عربي ودولي

الاتحاد

العرب والحيرة بين النقد وجلد الذات

القاهرة - زين ابراهيم:
أثار الكاتب والمفكر السيد ياسين كثيرا من الجدل بين المفكرين في كتابه الجديد 'الاصلاح العربي بين الواقع والسراب' حيث يقدم محاولة علمية لطرح كافة التصورات الفكرية الخاصة بمستقبل العالم العربي بعد الحرب على العراق ومشروع الشرق الاوسط الكبير والسعي لاعادة رسم خريطة العالم العربي وامكانية اقامة حوار حضاري عالمي يفضي الى التعايش والسلام ، مع رصد للمدارس الفكرية المتباينة التي تقدم تجارب جادة وان كانت بعيدة عن التنفيذ العملي·
وخلص السيد ياسين في كتابه الى الدعوة الى نقد الذات حتى يمكن ان نتجاذب أطراف الحديث مع العالم الغربي وتكون لدينا القدرة على نقده مؤكدا أن ممارسة النقد الذاتي هي المدخل الضروري للعالم العربي لكي يتخلى عن أردية الجاهلية السياسية والفكرية ويعانق آفاق العصر·
ورغم ان الكتاب تضمن رفضا واضحا لكافة صور العولمة والهيمنة على المجتمعات العربية إلا انه قدم نقدا قاسيا لكافة التيارات السياسية والفكرية العربية بحجة ضعف الاصلاح بداخلها ولهذا خرج بنتيجة مؤداها: محاولة الاصلاح من الداخل ثم اقامة حوار حضاري مع الاخر يقوم على مرتكزات واضحة لكلا الطرفين·
العودة إلى هزيمة 1948
وقال في ندوة بالقاهرة- عقدت مذذ مدة - ان فكرته تتركز حول مبدأ محدد وهو ان الحوار مع الاخر لابد ان يرتبط بمبدأ نقد الذات لأن الاخر لا يريد ان يحاورك ويفهم موقفك إلا اذا اعترفت بأخطائك السياسية والفكرية حتى تستطيع ان تنقد هذا الاخر وتطالبه بما تريد ولن يتحقق الاصلاح العربي الا اذا بدأنا في ذلك وكان من الضروري ان نبدأ نقد ذاتنا منذ هزيمة العرب في عام 1948 ونحن هنا نتحدث عن اصلاح عربي سياسي واقتصادي واجتماعي وفكري لأنه منذ ذلك العام والعالم العربي يرزح في جو قاتم من غياب الحريات والحياة النيابية والافتقار الى المشاركة السياسية بسبب غياب الديمقراطية، ولهذا فإن الديمقراطية تصبح مفتاح حل عديد من القضايا والمشكلات·
وأضاف: ان هناك محاولات عديدة لاصلاح العالم العربي يعود بعضها الى اكثر من ربع قرن ومطالبتنا بالديمقراطية أمر قديم يعود الى سنوات بعيدة لكن الامر الجديد أن المشروع الحضاري العربي يتأرجح الان بين مطالب الداخل وضغوط الخارج حيث اصبحت الامور مختلفة في العام كله بعد احداث 11 سبتمبر والتي دعت اميركا كقوة عالمية كبرى إلى ان تطالب بإصلاحات في دول عديدة من بينها العالم العربي والضغوط الاميركية ملحة ولا يمكن اغفالها وفي نفس الوقت لا يمكن قبولها كلية لأنها اغفلت طبيعة كل دولة عربية وملامح التغيير التي تقتضيها كل منها·
الصين ·· وقيادة العالم
وقال أيضا : اننا في مرحلة ارتباك في العالم الان وربما تكون المرحلة القادمة على شكل نظام متعدد الاقطاب تقوده دولة مثل الصين وعلينا كعالم عربي ان نستوعب كافة تلك التغيرات وأن نكون على أتم استعداد للالتحام مع المتغيرات الجديدة لأننا جزء منها ولا يجوز أن نبتعد عنها وندعو للانعزال ولهذا فإن اقامة حوار ديمقراطي مفتوح قائم على أطر واضحة هي السبيل لإنهاء حالة الانغلاق التي يعيشها العالم العربي والقضاء على غوغائية الخطابات السياسية والفكرية التي تسود اغلب تياراته الفكرية وعلى الباحثين والمفكرين العرب ان ينتجوا مفاهيم جديدة تواكب تلك المتغيرات بدلا من القضايا القديمة التي كانت سائدة في سنوات سابقة·
