الاتحاد

دنيا

«المحدلة» رفيقة سقوف الطين ودليل على قوة العريس

المحدلة جزء من التراث اللبناني(تصوير عزيز طاهر)

المحدلة جزء من التراث اللبناني(تصوير عزيز طاهر)

(بيروت) - لم تمنع تقنيات العصر الحديثة، والاكتشافات الكهربائية والالكترونية، حنين الإنسان الى الأشياء القديمة.. والحميمة، إلى الذكريات الدفينة في القلوب الدافئة، لحاجات وأغراض منزلية أخذت طريقها الى التقاعد، او إلى متممات «ديكور» يتسابق من يعرف قيمتها الى التفتيش عنها واقتنائها، كعز من ماض ولى، بعدما كانت حاجة ضرورية لا يستطيع أياً كان الاستغناء عنها، لأنها جزء من التراث والتاريخ، و»عدة الشغل» الأساسية والضرورية في كل الأزمنة الغابرة.
منذ زمن بعيد لم نعد نسمع بـ»المحدلة»، وهذه الآلة الحجرية القديمة التي انعدم أو ندر وجودها، بعدما كانت حديث سكان القرى، وقضاء حاجة إلزامية، لأي منزل يراد هندسة سطحه وسقفه، لاسيما في البلدات الجبلية التي اعتاد الأجداد والآباء على «المحدلة»، كإحدى فنون العمران فاتخذت كحرفة ومهنة لقرون طويلة، لأن حاجة العصر وقتذاك تتطلب ذلك.
عصور الأسنمت
المباني الأثرية، بيوت الطين، السقوف الترابية، لو نطقوا لشرحوا بإسهاب عن فضل «المحدلة» على بقائهم شامخين، بالرغم من كل العصور التي مرت على الفن المعماري القديم، و»هجمة» الاسمنت وغزو الباطون، ودخول التيار الكهربائي ترافقه تقنيات الحداثة والعولمة والتطور الحضاري. وهذا لم يمنع بقاء بيوت الطين تراثاً يصمد في وجه العمارة التي يحن لها اللبنانيون، مهما توالت الاكتشافات حيث يبقى سقف التراب أو السقف الطيني الذي بناه الأجداد، صرحاً يدل على رمزيته وبساطته، والفضل لـ»المحدلة» التي لا تزال قابعة على قيد الحياة بشيخوخة أبدية، تحاكي المنازل الحديثة وتدعوها للمنازلة والتحدي، لأنها واثقة من حجرها الذي يرد سخونة الشمس في الصيف وبرودة الرياح والصقيع في الشتاء.
«المحدلة» وضعت على «رفق الذكريات»، وأصبحت مرغوبة في هذه الايام كتحفة يدوية منحوتة بالحجارة الأصلية، وكجزء حميم من التراث اللبناني، فتحولت الى ديكور منزلي بعدما انتفت الحاجة إليها. فأصحاب المنازل الحديثة «والفيلات» الفخمة يبحثون في القرى والجبال عن «محدلة» وحتى عن «جرن» قديم، من اجل «متممات» زوايا البيوت أو الحدائق. وكثيراً ما ترى صاحب المنزل يتباهى بحاجاته التراثية التي كلفته الشيء الفلاني، وأولها «المحدلة» صاحبة الصيت الذائع ايام زمان، يوم كان للعز مجده، حيث تراها مستلقية على «السطيحة» او المصطبة تروي للزائر حكايات الدهر والزمن الصعب.
قطعة تراثية
يقول المعلم توفيق حمزة أحد المعمرين ممن عاصروا «المحدلة» في عملها بمجال العمران والبناء، إنها قطعة تراثية خاضعة مثل كل السلع الثمينة والنادرة لسوق العرض والطلب، ولكن حسب مقاييس هذا الزمان. ويضيف في وصفها، بأنها عبارة عن صخر قاس وصلب، نحت بشكل اسطواني يتميز بدائرتين فيهما «نقرتان» لإدخال طرفي المقبض الحديدي المعقوف بشكل ( )، ومن يستخدمها يمسك المقبض من وسطه لتسيير الحجر الاسطواني. وتسمى ايضاً «الماعوس»، وهي رفيقة دائمة وضرورية لبيوت الطين القديمة التي كانت سقوفها تصنع من دعامات كبيرة وطويلة من الحطب، على طول الغرفة التي تحمل بدورها صفوفاً ادق من الحطب بتناسب متقاطع، وفوقها طبقة من صفوف الاخشاب تكتسي بالطين، وهو نوع من التراب الابيض يخلط بالتبن، وكانت هذه السقوف مع جدران الحجر، تشكل عازلاً ضد برد الشتاء وحرارة الصيف.
ويتابع حمزة، مع مطلع كل خريف، ومع أول زخّات المطر، كان لا بد لأي بيت من «حدل» السقف مع الماء لتعزيز تماسك طينه، وسد التفسخات والشقوق التي يكون تسبب فيها قيظ الصيف وحرارة الشمس في الطين، فيحول دون «الدلف» والتسرب، وهكذا يحفظ السقف طوال الشتاء خصوصاً في المناطق التي تشهد صقيعاً في الجبال العالية.
