الاتحاد

تقارير

احتجاجات الأنبار... اختبار لحكومة المالكي

جين عراف
الفلوجة - العراق


كان غضب محافظة الأنبار ذات المساحة الشاسعة، الواقعة غرب العراق، بسبب حوادث القبض على أبنائها من قبل قوات الأمن العراقية، والإهمال الحكومي لشؤونها، سبباً في إطلاق موجة من الاحتجاجات المتفاقمة، والتي تمثل أكبر تحد يواجه رئيس الوزراء نوري المالكي، منذ الحرب الأهلية في ذلك البلد، والتي اشتعلت خلال عامي 2006 و2007.
ويوم الجمعة الماضي، أدى مئات الآلاف في الفلوجة، والرمادي، صلاة الجمعة على الطرق الرئيسية بدلا من المساجد. وقد تمت الدعوة لتلك التظاهرات السلمية التي تعد الأضخم منذ سقوط نظام صدام لتأبين أرواح من أبناء الفلوجة على الأقل، لقوا مصرعهم على أيدي الجنود العراقيين منذ أسبوع. وفي نفس اليوم، حول عشرات الآلاف من المتظاهرين الميادينَ العامةَ إلى ساحات صلاة في الموصل، وسامراء، وبعقوبة، وغيرها من المدن السنية.
وكانت تظاهرات الأنبار قد بدأت في ديسمبر الماضي، احتجاجاً على استهداف المسلمين السنة بعد القبض على أفراد الحراسة الشخصية لوزير المالية السني، على خلفية تهم بالتورط في الإرهاب، كما قالت المصادر الحكومية آنذاك. لكن الشيء الذي أثار ثائرة الكثيرين في تلك المنطقة، هو القبض على العشرات من النساء العراقيات. وقد امتد هذا الغضب للمناطق السنية في بغداد، والمناطق السنية الواقعة في شمالها، وسرعان ما انضم إليها نشطاء سابقون من «القاعدة في بلاد الرافدين»، وشخصيات عراقية من التيار الرئيسي.
«لقد خرجنا من أجل النساء اللائي تم القبض عليهن، وللدفاع عن المظلومين»، كان هذا ما قاله «عبدالقادر فلاح»، المعتصم في الرمادي منذ ستة أسابيع على الطريق الدولي المتجه للأردن. ويضيف فلاح: «لقد كان لدينا 19 مطلباً من قبل... أما الآن فلم يعد لدينا سوى مطلب واحد هو إسقاط المالكي». ودعا تنظيم «دولة العراق الإسلامية»، وهو تنظيم تابع لـ«القاعدة»، يضم تحت لوائه عدداً من الجماعات الجهادية في العراق، دعا المسلمين السنة لتسليح أنفسهم ضد قوات الأمن. كما هدد رجل الدين الشيعي المتشدد مقتدى الصدر بسحب الوزراء التابعين لكتلته من حكومة المالكي الائتلافية إذا لم تتم الاستجابة لمطالب المتظاهرين.
وعندما أجريت مقابلة مع عدد من الأشخاص يزيد عن اثني عشر من المشاركين في احتجاج في الرمادي منذ أيام قليلة، كان معظمهم إما تم القبض عليه من قبل، أو له أقارب في سجون الحكومة العراقية. وقال كثيرون منهم إنهم تعرضوا للتعذيب، وهي ممارسة تقول منظمة «هيومان رايتس ووتش» إنها منتشرة على نطاق واسع في العراق. وجميع الروايات التي رواها أولئك الأشخاص تحمل أصداء دينية مترسبة من الصراع الطائفي الذي مزق العراق خلال الحرب الأهلية عامي 2006 و2007، والذي كان يعتقد أن نيرانه قد انطفأت لحد كبير، قبل أن يعود مسؤولون عراقيون كبار، في الآونة الأخيرة، للتحذير منه والتأكيد على أن المشاعر الطائفية في البلاد بدأت في الظهور والتنامي مجدداً.
ويقول «قحطان حماد»، من بلدة «الطرماية» التي تسكنها أغلبية سنية وتقع خارج بغداد: «لقد اقتحموا دارنا في منتصف الليل الأسبوع الماضي، وقال الضابط لأمي: ما الذي يدعوك للاستمرار في البقاء هنا... ألا تخافي من أن يأتي الشيعة ويقتلوك؟». ويعتقد حماد أن الضابط كان يحاول تأجيج المشاعر الطائفية، وأن السنة والشيعة يعيشون في هذه المنطقة في وئام منذ وقت طويل. وفي العراق يمكن القبض على المشتبه بهم بناءً على معلومات يقدمها مخبرون مجهولي الهوية، كما يمكن أن يحكَمَ عليهم بالإعدام بمجرد الاعتراف الذي تقول «هيومان رايتس ووتش» إنه يتم انتزاعه في الغالب تحت التعذيب.
