الاتحاد

تقارير

تايلاند··· صراع على السلطة

المعارضة التايلاندية تضغط في اتجاه تغيير الحكومة

المعارضة التايلاندية تضغط في اتجاه تغيير الحكومة

تحت وهج الشمس الحارقة تتضاءل جموع المتظاهرين بملابسهم ذات اللون الأحمر، لكن ما أن يبدأ الظلام يغزو العاصمة التايلاندية بانكوك حتى يتجمع الآلاف من المتظاهرين وتنطلق الخطابات النارية المناهظة للحكومة بما يتخللها من موسيقى ومأكولات خفيفة توزع على المحتجين· هذه المظاهرات المؤقتة على إيقاع الليل والنهار ليست في الحقيقة سوى ردة فعل على حدث سقوط الحكومة في شهر ديسمبر الماضي بسبب المظاهرات العارمة والفوضوية التي نظمها أنصار الملكية بملابسهم ذات اللون الأصفر، التي أرادوا أن يميزوا بها أنفسهم ويرمزوا بها إلى تعلقهم بالمؤسسة الملكية· لكن هذه المرة تحول اللون الأحمر إلى رمز للمظاهرات، معيدة إلى الأذهان مشهد محاصرة مقر رئيس الحكومة في العام الماضي والدعوات المطالبة باستقالته، هذا المشهد الذي يهدد بإدخال بلاد منقسمة على نفسها أصلا في أتون صراع سياسي على السلطة والزعامة· وإلى حد الآن لم تخرج المظاهرات عن نطاقها السلمي، إذ رغم تحدي المتظاهرين لقرار المحكمة برفع حصارهم عن مقر رئاسة الحكومة ورفضهم الالتزام به، لم يسعَ أي من المتظاهرين إلى اقتحام المبنى كما فعل خصومهم الذين جاءوا بالحكومة الحالية في العام الماضي· ولم يوفر المحتجون الجدران المحيطة بالمكان للتعبير عن مواقفهم السياسية من خلال رسم صور تسخر من رئيس الوزراء ''أبيسيت فيجاجيفا'' ومن المتظاهرين المؤيدين له الذين مكنوا لحكومته من تقلد السلطة·
لكن تبقى الصور الأكثر شعبية بين المتظاهرين هي تلك التي تظهر رئيس الحكومة السابق ''تاكسين شيناواترا'' الذي أطاح به الجيش خلال انقلاب عسكري في عام 2006 ويعيش اليوم في منفاه بدبي بعد إدانته بتهم فساد كانت قد وجهت له· ومع أن القضايا التي تحرك المحتجين وتدعوهم للنزول إلى الشارع متعددة ليس أقلها المصاعب الاقتصادية التي تعرفها البلاد حالياً والركود المخيم على العباد يبقى مصير رئيس الوزراء السابق أهم ما يوحد المتظاهرين ويحشد مواقفهم، وهو ما عبرت عنه إحدى المتظاهرات قائلة ''إذا رجع تاكسين فإن كل شيء سيكون على ما يرام، إننا لم نحظَ برئيس وزراء مثله في هذه البلاد''· وقد حفز تاكسين المتظاهرين وحشد تأييدهم عبر الخطب التي يلقيها في الحشود من خلال الفيديو، ما دفع الحكومة أمام هذا التكتيك إلى تبني موقف دفاعي، لا سيما بعد إعلان المتظاهرين أنهم سينظمون اعتصاماً أكبر في بانكوك خلال الثامن من أبريل الجاري، وذلك عشية القمة السنوية لقادة منظمة ''آسيان'' التي سيستضيفها رئيس الحكومة بمنتجع ''باتايا''· غير أن المراقبين يحذرون من مبالغة المظاهرات الحالية في تقليد الاحتجاجات السابقة بعدما بدأت أعداد المتظاهرين تقل في الأيام الأخيرة، بل هناك نشطاء من الموالين لتاكسين يعربون عن تشككهم فيما إذا كان تصعيد المواجهات مع الحكومة وتأجيج الخطاب المناهض لها هو الطريق الأفضل لإطلاق حركة سياسة واسعة في البلاد·
وبالإضافة إلى المطالبة باستقالة رئيس الوزراء الحالي يمارس المتظاهرون ضغوطاً كبيرة على بعض الأشخاص المقربين من الملك للتنحي، ففي 27 مارس الماضي اتهم تاكسين ''بريم تنسولانوندا''، كبير مستشاري الملك المقدس ''بوميبول''، بالوقوف وراء انقلاب العام ،2006 ومع أن المستشار الملكي نفى هذه التهم، إلا أنه يتمتع بنفوذ كبير داخل المؤسسة الملكية التي باتت بدورها تتعرض لانتقادات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما كان يعتبر في السياسة التايلاندية إحدى التابوهات الراسخة في الحياة السياسية· ويرد مؤيدو الحكومة الحالية على المظاهرات باتهام ''تاكسين'' بالتخطيط للإطاحة بالملكية في تايلاند، وهي التهمة التي ينفيها بشدة من خلال حرصه الشديد في خطبه على التمييز بين ''المؤسسة العليا'' كما توصف الملكية في البلاد، وبين حاشية الملك التي لا تكف عن التدخل في الحياة السياسية، لكنه في نفس الوقت حث مناصريه الذين ارتدوا اللون الأحمر وينحدر معظمهم من الطبقات السفلى إلى التصدي لحكم الأرستقراطية وإعادة ''الديمقراطية الكاملة'' لتايلاند· وفي تطور لافت عرض نائب رئيس الوزراء يوم الأربعاء الماضي التفاوض مع ''تاكسين''، مؤكداً أن الحكومة لن تستقيل، لكن إلى غاية الساعة لم يعقب ''تاكسين'' على العرض، وفي هذا الإطار أيضاً شدد المتحدث باسم ''الحزب الديمقراطي'' الحاكم أن الحكومة لن تستجيب لطلب ''تاكسين'' بالتدخل لوقف الإجراءات القانونية المتخذة ضده بعدما أدانته المحكمة العام الماضي غيابياً على خلفية بيع إحدى قطع الأراضي في العام ·2003
ويتوقع المراقبون أن تواجه الحكومة في بانكوك ضغوطاً متزايدة بسبب انكماش الاقتصاد التايلاندي الذي تدعمه طبقة من رجال الأعمال المتخوفة من الاضطرابات السياسية، لا سيما في ظل التسريحات العمالية المتصاعدة وتراجع السياحة، وفي ظل هذه الأوضاع الاقتصادية غير المريحة يروج المتظاهرون من مؤيدي ''تاكسين'' أنه الوحيد القادر على إنقاذ اقتصاد البلاد من الخراب· ولا يتردد المتظاهرون في انتقاد الخطة الحكومية التي تقضي باستدانة ملياري دولار لتحفيز الاقتصاد القائم أساساً على التجارة مقارنين بين الحكومة الحالية و''تاكسين'' الذي نجح خلال فترته الأولى من تسديد جزء كبير من الديون المستحقة لصندوق النقد الدولي كانت تايلاند قد حصلت عليها خلال الأزمة الاقتصادية لعامي 1997 و·1998

سيمون مونتلايك -بانكوك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا