الاتحاد

الملحق الثقافي

قيس صدقي: العرب عازفون عن القراءة والكتاب مظلوم

من نظم المعلومات وتقنياتها الجافة، جاء المؤلف الإماراتي الشاب قيس محمد صدقي إلى عالم الأدب، وتحديداً إلى أدب الطفل، محملاً بآمال عريضة في تقديم شيء جديد ومفيد للأطفال، ومؤمناً بضرورة خدمة هذا الحقل المهم من حقول المعرفة، بعد أن تكررت على أسماعه ضرورة الإسهام في تقديم البديل للطفل العربي الذي لا يجد أمامه سوى الآداب المترجمة بكل ما تحمله من الغث والسمين. قرر صدقي أن يفعل بدلاً من أن يكتفي بالقول، وأن يسعى لتقديم البديل المشوق والقادر على المنافسة وجذب الطفل بدلاً من الاكتفاء بالتحسر على “فقر وهزال” ما يقدم للطفل العربي من كتب وقصص وروايات.

كان لا بد للشاب الآتي من عالم المعلومات وإدارة الأعمال أن يتعلم الكثير لكي يحقق هدفه، بدءاً بالكتابة للطفل وشروطها وما ينبغي أن يتوافر فيها من سمات تقنية وموضوعية، ومروراً بصناعة الكتاب وطباعته ونشره وتوزيعه، فكان أن أوصلته هذه الرغبة إلى عالم الكتابة على جناحي “المانغا”، والمانغا فن في طباعة قصص الأطفال يشتهر به اليابانيون كان قد وجد فيه قيس نفسه متعة وأحبه وشغف به، ورأى أنه مناسب جداً للشروع في مغامرة الكتابة للطفل.
هنا حوار مع الفائز بجائزة زايد الدولية للكتاب عن فرع أدب الطفل، في دورتها الحالية:

القراءة.. كلمة السرّ
ما الذي جاء بك من عالم المعلومات بكل واقعيتها إلى عالم الأدب بخياله المجنح؟
للوهلة الأولى قد تبدو العلاقة بين هذين الحقلين بعيدة جداً أو مقطوعة حتى، لكن ما أشعر به شخصياً وما عشته يخالف ذلك ويؤكد أن المسافة بينهما أقرب مما نتصور. ربما يعود ذلك إلى والديَّ وطبيعة التنشئة التي تلقيتها في صغري، فقد حرصا على غرس حب القراءة فيّ فنشأت على حب الكتاب وشغفت بالقراءة شغفاً كبيراً وهذا ما أحاول أن أكرره مع أطفالي. ورغم أنني أحب أوعية المعرفة الأخرى إلا أن الكتاب يظل أهم شيء بالنسبة لي، وأجد فيه متعة لا أجدها في غيره.
القراءة هي السبب وهي الدافع وراء مشروعي ودخولي عالم الكتابة للطفل. وربما تندهشين إذا قلت لك أنني لست مهتماً بالكتابة قدر اهتمامي بالقراءة التي أرى أنها ثيمة غائبة عن حياة غالبيتنا كباراً وصغاراً وناشئة، لكنها غيابها أكثر فداحة في حياة الناشئة على وجه التحديد. وكم شعرت بالأسى على حال الأطفال والناشئين العرب خلال أسفاري حيث كنت أرى الطفل أو الشاب الأوروبي يقرأ في الكتاب في كل مكان. يحمله معه أينما ذهب وحين تسنح له فرصة القراءة يفتحه ويقرأ بمتعة واضحة. حتى الأطفال كثيراً ما رأيتهم يصطفون في طوابير للحصول على نسخهم من كتاب ما في حين يبتعد الأطفال والناشئة عندنا عن الكتاب ويهتمون بوسائل التسلية والترفيه الأخرى. وحتى على صعيد الكتاب نفسه صناعة وترتيباً وإخراجاً ثمة فارق هائل بين الكتاب العربي الذي يتكدس في المكتبات بلا أدنى تشويق، ويظلم في الطباعة والإخراج والفنيات الأخرى، وبين الكتاب الأجنبي الذي يكاد لجمالياته الفنية وحسن طباعته وترتيبه الذي يجبرك على شرائه ويكاد يقول للإنسان: أرجوك اقتنيني واجلس وأقرأني بمتعة.