تقاليد عريقة
أما أبو أحمد وهبي فيعيدك الى الذكريات الرائعة لـ»المحدلة»، التي كانت بنظره أهم تحفة في البيت، لأنها دخلت في صميم التقاليد التراثية اللبنانية، وصارت عبارة هبط السقف «دارجة» في الامثال، ويعني ذلك الهجرة، لأن من يترك بيته ويهاجر، فهو لا بد وأن يترك هذا المنزل معرضاً لعوامل الطبيعة المتعددة، ومن دون «حدل» السقف، لا بد أن يتفسخ ويتشقق، عندئذ تضعف المياه «وتدلف» بين الخشب والحطب، فينهار السقف ويتحول البيت الى جدران واطلال.. ولا ينسى وهبي أن يشير الى أن قيمة «المحدلة» تعرفها لأنها كانت تنحت باليد، وكان هناك اختصاصيون في هذا الفن، اما اليوم فقد انقرضت هذه الصناعة، وانقرض معها النحاتون اصحاب الخبرة والباع الطويل في هذا الفن المعماري القديم، ويكفي أن النحت الصعب كان يتركز على اسطوانية «المحدلة» وهذا يتم يدوياً ويحتاج الى دقة ووقت طويل، لاسيما لجهة التجويف والاستدارة.
رفيقة العمر
الحاجة أم محمد مسلماني تصف «المحدلة» بأنها الرفيقة الحميمة لبيوت أيام زمان، عندما كانت السقوف تتدلى بزينتها، ومواقد التدفئة الشتوية، والدواخين الطينية تسرح في زوايا الغرف المعمرة منذ أكثر من مئة عام، وهذه البيوت تراها في بلدات حولا وشقرا وياطر والصوانة، والسقوف صنعت من عمل «المحدلة» بواسطة الطين الصلب المجبول من التراب والماء والمواد النارية المختلفة.
«المحدلة» وبيوت الطين، اسم متعارف عليه لوصف المنازل القديمة، والسبب الرئيسي لذلك السقوف المصنوعة من مادة الطين وجدرانها المصقلة من الحجر الثقيل والكبيرة، الذي يشكل عازلاً فعالاً يحمي الغرف من برد الشتاء وحماوة الشمس في الصيف، خصوصاً في فصل الشتاء حيث لا يخرج صاحب المنزل، الا من اجل «حدل» السطح. ومع تراجع بناء سقوف الطين التي استبدلت بمنازل ذات عمران حديث، وسقوف من الباطون والقرميد، قبعت «المحدلة» في زوايا الحدائق والصالونات كـ»ديكور» ليس إلاّ، واصبحت أعدادها قليلة جداً، بالرغم من الحاجة الماسة إليها، فالأشياء القديمة يطويها الزمن وتصبح من الماضي، لكنها تبقى في الذاكرة والتاريخ، عنواناً لكل ما هو جميل...
رجولة وعنفوان
بين الماضي والحاضر، تتصارع المهن والحرف والفنون، ومواكبة العصر تتطلب الاستغناء عن كل ما هو قديم، تحت عناوين «العولمة» والحداثة والتطوير. لكن يبقى هناك اناس يتشبثون بالحاجات والأشياء التراثية التي تذكرهم بماضي الأجداد العريق. ويرفض ابو حسين اللقيس هدم منزله القديم المبني من الطين ليحل محله منزلاً حسب الطراز السائد والفن المعماري الحديث. ويزيد: أحاول دائماً الحفاظ على هذا الشكل المعماري في البناء، والفضل فيه يعود لـ»المحدلة» التي كنت أعشق صوتها وهي تحدل على السطوح، ودائماً احن الى رائحة الطين المسكوب فوق السقوف، حيث من النادر ان ترى الآن منازل من الطين، التي يقال إنها انقرضت مع ندرة المحادل، التي لم تعد تصلح سوى للزينة في الحدائق والبيوت.
كانت «المحدلة» فيما مضى محطة مفصلية لـ»الرجولة» والعنفوان، وكان العريس الذي يريد الزواج، عليه رفع «المحدلة» و»الجرن»، وهما من الأوزان الثقيلة والصعبة. وفي الأعياد والمناسبات كانت تجري المباريات وحفلات التحدي بين «قبضايات الضيعة» في الساحات العامة، ومن يفوز في عملية رفع «المحدلة» و»الجرن»، كان يحمل على الأكتاف على وقع «الزغاريد» والهتافات، ويكتسب شهرة واسعة تطال البلدة وجوارها، عدا أن القصص والحكايات حول رفع «المحدلة» تتناقلها ألسن الرواة والأهالي جيلاً بعد جيل.

اقرأ أيضا