الاتحاد

دنيا

المرأة اليمنية تعشق الألوان وتركض خلف الجديد

زياً قديماً

زياً قديماً

تتمسك المرأة اليمنية بالموضة القديمة على الرغم من أن الأسواق تكتظ بالموضات الحديثة، فهي لاتفضل أن تكون غريبة عن أصول الأزياء اليمنية. وما تناوله المصممون في خصوصيات الأزياء الشعبية للمرأة اليمنية كان من خلال الترويج لما يعرف بالعباءة لعلاقتها الجمالية بملامح فنية أخرى في البيئة اليمنية، والعباءة الصنعانية التقليدية أو المسماة بالستارة، والتي لاتزال من أبرز ملامح الزي التقليدي للمرأة في العاصمة، وأيضا الشرشف الذي ينتشر في المدن الرئيسية الأخرى باستثناء عدن وقليل من المدن التي لها أزياء خاصة متميزة ترتبط بدرجة نشاط المرأة وموقعها في سلم العمل والإنتاج ونمط الحياة الحضرية التي تختلف عن الريف اليمني، حيث تعمل المرأة في الحقول الزراعية المنتجة. التفاصيل نسردها في السطور التالية :

بداية ترى هدى علي اليريمي مختصة في تطريز الأزياء الشعبية للمرأة أنه عندما يكتسح التجديد حياتنا الاجتماعية ويضع التيار التحديثي على لباس المرأة بصماته القوية والمؤثرة، مباشرة تمس أصالة الموروث القديم وتراثه وقدسيته تحت شعار مواكبة التغيير والتطور. وفجأة نزيح ذلك التراث بأيدينا ونعلن البحث عن الجديد حتى لا نتهم بالجمود، فنسارع إلى اقتناء أفضل وألمع الأسماء حتى يقال عنا أننا حضريون، وفي هذا السلوك نوع من أنماط الغلو وإهمال تقاليدنا الأصيلة .
أزياء صنعاء
غير أن مايلفت النظر بحسب هدى هو أن العباءة الصنعانية أو مايطلق عليه الـ «جماش»، أو الستارة، تمثل لوحة فنية ما تزال تكتنز الكثير من الأسرار التي أبقتها مفضلة لدى الكثيرات من النساء في العاصمة، بالرغم من تعدد أزياء المرأة اليمنية واكتساح الموضات الحديثة للسوق والتي تتدفق من كل أسواق بلدان العالم من باريس إلى واشنطن إلى بون وبكين وغيرها .
وتضيف هدى : غدت معظم الشابات يغردن وراء سرب الموضة الجديدة فيما بقيت العديد من النساء «كبار السن» يفضلن العباءة الصنعانية أو مايعرف بالستارة على مستوى العاصمة وبعض المناطق المجاورة لها، حيث إن بنات اليوم يؤمن بتعددية الألوان بعد هجرهن للأزياء التقليدية القديمة.
وفي هذا الشأن تقول أمة الرزاق جحاف، من الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية وإحدى المختصات في البيوت اليمنية التقليدية، بأن العباءة فكرتها قطعة قماش قطنية مربعة الشكل ، كان لون أرضيتها أبيض في البداية، وزُخرِّفت بأشكال هندسية باللونين الأحمر و الأسود ، وتميزت بنقوشها و زخارفها المزدحمة في الوسط والحواف والأركان .
وتضيف « اختفى ذلك النموذج الذي عُرف لاحقا بالستارة الرداعية في صنعاء، وحل بدلا عنه ستارة أخرى يجلبها التجار من الهند، ومن المرجح أنها صنعت خصيصا لليمن ووفقا للطلب يغلب على أرضيتها اللون الأحمر ، وأضيف إليها الأخضر والأصفر والأزرق إلى جانب الزخرفة النباتية .
أزياء عدن
أما مدينة عدن فقد عرفت منذ فترة مبكرة من تاريخها نوعاً من اللباس التقليدي، حيث لبست المرأة الفستان المسمى بالمذيل البدوي، الذي كان يسود منطقة الجزيرة العربية، وكان يصـــــــــنع من القطن، ومن لب الحرير وهذا النوع من لباس المرأة تغنى به شاعر الجاهلية الكبير امرؤ القيس الذي قال :
خرجت بها تمشي تجر وراءها
على أثرينا ذيل مرط مرتل
كما عرفت المرأة العدنية في سياق التطور الاجتماعي أنواعاً أخرى من اللباس، وخصوصاً ذلك المصنوع من قماش القطف المصبوغ باللون الأسود والذي تماثل في مراحل مختلفة مع لباس الرجل إلى جانب أنواع أخرى من اللباس.
وقد تميز الزي العدني بالزخارف والنقوش والخطوط الحريرية والتطريز، والزي الشعبي في مناطق شمال اليمن يتميز بالثوب والسروال أي «الزنة» وتزين رقبة الثوب وأسفل السروال الطويل بالزخارف وخطوط الحرير، إضافة إلى طرحة الرأس التي ترتديها المرأة في تلك المناطق الباردة والمزينة بالخطوط الحريرية.
وبعد الاحتلال البريطاني لعدن عام 1838م اتسم الإيقاع الاجتماعي في مدينة عدن بنوع من الثبات الذي بدا معه التنوع في الملبس هادئاً ومتزناً، فعرفت المرأة نوعاً من القماش المصنوع من القطن والحرير تبعاً للوضع الاجتماعي للمرأة، وعرف باسم «الطاس» وسرعان ما عرفت نساء المدينة نوعاً آخر من الأقمشة المخملية المطرزة باللؤلؤ اللماع.
وبحسب دراسات عن التراث الشعبي في أزياء المرأة اليمنية، فإن هذا النوع من اللباس كان يتنوع بين النعومة والخشونة تبعاً للمقدرة الشرائية للمرأة، واستطاع أن ينافس بقوة «الطاس» وكان حاضراً في كل المناسبات. ثم في فترة لاحقة عرفت نساء عدن نوعاً آخر من اللباس عرف باسم «الدمس.
وتطور لبس النساء بلباس صنع من لب الحرير والشيفون والقطائف و»الشكن» المطرز بالحرير، وغالباً ما كانت هذه الأقمشة تصنع بحيث تأتي من الهند شفافة منعمة بمزايا جمالية كالتطريز بخيوط الذهب.
وبرزت في عدن موضة أخرى في فترة لاحقة هي لبس «الأمصار» وهي عبارة عن مناديل كانت توضع على الرأس لتكمل بها المرأة أناقتها، وكانت «الأمصار» في بداياتها تصنع من القطن والحرير وتحظى باهتمام خاص من قبل مصممي الأزياء.
وهنا تعتبر الدكتورة زينب حزام أن خطوط الزي اليمني القديم هي ذاتها التي تقتبسها بيوت الأزياء العالمية، والتي أصبحت اليوم الموضة السائدة في معظم دول العالم، فالثوب اليمني يتميز بزخرفته ونقوشه الحريرية والمطرزة .
الشرشف التركي
وفي الفترة الأخيرة انتشر لبس «الشرشف التركي» في معظم المناطق اليمنية، بما فيها القرى، وهو يغطي الجسم بقماش أسود قبل أن تدخل عليه الأيادي الحرفية أنماطاً مختلفة من النقوش والرموز الملفتة لهذه الموضة القديمة. حيث تقول فاطمة قايد العمراني إن استخدام المرأة اليمنية لهذا النمط من الزي «الشرشف» بدأ بقطعة من القماش الملونة بألوان زاهية ، تدعى «المصوُّن» كانت تمهيدا لظهور العباءة أو الستارة والجماش الذي يغطي الجسم كقطعه واحدة .
وتؤكد أمة الرزاق جحاف أن الشرشف جاء مع الاحتلال العثماني، وقد مر بمراحل مختلفة حتى وصل إلى الشكل الذي عليه اليوم ، وقد كانت المرأه الحديدية تلبس الشرشف في أول الأمر حيث كانت فوطته قصيرة، أما في صنعاء فقد كانت ترتدي المرأة الستارة المزخرفة وجاء بعدها الشرشف.
أما سمية عثمان طالبة جامعية فتتحدث عن «الشرشف» الذي يفضلن النساء لبسه في مدن كبيرة منها تعز والحديدة وحضرموت وصعدة وصنعاء وغيرها من المدن اليمنية، قائلة: جاء به الاتراك إلى اليمن ، وبالرغم من هيمنته وحداثته لم يستطع إزاحة العباءة ، إذ ظلت الستارة حاضرة حتى بعد ظهور العباءة الحديثة «البالطو»، التي زحفت على الشرشف الأسود لتحل مكانه في بعض المدن والمناطق الأخرى .
وتؤكد سمية أن النساء في صنعاء يلبسن إلى جانب العباءة قطعة شفافة بعض الشيء وتسمى «المغمُق» وتصنع من الحرير أو القطن، ويغلب عليه اللون الأسود مع نقوش ملونة بالأبيض والأحمر، وتتدرج ألوانه من الخارج إلى الداخل، مكونةً دائرة مركزها نقطة سوداء.
الهوية الفنية
ومن وجهة نظر الكاتبة و الناقدة الفنانة التشكيلية الدكتورة آمنة النصيري فقد شكلت الستارة الصنعانية جزءاً مهماًِ من هوية البيئة الصنعانية لاسيما وأن منظر المرأة بالستارة مع باقي تلك التفاصيل يجعلها تقترب من تقاسيم البيت الصنعاني من الخارج برخارفه والأحزمة التي تتوج واجهاته، والتي تبدو قريبة الشبه من تزيين المرأة لملبسها، بما في ذلك الستارة .
التصميم
من جانبها تقول : عائشة يحيى الجدري متخصصة بفن النقش والتطريز إن المرأة اليمنية اهتمت بالحلي والإكسسوارات لإعطاء، الأزياء التي ترتديها، الشكل الأنيق خاصة في زي الرقصات الشعبية اليمنية التي تعتمد بشكل كبير على لبس الحلي الذهبية والفضية وكذلك في مجال تصميم الرقصات الشعبية.
وتضيف : مازالت صناعة المنسوجات اليمنية الخاصة بصناعة الأزياء الشعبية تتقدم حتى يومنا هذا . وهي تضيف الجديد يومياً مما يجعل الزي الشعبي اليمني من عوامل جذب وإبهار السياح .
وتعتبر عائشة التي كانت تتحدث وبيدها قلم خاص بتحديد النقوش التي تريد وضعها على قطعة قماش، أن تصميم الأزياء الشعبية للعروض المسرحية الشعبية والرقص الشعبي والنقش على الجسد بالحناء، تحتاج إلى موهبة فنية عالية، حتى تظهر الأزياء على المسرح محققة الرؤية الفنية .
وتذكر سير الأدب اليمني ،أن الأزياء الشعبية اليمنية لا تكتمل دون الحلي الذهبية والفضية. وفي متاحف الموروث الشعبي التي تبرز العادات والتقاليد في عدن وصنعاء وشبوه ومأرب، نجد فيها بوضوح تطور الأزياء الشعبية والحلي القديمة والحديثة ،حيث يشاهد الزائر لهذه المتاحف مراحل تطور صناعة المنسوجات والأزياء الشعبية التقليدية والإكسسوارات ،وأدوات الزينة في البيت اليمني.

اقرأ أيضا