الاتحاد

دنيا

مثقفو الإمارات يبحثون عن «مقهى» يعبر عن حِراكهم الفكري

مقاهٍ ثقافية «موسمية» على هامش معرض الكتاب في أبوظبي

مقاهٍ ثقافية «موسمية» على هامش معرض الكتاب في أبوظبي

هل تصنع الأرصفة والطرقات وواجهات المحال والمنازل هوية ما للشارع، أم هي حركة الناس في رواحهم ومجيئهم؟ هل نرسم للناس شوارعهم أم أن الأقدام هي التي تراكم تجاربها، فترصف الرمال والأتربة وتشقّ ممرّاً لها لعبور، أو لإقامة فترة من الزمن، تحدّده وتتلاعب به العواصف والتيارات والأهواء في الناس أنفسهم؟
أين يقيم المثقفون والفنانون خارج أطر جدران المنازل؟ أي مقهى يستقبلهم على أنواعهم؟ هل لهم مكانهم الخاص؟ هل هو المكان الذي يصنعهم، أم أنهم يصنعون المكان؟
وإذا كان مقهى «ريش» في القاهرة، وسط البلد، وكان يرتاده الأديب الراحل نجيب محفوظ، قد «استأذن» مثقفيه ليشدّوا رحالهم إلى مقهى البستان، و»الندوة الثقافية»، ومقهى «الحرية»، فاسحاً في المجال أمام زوّار «ميسورين» للتمتع بالمكان... وإذا كان مقهى المودكا في شارع الحمراء في بيروت قد أقفل، وتحوّلت واجهته لعرض الألبسة الجاهزة، في حين صمد»كافيه دو باري» بعدد ضئيل جداً من المخلصين له، ليستسلم أخيراً ناثراً رواده كالمشرّدين بين المقاهي... وإذا كان شارع المتنبي البغدادي يعاني من المتغيرات والتحولات في العراق، وغالبية مثقفيه يهجرونه، وقليلون بقوا...
فماذا عن تجربة المثقفين في الإمارات، وماذا عن أماكنهم؟ أيّ شارع يضمهم وأي مقهى يحتويهم؟
ثمة طريقان لخلق الحيّز- المكان، فإذا كان لا بد من شارع للثقافة، فإما أن يتمّ بناؤه بتخطيط، أو أن تشكّله حركة المثقفين عفوياً، المعروف في أبوظبي، كما قال مدير النشر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث محمد الشحي: «إنَّ المثقف ورجل الأعمال سواسية فيها، فلا مكان مخصصاً لهذا وآخر لذاك، ولا درجات أولى وثانية و ثالثة تميّز بين الاثنين في الأمكنة التي يرتادونها من مطاعم ومقاه... لذا نجد المكان يجمع بين عدد كبير من المهن، فيشكلون خليطاً غير محدّد أو مؤطر له صفاته وطقوسه وعاداته».
يختلط عالم الأعمال بعالم الثقافة في أبوظبي؛ ولهذا عدة أسباب، أبسطها الحيّز الجغرافي، ومنها ما تناوله الكاتب والفنان محمد المزروعي بالإشارة إلى «حداثة نشوء دولة الإمارات، وما تبعها من اهتمامات ببناء البنية التحتية الاقتصادية، وصولاً إلى يومنا هذا، حين وعى المخطط «السياسي» للمدينة ضرورة الاهتمام بالبنية التحتية الثقافية».
شارع المهنة
يشير المزروعي إلى «أن هناك أماكن عرّفت تبعاً لمهنة روادها، فالعربجية يجلسون في مكان، والمثقفون في ناحية أخرى، والممثلون في مكان»... ويتحدث عمّا يعرف بـ «شارع مهنة»، مشيراً إلى شارع محمد علي في القاهرة الذي يجتمع فيه الممثلون والراقصات والطبّالون، ليقول: «الكلام عن شارع مهنة بالنسبة لدولة، كما الإمارات ليس موجوداً حالياً إلا بالشكل، وذلك لأسباب (ذكية)، مرتبطة بالتخطيط. فالقائم على تصميم المدينة أو على تخطيطها السياسي (بمعنى التقسيم الاجتماعي الاستراتيجي)، لم يضع في باله بناء فكرة ثقافية. في السنوات العشر الماضية، ومع تطور الدولة اقتصادياً، بدأ البحث في الثقافة، متخذاً أحياناً اتجاهات إعلامية وأحياناً دعائية، واتسم الأمر في بعض المرات بالكثير من الجدّية، ليتجه في مزات أخرى نحو شيء من الفوضى. ومرات تميّزت بتنظيمها الشديد. ليس هناك مخطّط سياسي بالمفهوم الفردي، فالمخطط السياسي مشروع جماعي، فكرة جماعية واستشارية. إنما في الحقيقية لم نشعر أن هناك أحداً قادراً على هذا الموضوع بشكل جيد، إلى أن جاءت القرارات بالإنشاء».
البعد والبعد الجغرافي
يتحدّث الشحي عن جغرافية المكان، مشيراً إلى تأثير بعد المسافة بين أبوظبي ودبي وبينها وبين الشارقة، التي نجحت في التأسيس لشارع ثقافي، كما قال الشاعر خالد الظنحاني، ويرى الشحي أن المسافة تبعد بين الحراك الثقافي الحاصل في أبوظبي وسواها، فيبقى التفاعل بين «المثقفين» الإماراتيين محدوداً».
