الاتحاد

دنيا

عتيق المهيري عصامي من طراز خاص


دبي ـ موزة خميس:
الوالد عتيق بن ضاعن بن خميس المهيري رجل من أعيان أبوظبي، وأحد أبناء أشهر القبائل العربية التي أستوطنت (الظفرة) أبوظبي، ولم تعرف مكانا آخر كوطن إلا الظفرة، وقبل أن ندلف إلى أدق تفاصيل سيرة عتيق المهيري نحب أن نشير إلى أن عتيق هو من صنع شهرة نفسه بتوفيق من رب كان يلتزم بأتباع أمره ونهيه، فقد كان الخالق أول وآخر من يهتم عتيق برضاه كي ينال الخير كله، وقد تربى عتيق طفلا في منزل أسرته التي كانت تسكن منطقة البطين، إحدى أشهر مناطق أبوظبي قديما وحديثا، وكانت في الماضي المرفأ الذي يطل منه أهل البحر على شواطئها وخليجها، حيث كانت البطين البلدة الساحلية لأهل صيد اللؤلؤ وأهل صيد السمك، ولصانعي السفن، ولبائعي كل متطلبات ومستلزمات البحر، وكانت في الماضي البعيد- رغم الحاجة والعوز، ورغم عدم توفر أبسط الضروريات- تعتبر الأكثر ثراء والأكثر غنى وجمالا لدى سكانها الذين عشقوا رمالها البيض، وشواطئها الزرق المولودة من بحر زاخر بآلاف الخيرات، وكانت بقية قبائل الظفرة منتشرة فيها أو في الصحراء من حول الجزيرة، يقطنون في خيام الشعر الجميلة التي سكنها الأباء، حيث كان الحطب وقودهم، يستضيؤون على فتائل مغموسة في الزيت، قبل ان يظهر الفنر· وفي منزله الحديث المكون من فيلا فخمة في منطقة البطين أستقبلنا الوالد عتيق كأروع ما يكون اللقاء حيث الكرم والبساطة، وحكى عن ذاك الزمان الذي ولى ولا يزال يسكن في القلوب، قائلا: كان والدي ضاعن بن خميس يعمل في مهنة صيد اللؤلؤ، فقد كان لدى الأهل سفينة (سنبوك) وكان عمي ربانا (نوخذة)،يعمل معه والدي وأنا أيضا، ولم يكن عمري يتجاوز السابعة عشر، وكان لي شقيق أصغر مني عمل معي ولكنه توفي، وعندما كنت شابا يافعا كنت أذهب مع (السّكاكير) صيادي السمك، ولفظة (السّكار) تطلق على من يخرجون لصيد السمك في الأماكن القريبة من (الظفرة) بأبوظبي ويعملون منه المالح، وأيضا أشتغلت مع صديق لي في الخروج إلى ( الميّنا) لنصيد المحار من الهيرات القريبة في أماكن لا تحتاج للغوص الغزير، فكنا نقضي النهار بكامله في جمع المحار، وعندما نعود يكون آذان الظهر قد أقيم، فنستحم ونصلي ثم نتناول غداءنا، وبعد صلاة العصر نعود إلى التجمع ونبدأ في فلق المحار وإخراج اللؤلؤ وهو نوع يسمى (قماش) وهو ليس بجودة مايؤتى به من الأعماق البعيدة والنائية الذي قال عنه الشاعر المايدي بن ظاهر: 'تنقى التيّار قماش الغزار اللي في الغبة له رونق'· ومعناه أن التاجر ينتقي اللؤلؤ الذي يؤتى به من البحار العميقة لأن له رونق· كنا ننتقي الأجود ونضعه على قارب يسمى البانوش وندخل البحر حتى نصل لسفن الطواويش، وهم تجار يشترون اللؤلؤ من الصيادين خلال رحلات الغوص، وتكون سفن صيادي اللؤلؤ لا تزال في البحر·
أعمال وأحوال
بعد فترة من الزمن وبعون الله أصبحت نوخذة لفترة قصيرة في ذات السفن التي تخرج رحلات (سكّار) فكنا نصيد أسماك القرش لنصنع (العوال) وهي شرائح مملحة ومجففة، وكنا نخرج (طرشات) أي رحلات إلى غافة في السلع، كما كنا نذهب إلى العديد التي كان يسكنها القبيسات، وأيضا نذهب بالعوال إلى دولة قطر· بقيت كذلك حتى بلغت من العمر عشرين عاما، وكان والدي قد توقف عن الذهاب إلى الغوص، وكنت خلال كل تلك السنوات لا أجد وقتا للهو ولم يكن الشباب قديما يختلفون عني، فقد كنا نؤدي العبادات التي علينا لله رب العالمين كي يبارك لنا، ونعمل كثيرا وعندما يجن الليل نكون بحاجة للنوم، لأننا سنقوم للصلاة فجرا، وبهذه الطريقة كنت قد جمعت مبلغا كبيرا من المال يكفي لتزويج رجل في زمن كان الناس جميعهم يقدمون مختلف المساعدات كي يتزوج الشباب، فأخبرت الوالد عن رغبتي في الزواج، وزوجت نفسي، وأتذكر أني عندما قررت الذهاب للحج ذهبت للشيخ شخبوط الذي كان حاكما حينها كي يعطيني جوازا للسفر، وكان المسؤول عن صرف الجوازات أحمد بن سرحان الرميثي· أيضا أتذكر أني عندما كنت في السابعة عشرة من عمري فكرت في تجربة العمل لدى شركة كانت تسمى (كامب الصدر) ثم أنتقلت إلى الطريف وكانت يوميتي روبيتين ونصف وكان عملي (كولي) وهي لفظة هندية تطلق على مهنة العامل، وعندما تمت ترقيتي أصبحت (فورمن) مسؤول عمال، وزادت يوميتي واصبحت ثلاث روبيات، ولكن لم يعجبني الحال وتركتهم· كان معظم الأهالي عندما يأتي الصيف يرحلون إلى العين التي تعتبر من أجمل المصايف، وهناك إما يكون الأهالي قد بنوا بيوتا من السعف للمقيظ حيث تؤجر لمن يأتي من المناطق الأخرى في الإمارات، وإما أن يبني الناس بيوتا لأنفسهم بالتعاون مع أهل العين، حيث ينهون بناء المنزل في يوم أو يومين لا أكثر، وفي كل يوم يذهب الناس للمزارع ليشتروا عذوق الرطب ويأكلونه ويبقي أصحاب النخل شيئا منه في النخل ليحولونه إلى تمر، ليباع إلى الاهالي الذين يحملونه معهم عند عودتهم لديارهم الشتوية· فيما بعد أصبح لدى الوالد عتيق وقت للترفيه عن نفسه، فخرج في رحلات صيد قبل أن يتم منع صيد الطيور والطرائد الأخرى، وهو يقول: كان الصيد في البراري (البرور) مسموحا به وكذلك في الجزر، فكنا نذهب للقنص ببندقية (الشوزن)، ومن الطيور التي كانت متوفرة ثمة طيور بحرية وبرية منها: الطليلي، البغالي، الزرعي، طير القرم، طبخة القار، النقت، الكويري، وأيضا الكراوين(الكروّان)، وفي عهد زايد 'طيب الله ثراه' انتبه لما يحدث فمنع الصيد بالبنادق حفاظا على البيئة البحرية والبرية، وعندما كان عمري 16 عاما أرسلني الشيخ شخبوط مع مبارك بن سعيد المهيري إلى مكان يسمى(بوطينة) لصيد الصقور وذلك في سفينة ولم تكن تلك رحلة ترفيهية أبدا·
رحلة مثيرة
في عهد الشيخ سعيد بن شخبوط الذي كان يأتي زيارات للبطين، كنت أذهب اليه مثل كل الناس، وذات يوم قلت له: أن أرافقكم بأخوة وأمانة وولاء (أريد أن اخاويكم)· وكان الناس عندما يأتون لزيارة أبوظبي لابد لهم من عبور البحر إليها على ظهور الإبل، وكانت هناك رسوم للخارج أو الداخل اليها، وعندما أقيم جسر المقطع بقي الوضع كذلك لسنين كثيرة، وقد قمت بالعمل في المقطع (مطارزي) والمطارزي هو رجل الأمن الذي يسير مع الشيخ أو يقف لحراسة مكان ما، أو يعس في الليل حول المدينة ليحفظ الأمن، وكان المطارزي كالفارس، لأنه يعرف فنون القتال والرماية، ولا يخاف أو يخشى من أي شيء إلا رب العالمين، وأيضا عندما كان الشيخ شخبوط يرسل للناس من أهله وأحبابه أحتياجاتهم من مواد غذائية، كنت أذهب مع تلك الحمولة التي توزع· وفي عهد زايد تركت البحر وأهواله، وكان زايد عندما حكم العين وأبوظبي قد قام بدعم السلع الغذائية وتوفيرها بأسعار تناسب المواطنين، فتم تعييني معرّفا أتعرف على الناس الذي يأتون طلبا للسلع المدعومة وأعرف من أخذ ومن لم يأخذ، وأراقب الأوضاع حتى لا تحدث مشاكل، كما كنت انقل للحكومة صورا صادقة عن أحتياجات الناس، ولكن لم تعجبني تلك الوظيفة·
عندما حكم زايد 'رحمه الله' لم تكن له رغبة في الحكم لذاته، ولكن كانت لديه رغبة في الإصلاح وتحسين أحوال بلاده والمواطنين، ولذلك فتحها الله عليه، ويسّر له ووفقه، لأن كل من زهد في الدنيا ركضت وراءه، وقد عاش الناس في نعمة، ومن تلك النعم أن حكومة ابوظبي كانت تؤجر من سائقي السيارات سياراتهم، وكنت في عهد زايد قد تحولت إلى العمل كسائق تاكسي، وقد جمعت مبلغا من المال وبه أستطعت شراء سيارة أخرى وقمت بتأجيرها للحكومة، ومنها جاء الخير· بدأت في شراء البيوت الصغيرة القديمة، فقد كنت أملك حسا تجاريا أستشعرت منه أن قيادة زايد رحمة الله عليه، سوف تقلب الأوضاع الأقتصادية السائدة رأسا على عقب، وإن ماهو بمائة الف درهم أو خمسين ألف درهم، سوف يصبح بالملايين، وفعلا عندما أرادوا منحي تعويضا عن البيوت التي ستدخل ضمن البيوت التي ستهدم، لأنها ستقع ضمن المناطق الجاري تحديثها، أصبح كل بيت ثمنه بعد تثمين اللجنة بمليون ونصف والبعض الآخر بأكثر، ثم قمت ببناء عمارة من دورين، وبعد فترة شملها الهدم وتم تثمينها ومنحوني بدلاً منها 6 مليون درهم· من تلك السنوات تحولت إلى صاحب أملاك، وصارت مهنتي هي بناء وتأجير وبيع العمارات والمحال، واحمد الله على كل النعم التي انعم بها عليّ· بدأ عتيق بن ظاعن المهيري في نظم القصيد منذ كان في العشرين من عمره، ولكن كتب أشهر قصائده عند جسر المقطع عندما رأى النساء يتحضرن لركوب الإبل أستعدادا للسفر كل إلى مكانه، فوقفن يودعن بعضهن وهن يبكين من ألم الفراق، فكانت هذه الأبيات: 'يوم لبسن لسويعية·· ويلسن يتزربلن وين في الحوية·· وقفن يتوادعن ودموعهن نثرية·· وعلى البوش أركبن ويوم البحر ثبرية·· وفي المقطع قطعن وقبضوا دروب الفيه·· بظعون طرقّن وشوف العجم له بيه·· ولسوح يترافلن ومساند الخلفية·· برناق إترتفن ويازين الخناقية·· سبع أرناق أنقشن' وقد طبع عتيق قصيدته المكونه من 500 بيت وأهداها للراحل زايد رحمة الله ، وقد قام زايد بتعليقها في مجلسه لأن القصيدة تحكي كل العادات والتقاليد الخاصة بكل أوجه الحياة لدي الإماراتيين·

اقرأ أيضا