العزوف وأسبابه
لماذا هذا العزوف عن القراءة برأيك؟
ثمة أسباب كثيرة وراء ذلك أهمها في تقديري أن الطفرة النوعية التي شهدتها المنطقة وما صاحبها من توفر سبل العيش الرغيد والرفاهية الكبيرة، ذلك أن آباءنا وأجدادنا الذين عانوا شظف العيش والحياة القاسية سابقاً أرادوا أن يجنبوا أبناءهم وأحفادهم هذه المعاناة، فاندفعوا في توفير كل شيء لهم بلا حساب. وإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده كما يقول المثل، وسرعان ما أدت الرفاهية المبالغ فيها إلى توفر وسائل التسلية من كل شكل ولون، وذهب الشباب إليها ولم يعودوا. والخطير في الأمر أن الشباب ربما لا يرغبون في بذل أي جهد، هم يبحثون على المعرفة السهلة، والحياة السهلة، واللعبة السهلة، وكل ألعابهم الإلكترونية يمارسونها وهم جالسون من دون بذل أي مجهود. حتى الأفلام، على سبيل المثال، لا يتعبون أنفسهم في تحليلها أو الخروج بالمغزى الذي ترمي إليه والرسائل التي تحملها، هم يشاهدونها للتسلية والاستمتاع فقط. من هنا ربما يكون العزوف عن الكتاب لأنه يحتاج إلى جهد عقلي وتحليل وفهم لكي يحصل المرء على متعته. إن متعة الكتاب ليست سريعة ولا آنية وأشعر أن هذا الجيل ليس فيه صبر على ذلك. رغم ذلك، أنا لا أطالب بالقراءة فقط، ولست ضد وسائل الترفيه الأخرى بل أشاهد التلفزيون والسينما والدراما وحتى برامج الكرتون الموجهة إلى الأطفال وألعب الألعاب الإلكترونية وألعاب الفيديو، لكن ما أطالب به أن لا يذهب كل الوقت لهذه الوسائل ويهمل الكتاب أو يصبح نسياً منسياً. أتمنى أن يكون هناك توازن وأن يعطي الشاب الكتاب فرصة لأن القارئ غالباً ما يظلم الكتاب، ويصدر عليه وعلى القراءة حكماً جائراً، فإذا قرأ منه صفحات معدودة ولم تعجبه رماه جانباً ورفض القراءة واعتبر الكتب “ثقيلة دم” في حين لو شاهد فيلماً ولم يعجبه لا يعمم الحكم ولا يستنكف عن حضور أفلام أخرى.
لماذا سوار الذهب، وهل ثمة دلالات خلف الاسم؟
جاء الاسم بشكل عفوي. حين بدأت في العمل على الكتاب لم يكن لديّ اسم، لكن أثناء العمل مع الرسامات اليابانيات لم يكن مناسباً أن يستمر الحديث عن الكتاب، فاخترت مؤقتاً اسم (Gold Ring) ومع التكرار أحببته وشعرت بألفة معه. وبعد الانتهاء من العمل أردت ترجمته فلم أستسغ خاتم الذهب ورأيت أن سوار الذهب أجمل وأكثر جاذبية.

مغامرة الكتابة.. مغامرة النشر
يمكن للمرء أن يفهم مغامرة الدخول في الكتابة لكن ماذا عن مغامرة النشر، حيث أنك أسست داراً للنشر لطباعة كتابك؟
دار النشر خطوة مكملة لخطوة الكتابة. وإصدارات دار “بيج فليب” المستقبلية تصب في الهدف نفسه، خدمة الطفل العربي. في البداية لم تكن لدي فكرة لتأسيسها لكن طباعة الكتاب العربي أوحت لي بها. فقد خشيت أن تتعامل دار النشر مع الكتاب بشكل لا يناسب الفكرة ولا تنتبه للخصوصية التي يحملها والرسومات وطريقة ترتيبها والمعايير التي ينبغي أن تتوافر لمثل هذه النوعية من الكتب فقررت أن أنشره أنا لأنني أردته أن يكون فن مانغا وليس شبيهاً بفن المانغا. وهكذا تجدين أن الكتاب تقنياً مصمم ومطبوع وفق المقاييس اليابانية بشكل حرفي لكن المحتوى عربي صرف. في الحقيقة أنا لا أجهل المغامرة التي تورطت فيها لكنها ورطة جميلة لأنها ستحثني على الكتابة وإكمال السلسلة من جهة، وستسهم في صناعة كتاب الطفل العربي من جهة ثانية والأمران يستحقان كل عناء وآمل أن أنجح على صعيد النشر أيضاً، وأن أقدم خبرتي في المستقبل للكتاب الآخرين لأنني في النهاية قارئاً تهمني القراءة أكثر من الكتابة، وسيأتي يوم أتفرغ فيه للنشر بعد أن أتمكن من كل أدواته.
من ناحية أخرى، نحن في الإمارات لدينا دار “كلمات” التي تعنى بكتاب الطفل وهذا أمر مهم، لكن لا ينبغي ترك الطفل بعد أن عودناه على القراءة، ولا بد من الاستمرار معه وهذا ما أطمح إليه، فهذه المرحلة الوسطى تحتاج إلى هذا النوع من القصص التي تأخذه إلى مراحل متقدمة. لدي شعور بأن الكثير من شبابنا ليس لديهم طموح أو أهداف محددة، وربما يندهش الواحد منهم إن سألناه: ما هو طموحك أو ما هو هدفك في الحياة ولا يعرف بماذا يجيب. أشعر أن الشباب ضائع، وبعيد عن الأهداف العليا، وفي وجود الفراغ فإن هذا أمر خطير. طموحي أن أغرس لدى الشاب مبادئ معينة، أن أضيء له دربه وفي كل قصة أكتبها ثمة قصة موازية تحمل مغزى ومعنى أتمنى أن تصل إلى القارئ. وفي سوار الذهب معنى مبطن أو غير مباشر هو التحدي وعدم الاستسلام للصعوبات، حيث يواجه البطل سلطان باستمرار صعوبات معينة ويتوفر له خياران أحدهما سهل والآخر صعب، فيختار الصعب ليتحداه ويحقق النصر رغم أن بإمكانه سلوك الطريق السهل ولن يلومه أحد على ذلك. وهنا أريد أن أدين وبشدة كل من يكتب للطفل أو الناشئ أدباً مباشراً، تلقينياً ويحول نصه إلى محاضرة مملة، يمجها الطفل، ويستمع إليها مكرهاً من دون أن يعي حرفاً منها. ولا بد أن ندرك أن الطفل ذكي، قادر على التحليل والاستنتاج وأن يستخف بأسلوب التلقين، ربما لا يعبر عن مشاعره من قبيل الأدب الذي نربيه عليه، لكنه في داخله يرفض التلقين ولا يستفيد منه. عليَّ ككاتب أن أعرض له الموقف وأتركه يستنتج المغزى أو الدروس لكي تتحقق الفائدة المتوخاة من القصة.

حلاوة بعد تعب
واجهت صعوبات بالتأكيد، ما هي أهمها؟
أتمنى أن يتطابق حالي مع حال البطل سلطان في هذا الأمر، فقد واجهت تحديات وصعوبات حاولت التغلب عليها ونجحت. كل شيء شكل لي تحد في البداية، الكتابة باللغة العربية، والإلمام بكيفية الكتابة للطفل، والطباعة والتعرف إلى اليابان وفن المانغا والنشر. كانت معلوماتي نظرية حول كل هذه الأمور لكن التجربة العملية شيء آخر. ناهيك عن القلق والخوف من الفشل ولحظات الشك والتردد التي تعقبها لحظات ثقة ويقين. دخلت التجربة بسلاح وحيد هو سلاح الإرادة والرغبة في النجاح ولم يكن لدي سوى عزيمتي التي مكنتني من التغلب على التحديات الواحد تلو الآخر. سفحت خمس سنوات كاملة لكي أنجز هذا الكتاب ولم يكن الدرب سهلاً بالمرة، خاصة وأنني لا أتلقى تمويلاً من أحد، وقمت بالمشروع على عاتقي وتركت عملي وتفرغت له.

كيف شعرت عندما صدر الكتاب؟
أووووه... كل هذا تلاشى: التعب والقلق والحيرة تبخرت. كان الفرح غير عادي يشبه أن يرزق المرء بمولوده الأول. الكتاب الأول تماماً كالمولود الأول ينمو أمام ناظريك يوماً بعد يوم وحين يأتي ينسيك كل تعبك وشوقك ولهفتك. إنه فرح يشبه أن يحضر طفلك شهادة نجاحه فتأخذه بين أحضانك وتقبله، هكذا حدث لي مع الكتاب. أما حصولي على الجائزة ففرح آخر لا يمكن وصفه، أو تجسيده في الكلمات. هنا وقفة لا بد منها وكلمة حق عليَّ أن أقولها في حق الجائزة التي لا أعرف كيف أصور مدى نزاهة ودقة وموضوعية لجنتها التحكيمية التي استخلصت القيم والمعاني التي يقوم عليها مشروعي وكتابي من دون أن أتحدث عنها لأحد. وهذا ما يشعرني بالفخر لحصولي على الجائزة بعد كونها تحمل اسم الوالد الغالي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “رحمه الله وطيب ثراه”، هذا الرجل الذي لا يمكن لأي إماراتي أن يوفيه حقه مهما تحدث عن فضله ومآثره. الرجل الذي جعل للإماراتي احترامه في كافة أنحاء العالم.

المانغا لا المانجا
ما هو فن المانغا؟
فن المانغا فن يختص به اليابانيون ويستخدمونه في طباعة القصص المصورة، يتميز بسمات فنية لجهة الرسم نفسه (العيون الكبار والشعر المبعثر)، ولجهة الطباعة نفسها من حيث الحجم وعدم الالتزام بترقيم كل الصفحات وعدم التزام الصور بالإطار، إذ يمكن أن تخرج عنه. كذلك تجبرك المانغا على التفكير لأن الصور لا تسير وفق تسلسل ميكانيكي بل ديناميكي بحيث تبحث أين تقرأ بعد أن تنتهي من الجملة. وهو فن ينفذ في غالبيته بالأبيض والأسود، ولا تستخدم فيه الألوان إلا في أضيق الأطر. وبالمناسبة لدي ورشة في معرض الكتاب للحديث عن هذا الفن والتعريف به لأن البعض يظنني أتحدث عن المانجا الفاكهة الزراعية المعروفة.

ما دمت عملت مع اليابانيين كيف وجدتهم، وكيف يمكن للعرب الاستفادة من هذه التجربة المهمة لتحقيق نهضتهم التنموية الشاملة؟
هذا سؤال موجع وينكأ جراحاً كثيرة في القلب لأن من يعرف التجربة اليابانية يعرف حق المعرفة أن أمامنا كعرب الكثير مما ينبغي تعلمه وإتقانه على كل المستويات لتحقيق ما حققته اليابان، من دون أن أغفل إيجابيات كثيرة بدأت بوادرها تظهر في الأفق العربي وتضيء هنا وهناك. لقد ذهبت إلى اليابان تسع مرات الأولى كانت من أجل الماجستير والباقيات من أجل سوار الذهب فذهلت مما رأيت. اليابانيون أذهلوني وفاقوا كل توقعاتي رغم أنها كانت توقعات كبيرة لأنني كنت على اطلاع على ثقافتهم وحضارتهم. وأتحدى أن يذهب أي شخص إلى هناك ولا يشعر بالذهول مهما كانت توقعاته عالية. إنهم شعب مذهل.. شعب يحترم ذاته ويحترم كل منهم الآخر. لا أحد يتعالى على أحد أو يستصغره مهما كان عمله أو موقعه. لديهم تفان وإخلاص وروح قتالية عجيبة في العمل. وهم إلى كل ذلك مهذبون وهادئون، وأظن، حسب تجربتي، أن غالبيتهم يقرأون بعمق، فقد فوجئت بعد صدور كتابي وانتهائي من المؤتمر الصحافي بأن كل الشباب الذين استعنا بهم لإدارة منفذ البيع جلسوا بعد أن فرغنا يقرأون الكتاب رغم أنه باللغة العربية.
طرافة وتشويق وقيم نبيلة

يقدم الكاتب في كتابه “سوار الذهب” موضوعاً مهماً مرتبطاً بالبيئة العربية بصفة خاصة هو تربية الصقور وتدريبها، موظفاً تقنية الشريط المصور التي تعتمد على الحوار والتعليقات المختصرة مع ربط أجزاء القصة ببعضها في نسق سردي متصل. كما ينطوي الكتاب على قيم وأخلاق عربية نبيلة مثل إكرام الضيف واحترام الكبار والرفق باليتيم والتكافل الاجتماعي والمحافظة على التراث. ويتميز كذلك بطرافته وسهولة أسلوبه والجمع بين الإفادة والتشويق.
راشد العريمي معلقاً على فوز الكتاب بجائزة أدب الطفل

سمعة عالمية

من الجدير بالذكر أن رسومات كتاب “سوار الذهب” نفذت من قبل الثنائي “اكيراهيميكاوا” أصحاب السمعة العالمية المرتبطة برسم القصص اليابانية المصورة وقصص المغامرات لشركة “ناتيندو” للألعاب الإلكترونية وقصص “استرو بوي” المعروفة محليا بـ “كوكي” بالإضافة لقصص أخرى شهيرة مثل “أسطورة زيلدا”.

تحذير

يحذر قيس صدقي من الفكرة السائدة عند الكبار عن الرسومات الكرتونية، فهم يعتقدون أن كل رسم كرتوني موجه للطفل ويصلح له في حين أن الحقيقة غير ذلك، ليس الكرتون للصغار فقط بل ينبغي أن يقرأه الكبار. ولا بد من كسر هذا الحاجز الذي ينتصب بين الكبار وبين الكرتون بسبب السخرية أو الاستهزاء الذي يوجه لمن يقرأه أو يشاهده. كما أن هناك الكثير من المخاطر العقائدية والثقافية والتربوية التي تنطوي عليها أفلام الكرتون والكتب الكرتونية مما يستدعي تثقيف أولياء الأمور والمربين حولها.

اقرأ أيضا