الاتحاد

شهيدا الهوى (2)


عدنا مرة أخرى لنروي لكم قصة شهيد الهوى التي ذكرناها آنفاً وبعد أفتراس الأسد لحبيبته قال:
انطلق فغاب عني ساعة وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية وقد قتلها الأسد، وأكل أعضاءها وشوه خلقتها ثم أخذ السيف وانطلق فأبطأ هنيهة وأتي ومعه رأس الأسد فطرحه، ثم أنشأ يقول:
ألا أيها الليث المدل بنفسه
هلكت، لقد جلبت حقا لك الشرا
وخلفتني فردا وقد كنت آنسا
وقد عادت الأيام من بعدها غبرا
ثم قال: بالله، يا أخي، تقبل ما أقوله لك فإني أعلم أن المنية قد حضرت لا محالة فإذا أنا مت فخذ عباءتي هذه فكفني فيها وضم هذا الجسد الذي بقي منها معي وادفنا في قبر واحد وخذ شويهاتي هذه، وجعل يشير إليها فسوف تأتيك امرأة عجوز هي والدتي فاعطها عصاي هذه وثيابي وشويهاتي وقل لها مات ولدك كمدا بالحب، فإنها تموت عند ذلك فادفنها إلى جانب قبرنا وعلى الدنيا مني السلام· قال: فو الله ما كان إلا قليل حتى صاح صيحة ووضع يده على صدره ومات لساعته، فقلت: والله لاصنعن له ما أوصاني به فغسلته وكفنته في عباءته وصليت عليه ودفنته ودفنت باقي جسدها إلى جانبه وبت تلك الليلة باكياً حزيناً، فلما كان الصباح أقبلت امرأة عجوز وهي كالولهانة فقالت لي: هل رأيت شابا يرعى غنما؟ فقلت لها: نعم، وجعلت أتلطف بها ثم حدثتها بحديثه وما كان من خبره فأخذت تصيح وتبكي وأنا ألاطفها إلى أن أقبل الليل وما زالت تبكي بحرقة إلى أن مضى من الليل برهة فقصدت نحوها فإذا هي مكبة على وجهها وليس لها نفس يصعد ولا جارحة تتحرك فحركتها فإذا هي ميتة فغسلتها وصليت عليها ودفنتها إلى جانب قبر ولدها وبت الليلة الرابعة، فلما كان الفجر قمت فشددت فرسي وجمعت الغنم وسقتها، فإذا أنا بصوت هاتف (من الجن) يقول:
كنا على ظهرها والدهر يجمعنا
والشمل مجتمع والدار والوطن
فمزق الدهر بالتفريق ألفتنا
وصار يجمعنا في بطنها الكفن
قال: فأخذت الغنم ومضيت إلى الحي لبني عمهم فأعطيتهم الغنم، وذكرت لهم القصة فبكى عليهم أهل الحي بكاء شديداً، ثم مضيت إلى أهلي وأنا متعجب مما رأيت في طريقي·
وجد عبدالعزيز - العين

اقرأ أيضا