تحديات
وقال د· عبدالمنعم سعيد -مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الاهرام- ان الاصلاح العربي يواجه تحديا كبيرا في ظل واقع سلطوي لا يمكن انكاره وسراب ديمقراطي واضح ويلفت الانتباه في كتاب السيد ياسين انه تعرض بوضوح للخطة الاميركية للاصلاح في العالم العربي والشرق الاوسط وقام بتحليلها نقديا وهو امر مهم للغاية لأن أغلب المفكرين والمثقفين في العالم العربي يعلمون ان مشروع الاصلاح العربي يرتبط بعدد كبير من التحديات التي تواجهه خاصة بعد احداث 11 سبتمبر وما يتبعها من ضغوط اميركية ملحة للاصلاح وصعود قوى اخرى على خريطة العالم مثل الاتحاد الاوروبي بينما مازالت الجامعة العربية تواجه مشكلات مادية تعوق قدرتها على التغيير، وهذه احدى المشكلات الكبرى التي تقف ضد اقامة نظام عربي جديد فضلا عن غياب الخطط والاستراتيجيات·
وأضاف سعيد : أنه اذا كان السيد ياسين يدعو الى الالتحام مع تيار العصر والسعي نحو حضارة انسانية لا تنتقص من شخصيتنا فإن هذا يبدو امرا صعب التحقق لأن لدينا اشكالية كبرى تتمثل في غياب الحاجات الاساسية للشعوب ولن يتحقق هذا الا بوجود مجتمع رأسمالي يسمح بإيجاد سوق مفتوحة وهذا الفكر غير مقبول -للأسف- في أغلب الدول العربية، وهناك فكرة مسيطرة خاصة بأن نأخذ من الاغنياء لنعطي الفقراء وهي فكرة خاطئة لأن المجتمعات الرأسمالية فيها فقر ولكنها تتخذ اجراءات لعلاج تلك المشكلة وكل هذا يعوق فكرة الاندماج بين مجتمعات نجحت في توفير حاجات شعوبها وأخرى لم تنجح· وأوضح ان هناك اشكالية اخرى ترتبط بنظرتنا للاخر الغربي وهي انه محتل ومسيطر وانه لا يوجد فرق بين الرومان والانجليز واميركا، وبالتالي فهناك مشكلة تواجه العالم العربي وهي كيفية الاندماج مع العالم الخارجي دون ان يتدخل في تشكيلنا من جديد، والتراث العربي للاسف يدعم تلك الفكرة، على الرغم من وجود خيارات عديدة يمكن للعالم العربي الاختيار من بينها حسب مصالحه واتجاهاته للمستقبل ولدينا أمثلة واضحة مثل انجلترا التي تنظم علاقاتها مع اميركا كقوة مهيمنة بالتبعية الكاملة لها بينما تميل روسيا نحو المساومات وتبدو دول مثل كوريا الشمالية وكوبا وايران من جبهة الرفض لها، ولن يتمكن العالم العربي ان يحدد موقعه دون ان يحسم قضايا عديدة بداخله مثل الخلط في مسألة الديمقراطية بين تكوين الأحزاب وتداول السلطة وقضية الأمن القومي لأن المصداقية في مسألة الديمقراطية لن يتم حسمها الا من الداخل ووقتها نستطيع ان تتحدث عن أمن عالمي ورخاء واقامة حوار حضاري متوازن والسعي نحو السلام والاستقرار·
الاصلاح الوطني
وقال الكاتب نبيل عبدالفتاح ان كتاب 'الاصلاح العربي بين الواقع والسراب' ينضم الى الكتب التي تشكل مضمونا فكريا في العالم العربي أو هو جزء لا يتجزأ من المدرسة النقدية المصرية التي ظهر كتابها بعد هزيمة يونيو 1967 ويغوص الكتاب في طرح قضايا ملحة ومهمة في عالمنا العربي ومنها اعادة تأسيس الدولة والسلطة السياسية في العالم العربي والتحول من الدولة التعبوية التي ظهرت صور عديدة لها في النصف الثاني من القرن العشرين، كما يعكف الكتاب على تحليل خطابات المدارس الفكرية مثل المدارس الليبرالية والاشتراكية والاسلامية