ويقول: «أعتقد، شخصياً، أن أبوظبي هي حالياً قبلة للمثقفين والأدباء والفعاليات الثقافية الكبرى من معرض الكتاب إلى النشاطات المتنوعة في الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى العربية والمعارض وسواها، وهذا الكمّ النوعيّ من الفعاليات الثقافية على مدار السنة، والمستمرة بكل أطياف الثقافة والفنون في أبوظبي، بالإضافة إلى التركيز على أن تكون أبوظبي عاصمة أو مركزاً عربياً للثقافة، واستراتيجيات أبوظبي نفسها من أجل أبوظبي، لا بد أن يميّز أبوظبي في المستقبل بشكل عفوي».
ويشير الشحي إلى تخطيط لمكان يضم مقاهي و»جاليريات» ومرافق ثقافية أخرى في شارع واحد، هو ما لحظه مخطط جزيرة السعديات، وهو سيرى النور بعد أربع سنوات.
ويتحدّث عن المجمع الثقافي، مقر هيئة أبوظبي للتراث والثقافة، قائلاً: «منذ انطلاقته منذ 30 سنة، شكّل المجمع الثقافي المكان الذي يلتقي فيه جميع المثقفين والأدباء المهتمّين والقراء، وذلك بسبب طبيعة نشاطاته في العقود الثلاثة الأخيرة من حفلات توقيع الكتب إلى تنظيم المؤتمرات، ومنها الصحفية لإطلاق المشاريع الكبرى في أبوظبي، فتمكّن إلى حد ما من أن يجمع بين أهل مختلف الفنون في حيّز واحد. أما في الأماكن الأخرى فليس ثمة مكان للمثقفين بعينهم، أو للتجار بعينهم، والأمكنة مفتوحة أمام الجميع».
ويؤكد: «في أبوظبي، حالياً، ليس بالوسع القول إن هناك مكاناً معروفاً بكونه المقهى - الملتقى للمثقفين. نحن نتنقّل عموماً من مكان إلى آخر، وفي الغالب هناك مقاهي الفنادق، أكثر من سواها، مقصد للقاءات العمل أو النقاش، ولم يتمكن فندق معيّن من حيازة اهتمام المثقفين أكثر من سواه».
وويختم بالقول: «تمكن المجمع في مراحل متعددة من جمع صالفن والثقافة في حيّزه، وكاد أن يكون (شارع) أو مكان التقاء للمثقفين في الإمارات، والمقصود بهم مثقفي الإمارات والمثقفين العرب والغربيين».
المخطط الثقافي
يقول المزروعي مستذكراً الماضي: «تم إنشاء الدولة في الإمارات سنة 1971، ولا سبيل بالتالي لمقارنتها مع عواصم عربية أو غربية أخرى لجهة أمكنة المثقفين. فقد بنيت الشوارع الثقافية في الدول الأخرى عبر تراكم زمني وتاريخـــي، وحتى لو نظرنا إلى تواريخ الشوارع الثقافية في العالم بشكل عام، فسنكتشف أن الشارع الثقافي ليس مكاناً ثابتاً إنما يخضع لتحولات البشر والتراكمات... فقد يكون الشارع في مكان معيّن وبعدها ينتقل إلى مكان ثانٍ، ومثالاً على ذلك مقهى ريش في القاهرة الذي ذاع صيته بأنَّه مقهى المثقفين- كان يرتاده نجيب محفوظ وسواه من الأدباء والشعراء والفنانين- إلا أن صاحب المقهى أقفل بابه بوجه المثقفين لعدة أسباب، منها، ربما، أسباب أمنية، أو لأن المثقفين يجلسون ولا يطلبـــون «مشاريب»، يجلسون لساعات على فنجان قهوة أو شاي، وربما أثّر ذلك المقهى لجهة عدم تحقيق المدخول المرتجى، فذهب المثقفون إلى مكان آخر يبعد عنها نحو 50 متراً (قهوة شعبية هي قهوة البستان)، فانتهى تاريخهم مع مقهى الريش ليبدأ عصر مقهى البستان، ومن ثم شعروا بالملل منها فتحركوا إلى «الندوة الثقافية»، وأيضاً انتقلوا إلى مقهى «الحرية» وهكذا، أدى تحرك المثقفين في نطاق معين إلى خلق منطقة ثقافـــــية أو دائرة.
كما أن فكرة المقهى الثقافي ليست عبارة عن مكان ثابت، فقد يكون مكان لقاء وانطلاق لحضور فيلم أو مسرحية أو ندوة أو محاضرة.
ويرى المزروعي أنَّ الطريقين العفوي والمخطط له، يساعدان في بناء شكل خاص بالثقافة، وهو يدافع عن الطريق المخطط له بالقول: «لم يتم بناء دولة الإمارات بحدودها الجغرافية بالقوة الإجبارية أو بالاحتلال، لكن هذا لا يمنع مراعاة التخطيط والعمل لبناء شكل معيّن للشارع، يأخذ بعين الاعتبار البعد الثقافي... كان كل ذلك ممكناً عبر تبني الدولة إنشاء جمعيات النفع العام، وعدم ترك الأفراد للمناداة وبذل الجهد لتأسيس جمعية. ومن جهة ثانية، قد يرد على هذا الكلام بأن يقال إن تترك الأشياء على طبيعتها وضمن مجراها الطبيعي، وأنا لا أختلف مع هذا الرأي، وتحديداً لأن لا شيء يتم بالعصا السحرية، إنما أقول إنه علينا أولاً أن نخطط، أن نجمع بين الطريقين أو السبيلين، التخطيط لبناء وترك الأشياء على طبيعتها كي تتشكّل في هذا المكان».

اقرأ أيضا