الاتحاد

الملحق الثقافي

مثل امرأة خرساء...

مُمدّدٌ.. على نصلِ سيفِ كثيّبٍ،
أراقب الجهات بالحواس،
وأبصر الفضاء بالتباس،
خفيفٌ.. كريشة طيرٍ
سقطت من جناحه الأيمن،
كحبة رملٍ بحجم ذرّةٍ
حملتها رياح الحدود من جهة مربكةٍ،
فمن سيسأل عن ريشة بعيدةٍ،
أو حبةِ رملٍ مبعدةٍ
في مدى مثقلٍ بالاحتباس..؟
أجهل من حطّني هنا،
كأنني جئت صدفةً
أو أنبتتني تلةُ رملٍ حائرة،
فتشكّلت فكرةً تبدو طازجةً
لم تعكّر وردَها علامةُ استفهامٍ
أو تعجبٍ أو فجيعةٍ، أو وسواس،
ورغم خفّتي، يحتلّني الطنين
يحيطني بدوامة ملحّةٍ
يجرح الريحَ المسلوبةَ حولي
فتقطر ضجرا،
لم يصدر الطنين من فوج نحلٍ
أو من صدر أرملةٍ
فضّها فوجٌ داعرٌ من الحرّاس،
وإنما من كل حبة رملٍ، أمدد ظهري عليها
وكلِّ حبةٍ تسندها، وكل حبة تؤازرها
كل الجهات تمارس فعلَ الطنينِ الحزينْ
وشوّهت كل حواس كياني
بالتيه، بالضّجر، باليباس
ورغم ذاك بقيت على نصل سيف كثيّب
غير قادر على التقلّبِ،
أو التثاؤب، أو رفعِ ذراعيّ
أو تحريكِ ساقيّ،
حتى ظننتني ميتاً، وكل ما أحس به
من حواس أو التباس
محتوى الروح حين يغمرها النعاس،
فقلت أختبر الموت بالصراخ،
صرخت ملء اصفراري، فلم أسمعني
قلت أحرك عينيّ،
قد تسقط عن رمشي
حبة رمل ناعمة فتحرك أختها
وينهار الكثيّب..
حركتها فلم أر شيئا،
فالصحراء امرأة خرساء
ترقص في الهواء وحيدة
لا أحد يسمعها
ولا يناديها نداء،
منذ أكثر من ألف عام
يمددها الصمت في العراء
يلهو بها الفراغ، يرسمها،
مرة على رايةٍ وهميةٍ،
يكتب الخيال فوقها كلماتٍ مبهمةً،
ومرة على جناح حلمٍ بلا رأسٍ
ومرة على صوت صهيلٍ بعيدٍ
لخيولٍ أسقطت فرسانها وذابوا
والخيول وهمٌ بدون امتطاء.
منذ أكثر من ألف عامٍ
وهذا الجسد الأصفرُ
يزيد أطرافه اصفراراً،
يزرع في أحشائه شجراً أسود،
يحبل بالكائنات التي تكون ولا تكون،
جسدٌ وحيدٌ، يحار في نوعه،
مرة يرتب نهديه كأنثى،
ومرة يعاشر كثبانه،
ويبقى حاملا بالكلام القديم،
لا سقطة أجهضته،
ولا قابلة ولّدته
فيضحك ملء هزيمته ضحكة داكنة،
ويبكي دون دمع، أو نهنهة
أو شهقة أو نشيج، أو انتكاس،
جسدٌ، أستشعر احتقانه بدمٍ
شربته الرمال،
أو بخّرته شهوة العروش بحمّى الضلال،
جسدٌ آخذ بالتحلّل، صار ظلالا
لأطلال سطورٍ، مرّت من هنا مضيئةً،
وماتت ههنا يتيمةً، كأنْ لم تلدها السماء،
وتسأل الأطلال صحراءها ملء عزلتها:
يا أيها الضوء الذي مرّ قبل الوضوء،
يا أيها الكلام الذي تتالى قبل الحسام،
ايتها القوافل التي هاجرت ولم تعد،
ايتها الرؤوس التي تحولت إلى ذرات رمال،
وسافرت نحو الأبد،
وأسند ظهري عليها، وأصرخ فيها، مدد..
أيتها الرؤوس الصغيرة مثل الخلايا،
تنفسي في رئتيّ قليلا
كي أترجل قبل الفناء كثيرا
وأكشف سرَّ الحَكايا،
أيتها المسامات المحيطة بي،
حُذفَت كل الجهات من بوصلتي
فأعيدي جهة واحدة للمسير المتيّم
كي أرتب الأحاديث وفق أصلها،
أرتبَ العروش وَفق أبوابها،
كي أعيد الحوار بين السيوف والرقاب،
كي أدخل الكتاب من أي باب،
فلا يوقفني نصل أي كثيّب،
ولا يشغلني الارتياب،
ولا من يتوسط بيني وبين الغياب،
فليس بيني وبين السماء حجاب،
واضحٌ مثل مفتتح الأبجدية،
مثل مضاعفة الليل للامِهٍ،
مثل استدارة الهواء،
مثل تمددي كالسراط،
واضح للسماء، كمن في السماء..
أعيدي جهة واحدة لصدري،
كي أعيد النداء.

اقرأ أيضا