وضعف عمليات الاصلاح بها ناهيك عن استخدامها لالفاظ مبهمة وغير محددة والكتاب يقف بقوة ضد الهيمنة على الصعيد العالمي، وإن كان قد أغفل قبول الهيمنة الداخلية على الصعيد المحلي من جانب النظم السلطوية التي تضع قيودا عديدة في مجال المشاركة السياسية تؤدي إلى تقليل حجم القوى المعارضة بها مما أوجد خللا في التعامل مع القضايا الداخلية· وأضاف ان السيد ياسين في طرحه لقضية الديمقراطية في العالم العربي باعتبارها سبيلا للاصلاح يضع تصوراته دون اعتبار للعديد من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي بعد حربي الخليج الاولى والثانية، وهي تصورات غير صالحة الآن لان بعض القضايا الكبرى انهارت في العالم كله وبالتالي كان يجب ان يطرح اسئلة جديدة بتصورات مختلفة فتحقيق الحريات الاساسية للانسان العربي لن يحدث بالانتقاء من التجارب الليبرالية والاشتراكية والاسلامية لأن هذا النموذج اصبح غير صالح بعد التحولات في نظم الأفكار والحكم في العالم·
الشيخ العطار·· وبوش
وقال ان ربط قضية الاصلاح في العالم العربي بخطاب الاصلاح الاميركي كلام غير صحيح لان هناك خطابات وطنية للاصلاح ظهرت قبل ذلك، وفكرة الاصلاح اساسا بدأت على يد الشيخ حسن العطار ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وجيل الاصلاحيين في الازهر والكنيسة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أما مبادرات جورج بوش وكولين باول الاصلاحية فهي مبادرات تقوم على مصلحة أميركا وتوجهاتها نحو العالم العربي بشكل عام ولا مانع على الاطلاق من عقد حلقة اتصال بين خطابات الاصلاح في الداخل والخارج نتيجة لتغير الظروف الراهنة ولكن بشرط التعامل بجدية مع مشكلات العالم العربي الحقيقية والتوصل الى حلول بشأنها على اساس من النزاهة الفكرية الصادقة ومن الضروري ان يكون خطاب الاصلاح شاملا لكافة الجوانب السياسية والاجتماعية والتنموية والفكرية وليس خطابا جزئيا يتناول قضايا ويترك أخرى·
أما د· عمرو الشوبكي -الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- فقد ذهب إلى القول : ان السيد ياسين يبدو رافضا تماما للهيمنة الاميركية، وانتقد بشدة المبادرات الاميركية الخاصة بالاصلاح السياسي ولكنه في نفس الوقت انتقد الخطابات التقليدية الداخلية سواء الخطاب الاسلامي أو القومي ، وغاب عنه ان يقدم مشروعه الخاص ورؤيته للاصلاح وآليات تنفيذها وان كان من الواضح انه اميل الى التفاعل النقدي مع المنظومة العالمية وتنشيط الحوار الحضاري مع الآخر دون السقوط في خطاب العزلة سعيا وراء المزيد من الديمقراطية وانهاض العالم العربي من كبوته ، وان كانت تلك لن تتحقق الا بالمزيد من تحقيق الديمقراطية ومواجهة السيطرة الاميركية الملحة التي من المتوقع ان تشهد صحوات من دول مثل اليابان والصين في السنوات القادمة·
وأضاف: ان فكرة المجتمع المدني العالمي التي يحلو لياسين ان يستخدمها ويسعى وراءها تبدو فكرة صعبة التحقق وتحتاج الى مزيد من القاء الضوء حولها وربما يمكن لتلك الفكرة -التي تبدو مثالية بعض الشيء- ان تتحقق مثلما حدث لتيارات اشتراكية وثورية سعت نحو تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية والحرية السياسية·

اقرأ أيضا

مصر تتطلع لاستمرار التعاون مع «الأونروا» لمواجهة «كورونا»