعوة ايضاً· كانت الجدة مسافرة إلى دولة آسيوية تتلقى علاجها هناك، اتصلت بها اختي وتوسلت اليها ان تدعو لها لتنجح في الامتحان فقالت الجدة: حسناً سأدعو لك عندما أرجع إلى البيت، فأنا الآن في المستشفى، اتصلي بي وذكريني في المساء، رجعت الجدة إلى البيت فاتصلت بها اختي لتذكرها فقالت لها: لم اتناول طعامي بعد، سأتغدى وادعو لك ان شاء الله، بعد ان تناولت طعامها قالت اعطيني فرصة لأخذ حمام ساخن فأنا أحس بالتعب من يوم مرهق جداً، ثم دخلت الحمام فاغتسلت وخرجت فنامت نوماً ثقيلاً، وعندما استيقظت من نومها اتصلت بها اختي مرة أخرى لتذكرها بالدعاء لها فقالت: حسناً سأدعو لك بعد أن اصلي، ثم توضأت وصلت فاتصلت بها اختي لتذكرها بالدعاء فسألتها، هل الأمر ضروري؟ ردت اختي وهي تكاد تنفجر: ارجوك يا جدتي ان نجاحي في الامتحان سيحدد مستقبلي، ارجوك ادعي لي، فرفعت الجدة يد الدعاء لاختي لتنجح في الامتحان· ذهبت اختي لامتحانها في اليوم التالي فكانت الاسئلة صعبة جداً ولم تستطع أن تجيب عليها، ورسبت رسوباً 'بامتياز'·· اخبروا الجدة برسوب اختي فقالت: الدعاء لا يستجاب من هذا المكان البعيد، لو كنت في البلد لاستجيب لدعوتي ولكن في هذه البلاد لا يمكن ان تستجاب الدعوة· ضحك الجميع وأسف لرسوب اختي وطلبوا منها شد العزم والاعتماد على النفس، ثم تذكرنا الجدة الغالية وترحمنا عليها·

اقرأ أيضا