الاتحاد

الملحق الثقافي

طالب الرفاعي يدافع عن لجنة التحكيم

جاء فوز الروائي السعودي عبده خال بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن روايته “ترمي بشرر”، الصادرة عن دار الجمل، بيروت/ بغداد، سنة 2009، ليؤكد الاتجاه الذي اعتمدته الجائزة، باعتماد أسس موضوعية للاختيار، وهو ما عبر عنه رئيس لجنة التحكيم الكاتب الكويتي طالب الرفاعي خلال الكلمة التي ألقاها في حفل إعلان الفائز في فندق “روتانا بيتش” في أبوظبي.
وتطرق الرفاعي إلى الحملات التي تعرضت لها الجائزة والتي طالته هو شخصيا، مفندا الإدعاءات التي أوحت بأن اختيارات القائمة القصيرة شابتها تدخلات واعتبارات شخصية.


قال الرفاعي: “لقد مارست لجنة التحكيم عملها خلال المراحل المختلفة للجائزة محتفظة باستقلالية قرارها ونزاهة تعاملها مع جميع الأعمال الروائية المتقدمة للجائزة، مع التأكيد على وجود روايات جيدة وممتعة لم يُكتب لها الوصول إلى القائمتين الطويلة أو القصيرة”.
وأضاف، “تصور الرواية برمزية فائقة عوالم السلطة المطلقة، بقدرتها على تدمير الأشخاص والنفوس والأمكنة. وقد جاء ذلك من خلال منظور شخصية منفّرة، لا ترى العالم إلا في إطار ثنائيات فجة. فالرواية تقدم للقارئ راهناً إنسانياً مرعباً، يصور عالماً روائياً تغلب عليه شعرية الفظاعة والإفراط والغلو”.
ويأتي قص الكاتب السعودي عبده خال حاملا تكملة لعنوان الرواية: ترمي بشرر “كالقصر”. قصر بهيج هو جنة جحيمية، ترمي بشررها على جحيم الحارات البائسة في جدة، فيمتد الحكي جسرا بين عالم سيد القصر ومن تحولوا دمى بشرية وعبيداً، من اجتاحهم القصر وسلبهم بحرهم وقوارب نجاتهم. رواية ساخرة فاجعة تصور فظاعة تدمير البيئة وتدمير النفوس بالمتعة المطلقة بالسلطة والمتعة المطلقة بالثراء، وتقدم البوح الملتاع لمن أغوتهم أنوار القصر الفاحشة فاستسلموا إلى عبودية مختارة من النوع الحديث.
وهنا نصّ من رواية “ترمي بشرر..”:

غبار الناس في الحي الرث
حي يفيق قبل اختراق أشعة الشمس لنوافذ منازله المتجاورة على تجشؤ البحر من فائض تخمته، يفيق على جلبة الصبية في استعدادهم لالتواء مع الأزقة في ممشاهم الى المدارس. وحمحمة الصيادين العائدين بأسماكهم الطازجة من رحلة صيد بدأت من ليلة الأمس، وأغاني الإذاعة المنتشية برطوبة الصباح الباكر من خلال أغاني الصباح: (صبح صباح الخير من غير ما يتكلم). و (يانسيم الصباح سلم على باهي الخد). و(نحن الزراع في أرض بلادي...).
أغان تبلل الأرواح لها رذاذ أمطار الصيف، تخترق الصدور فتتسع الرئة لاستقبال هواء الحياة المنعش، لتنهض جنبات الحارة بإيقاظ نفسها من خلال ضجيج وقلق أقفال الدكاكين التي يعالج أصحابها فتحها، وأصوات الباعة المتصيدة للطلاب الصغار في إغراء باقتناء حلويات، وألعاب رديئة الصنع، أو مأكولات تبدأ بالفم، وتنتهي بجريان البطن لمن لم تتحصن أمعاؤه سابقاً.
يمضي كل شيء صوب حتفه اليومي بهدوء وروية، وتجول الشمس في سماء حينا متريثة حتى تتوسط كبد السماء لتسلط أشعتها العمودية ناغلة ما تبقى من ألوان حائلة لجأت للجدران، أو الأبواب، أو الوجوه، أو الملابس المغسولة، والمعلقة فوق الأسطح، كل شيء يجف هنا بسرعة متناهية.
وآخر مهمة تقوم بها شمسنا المرهقة يومياً ـ بعد أن تكون قد تخلصت من لهيبها ـ الهبوط لجهة القصر بسلام تام.
الحياة مشوار قذر يبدأ ناصعاً، ومغرياً بعبوره من خلال الكلمات والتوجيهات، أما الواقع فعليك اقتراف الآثام لكي تكون إنساناً، وكملايين البشر خرجت، تنبهت لنفسي مغروساً في بيت متواضع قبع في مؤخرة الحي، هذا الحي الذي كان قرية لتجمع: الحروب، والجهنان، والروابغ حينما لم يشاءوا أن تتبلل عروقهم داخل المدينة، وحين قفزت الأحياء من فوق سور جدة، توافدت الى هذا الحي كل الأعراق وعجنت، وكأنه حي وجد أصلاً لبناء حياة عشوائية، مثله مثل العديد من الأحياء المقامة خارج ذاك السور العتيق.
جدي لأمي جاء الى هنا حاملاً بضاعته المكونة من الأقمشة الهندية، والبخور الجاوي، والمآزر الحضرمية، وابتنى بيتاً واسعاً خطط من البدء لملئه بالجراء، وهناك فاضت شهوته فجلب أربع نساء، ووضع كل واحدة في زاوية من الحوش الكبير، وداوم على منافحتهن كل ليلة، وتتضاعف لذته حين يصل الى جدتي (أم أمي) فهي من سلالة تركية، تفجر جمال وجهها، وانسكب على بقية جسدها.
يقال إنه كان يشتهيها في كل وقت، ولكي يعدل بين زوجاته كان عليه عبورهن جميعاً ليصل الى جدتي سنية.
وبعد عبوره للبوابات الثلاث يغتسل، ويتطيب، ويأتي جدتي سنية، وكأنه لم يبدد قطرة واحدة من مائه.
في الجلسة الصباحية يكون منتفخاً باعتزاز، وهو يروي لرفاقه كيف تمكن من نسائه الأربع من غير أن يلجأ لوصفات أبو رشيد العطار (.. وأبو رشيد عطار من أصول هندية يدعي معرفته بالأعشاب، وتراكيبها التي تمكن الرجل من أن يغدو تمساحاً يلوب عشر نساء من غير أن تبرد همته، وكان دائماً محل تبجيل من قبل الرجال الذين أفنوا قواهم وهم بحاجة ماسة لخدماته كي يبقى على كرامتهم منتصبة في الفراش).
التقى به جدي بعد فراق دام لسنوات، التقيا صدفة بعد أن تمكن أبو رشيد من نسيان مشروعه الذي عرضه على جدي في سوق البدو ودعاه لمشاركته وتنميته قبل أن يموت في سوق اهتم بالسلع الرديئة.
ذلك المشروع الذي حملته أمي في ذاكرتها، وسربته لأبي كي يستعيض به عن مهنته، ودفعته للمتاجرة في العطارة، ولم يكن تسريباً أميناً، حيث استفاد أبي من مشروع أبي رشيد جزئياً فتعرف على الخلطة السحرية، واستعان بها على أداء منافحاته الطويلة.
هذا النهم الجنسي انتقل من جدي (لأمي) لأبي من خلال وصفات العطارة، ونقل جدي لأوردتي مباشرة من غير الحاجة لوصفات عطارة، كنت خاضعاً لهذه الشهوة طوال حياتي، وعندما لم أجد وعاء أحفظه به، سكبته في الطرق المتعرجة.
الفحولة شارة فخر لرجالات الحي، وربما تكون هذه المنافحة التي سلكوها هي السبب الرئيس في تضخيم الحي بسرعة مبالغ فيها، فأسرعت الحياة لتلبية احتياجات القاطنين على سطح، وتجويف ذلك الحي، فنهضت عدة أسواق شعبية على امتداد شارعنا الرئيس، وتفرعت في أزقته شبكات الصرف الصحي والهاتف، والكهرباء، وسفلتت شوارعه، لتهوي إليه الأعراق، واللغات، وتختبئ في منعطفاته الضيقة. هذه العجينة البشرية كان عليها أن تتزاحم داخل بيوتها المتواضعة حتى إذ ملت من التفريخ قذفت بالفائض للشوارع الجانبية، أو بين أزقة الحي الملتوية التي تسلم بعضها لبعض.
تم إنزالنا للحياة كما لو كنا جيشاً احتياطياً مهمته الأساسية الارتماء داخل خنادق ترابية، والتحفيز لمعركة لن تحدث، فتفرغنا للعبث بأنفسنا.
يبدو أننا جئنا متأخرين بعض الشيء، فآباؤنا قطعوا الخمسينات، ولا زالت الفحولة شارتهم الوحيدة يرفعونها على هضاب النساء، ويضيفون للأقدار أقداراً ملوثة، أغلب أبناء الحي أيتام، معلقون في أمهات احترن بين الانتباه لحياتهن الباقية، وبين أطفال رق حالهم حتى اقتربوا من العطب.
حي اختنق بالناس، وضمرت سبل الرزق، فبعد أن كف الصيادون عن مزاولة الصيد، وماتت المهن الحرفية البسيطة، تفرغ الناس لمتابعة الأعمال التي تأكل أجسادهم، وتدر عليهم المال القليل.
جيلنا ورث الأمنيات، وكنا نرطب شبابنا باستراق النظر لكل شيء، نسترق النظر للأطعمة اللذيذة، والثياب الفاخرة، والسيارات الفارهة، والأموال التي تجري في متاجر التجار، والنساء العابرات للسوق الشعبي المحاصر بالبيوت والأزقة الملتوية الضيقة، كانت عيوننا تسرق كل شيء، هذه السرقة دربتنا على الحلم، والاكتفاء بما هو عالق في مخيلاتنا، تنتهي أحلامنا بسرقة أمنية الجلوس داخل مطعم، وتناول ما لذ وطاب من الأطعمة، أو حلم أن يكون لنا هذا المتجر أو ذاك، أو أن ترطب مساءنا هذه المرأة أو تلك، حياة نرتدي فيها أحلامنا حتى تتسخ ثم نقذف بها في برميل لجمع الثياب المتسخة، ونستبدلها بحلم آخر، هذه هي حياة الشظف، حياة مهيأة لارتداء الأحلام، واستبدالها على الدوام، وهي أردية غير مرئية على أي حال.
نفر من أبناء الحي تاقت أنفسهم للخروج من صحراء الأحلام الى واقعها، فتطايرت بهم الأقدار كما لو كانوا قصاصات ورق عبثت بها ريح عاصف فظلت معلقة بين السماء والأرض.
الليل نفق دافئ يسرب قاماتنا نحو لذة مسروقة، فحين يأتي علينا المساء نتقاطر مخبين بأشواقنا لنصل لذروة اللحظة فتصطلي، ونذر، أحلاماً وأمنيات تتقطر بين جمر ملتهب.
كانت تهاني الجانب المشرق، والوحيد في حياتي، وما عداها ظلمة فاقعة أسير متعثراً فيها من غير هدى، أو حذر، ليلياً تنتظرني هناك كنجمة متوهجة أطلت على طريق غاو لا ينظر للسماء.
في الليل يكون وجهها أكثر شهوة، واستفحالاً في الإغراء، يسيل شعرها على مرفقيها متغلغلاً بين جبلين أعرف استواءهما، وتلسعني الغيرة حين تعبر أزقة الحي، وهي حازمة عباءتها لتبين أن ثمارها طفحت وملت الانتظار، وأنا مللت الانتظار أيضاً، لم أعد أطيق تبادل النظرات والرسائل.
في إحدى المرات جاورت ممشاها تماماً، ووضعت بيدها رسالة: (إن لم تمكنيني من الجلوس معك فلن تريني)، ومضيت، غبت عن رؤيتها أسبوعين، فخرت صلابتها، وسمحت لي بالتسلل الى مخدعها، فحين ينام ذلك الزقاق المدفون في جوف الحارة، تكون قد اطمأنت لنوم ذويها، فتفتح الباب لأندس داخلها، وأقضي الليل أذرع سهوب قمتي جبليها من غير ملل، لم أجرؤ الاقتراب من عذريتها بتاتاً، أتشمم رائحة جسدها المفروك بالأعشاب العطرية، والمرشوش برذاذ الرغبة، وكلما دنت لحظة الجنون تفيق من استلابها مزمجرة خامشة ما تصل إليه أظافرها من جسدي، استهوتني هذه اللعبة، ففي كل مرة يسيل فيها دمي، وأتراجع عنها، تجلسني باكية لتجفيف آثار خمشها، تلحس قطرات الدم النازفة بلسانها وهي تذرف الاعتذارات:
أحبك أكثر من روحي، ولا أريد أن يموت حبك في قلبي.
...........
سأكون لك ما حييت فقط لا تفسد هذا الحب!

اقرأ أيضا