الاتحاد

تقارير

«إيمانويل»... هل بات طعنة في ظهر أوباما؟

جونا جولدبرج
محلل سياسي أميركي

يحيط بالرئيس الأميركي مساعدون من "جمعية أنصار ومحبي أوباما"، يعتبرونه "شخصية تحولية" ينبغي ألا تلطخ نفسها بقواعد السياسة المعتادة. والرئيس نفسه يقتسم هذا الرأي، حيث يرفض الدعوات التي توجه إليه من أجل إعادة النظر في طموحاته الأولمبية. هذا ليس كلامي أنا، ولا حتى كلام أحد الزملاء اليمينيين ممن لديهم أفكار ومواقف "بدائية وغير حضارية"، بل هو كلام "دانا ميلبانك"، المعلق الليبرالي في صحيفة "واشنطن بوست" الذي يُنظر إليه من قبل معظم المحافظين على أنه "مورين داود" (كاتبة ليبرالية) ولكن في زي رجل.
"ميلبانك" كتب عموداً في الحادي والعشرين من فبراير الماضي يجادل فيه بأن كل مشاكل الرئيس يمكن نسبها إلى عامل واحد حيث قال: "لقد فشل أوباما في عامه الأول، لأنه لم يتبع نصيحة مدير موظفيه حول القضايا المهمة والأساسية"، في إشارة إلى "رام إيمانويل"، الذي يعد على ما يبدو المسؤول الكبير الوحيد الذي لم ينضم إلى هذه الجمعية، مضيفا "يمكن القول إن إيمانويل هو الشخص الوحيد الذي يحول دون أن يلقى أوباما مصيراً شبيهاً بذاك الذي لقيه جيمي كارتر".
ودفع عمود ميلبانك عددا من المتابعين السياسيين إلى الذهاب إلى أن الأمر يتعلق ربما بعمود "مدفوع الأجر" على غرار ما يحدث عند الروس. فهل رام هو من يقف وراء القصة حقا؟ وهل تحدث مع ميلبانك؟ وهل سيقذف أوباما كبيرَ مساعديه بشحنة برق ورعد مثل الآلهة الإغريقية القديمة؟
يشدد ميلبانك على أنه لم يجرِ أي مقابلة مع إيمانويل؛ ولكن خصوم هذا الأخير يقولون إن ذلك إنما يؤكد مدى ذكائه ودهائه، حيث جعل أصدقاءه يمدون ميلبانك بما يلزم، من دون أن يترك بصماته على أي شيء. هذا في حين يقول آخرون إن الحيلة لم تنطل على الجميع، فكيف يكون ذكياً؟
ما جعل الألسنة تنفلت من عقالها هي بشاعة ما يبدو لوماً من قبل رئيس موظفي البيت الأبيض للرئيس، لاسيما وأنه جرت العادة أن يضحي رئيس الموظفين بنفسه من أجل الرئيس، لا أن يطعنه في ظهره.
غير أن "ميلبانك" يطرح فكرة مهمة، حيث كتب في نقاش حول العمود بإحدى غرف الدردشة في "واشنطن بوست": "الجدير بالإشارة أن لا أحد طعن في الحجة نفسها... وهو ما أعتبرهُ إشارة جيدة". والحقيقة أنني لا أعرف ماذا يقصده بـ"إشارة جيدة". فهل هي جيدة بالنسبة لأوباما؟ أم بالنسبة لإيمانويل؟ أم بالنسبة للبلد؟ ولكن ميلبانك محق بشأن حقيقة أن أحدا لم يفند فكرته، فكرة أن أوباما والمتملقين له هم المشكلة.
إذا صدقنا ما يروج من أقوال، فإن إيمانويل كان يريد من أوباما أن يكون أقل طموحاً إيديولوجياً، وأكثر شراسة سياسياً. ولأن إيمانويل رجل يحب الفوز، فهو يعتقد أنه ينبغي على الرئيس اختيار المعارك التي يستطيع الفوز فيها فقط. وهكذا، عارض إيمانويل فكرة إغلاق معتقل جوانتانامو في غضون عام؛ وجادل بأنه كان يتعين على أوباما أن يختار مشروع قانونٍ أصغر وأكثر قابلية للهضم بخصوص إصلاح نظام الرعاية الصحية، بما يوسع التغطية الصحية ويضمن دعماً أكبر من الحزبين معا. كما قدم نصيحة مماثلة بخصوص مشروع قانون تحديد حد أقصى لكمية الانبعاثات الغازية التي تنتجها المصانع. غير أنه بخصوص هذه المواضيع وغيرها، اختار أوباما اتباع ليبراليي مجلس النواب الملتزمين إيديولوجيا.
ولئن كان جزء كبير من الصخب واللغط الذي أثير حول عمود ميلبانك يركز على الشخصيات، فإنني أعتقد أن كل ذلك يحجب ويخفي وراءه شعورا قويا بانعدام ثقة إيديولوجي، بل أزمة هوية سياسية.
فأميركا، بكل بساطة، بلد يميل إلى "يمين الوسط"؛ إذ يشير الكثيرون إلى بيانات استطلاعات الرأي التي تُظهر أن من يصفون أنفسهم بأنهم محافظون هم أكثر عددا من الليبراليين بـ 2 إلى 1. بل إن عدد من يصفون أنفسهم بأنهم محافظون يفوق الليبراليين كل عام منذ 1968؛ وعندما يضاف إليهم من يعتبرون أنفسهم معتدلين، فإننا نكون أمام بلد يضم ما بين 65 و75 في المئة من المحافظين والمعتدلين.
ثم إن بيل كلينتون كان يحكم البلاد في البداية كما لو أنه فاز بتفويض أكثر "يسارا" مما كان يقصده الناخبون؛ حيث اعترف كلينتون نفسه في مقابلة أجراها معه كاتب العمود حينها بن واتنبرج في 1995، بأنه ضل الطريق فلسفياً. وبمساعدة من منظم استطلاعات الرأي الميكيافيلي ديك موريس، أعاد كلينتون تعديل وتقويم الوسط وأنقذ رئاسته.
ولا غرو أن أهم سنوات "إيمانويل" من حيث التكوين السياسي هي تلك التي قضاها كمخطط استراتيجي لكلينتون. غير أن أوباما يقول إنه لا يعتبر نموذج كلينتون مناسباً أو جذاباً، ويريد أن يكون "تحولياً" مثل رونالد ريجان. والحال أن مثل هذا التحول يتطلب ناخبين راغبين في التحول وقادرين عليه. وبذلك يمكن القول إن أوباما ومساعديه أساؤوا قراءة ما يريده الجمهور. وبعيدا عن الخيانة وما إلى ذلك، فإن السبب الحقيقي لغضب هذا العدد الكبير من المدونين "اليساريين" والكتاب الليبراليين على خلفية مقال "ميلبانك"، هو حقيقة أن فهم "إيمانويل" للمشهد السياسي يضعه ضمن المجموعة الواقعية، وهي مجموعة ترفض "جمعيةُ أنصار ومحبي أوباما" الانضمام إليها.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي إنترناشيونال"

اقرأ أيضا