ويقول شاب آخر رفض الكشف عن هويته: «لقد قبضوا عليّ، وعلى أخي وقال لنا الضابط سوف أعذبكم إذا لم تعترفوا بأنكم هاجمتم نقاط التفتيش». وقال هذا الشاب إنه عُلِّقَ إلى السقف، وقيدت يداه خلف ظهره، واعتُدي عليه بالضرب بالأسلاك الكهربائية. كما قال بعد أن كشف لي عن ندبات وآثار تعذيب على معصميه وكعبيه، إنه قد أفرج عنه بعد بعض الوقت هو وأخوه، لكن أعيد القبض مرة ثانية على أخيه وإيداعه السجن حيث لا يزال هناك حتى الآن.
ورغم أن المالكي قد نجا من محاولات من قبل الأكراد والسنة، بل وبعض الأحزاب الشيعية التي تخلتف معه، لإجراء تصويت بعدم الثقة على حكومته والإطاحة به من منصبه، إلا أن الاضطرابات الأخيرة قد قدمت على ما يبدو فرصة للكثير من خصومه السياسيين لإزاحته.
وعلاوة على ذلك، مرر البرلمان العراقي للتو قانوناً يحدد ولاية رئيس الوزراء بدورتين كحد أقصى وهو ما سيقطع الطريق على المالكي للترشح لفترة ولاية ثالثة، عندما تنتهي ولايته الحالية العام المقبل.
ورغم أن حكومة المالكي أظهرت قدرة لافتة للنظر على تحمل الأزمات، إلا أنها لم تواجه منذ الحرب الأهلية العراقية تقريباً، مزيجاً من الاضطرابات السياسية والقلاقل على الأرض مثل ذلك الذي تواجهه في الوقت الراهن.
يقول «لجوان كول»، المحلل الرئيسي المتخصص في الشأن العراقي والأستاذ بجامعة ميتشجان: «جميع الاحتمالات باتت واردة في الوقت الراهن». ثم يضيف: «بيد أن السؤال الكبير الذي يواجه حكومة المالكي في الوقت الراهن هو: إذا ما سقط نظام الأسد في سوريا وحلت محله حكومة قوية في هذا البلد؛ فما تأثير ذلك على الديناميات السياسية في العراق؟». وينهي «كول» تصريحه بالقول: «أعتقد أن الوضع في الحقيقة يكمن في أيدي الساسة العراقيين الذين يستطيعون توحيد صفوفهم والبدء في معالجة الأوضاع، وهنا تكمن المفارقة، حيث قد ينتهي بهم الأمر إلى وضع كذلك الذي اقترحه بايدن». وكان نائب الرئيس الأميركي بايدن قد تعرض لانتقادات واسعة النطاق في العراق عندما ألمح -وكان لا يزال عضواً بمجلس الشيوخ- إلى أنه قد يكون من الأفضل تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق: سنية وشيعية وكردية.
ويشار إلى أن المبادرات التي قام بها المالكي حتى الآن، استجابة للمطالب التي رفعها المشاركون في التظاهرات الأخيرة في الأنبار، ونينوى، وديالي كانت محدودة بشكل عام، كما قصرت في الوفاء بتلك المطالب.
ورغم أن رئيس الوزراء العراقي أعلن عفواً عاماً على جميع العراقيات والعراقيين المحبوسين بتهم تتعلق بالإرهاب، إلا أنه أثار مخاوف أمنية بالقول إن تنظيم «القاعدة»، والبعثيين السابقين، ووكالات استخبارات تابعة لدول إقليمية، كانت وراء أحداث العنف الأخيرة في العراق؛ داعياً الجيش لإطلاق النار على المتظاهرين إذا ما لزم الأمر.
لكن محافظ الأنبار «قاسم عبد حمادي»، أدلى بحديث من مقر قيادته بمدينة الرمادي قال فيه إن الأحاديث التي تدور حول الدور الذي يلعبه تنظيم «القاعدة» مبالغ فيها وإن «خمسة وتسعون في المئة من المتظاهرين لديهم مطالب مشروعة؛ أما النسبة الباقية فقد تشمل 1 في المئة فقط من القاعدة و1 في المئة من الأشخاص الذين لا يدرون ماذا يفعلون، و1 في المئة للدول التي تحاول تقويض ما يتم بناؤه، لكن أغلبية المتظاهرين لديهم حقوق مشروعة دون أدنى شك».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا