غالية خوجة (دبي)

بماذا تتسم الحركة الثقافية في دولة الكويت؟ وما أهم معالمها ودلالاتها الفنية؟ وما تأثيرها المتبادل محلياً وعربياً ودولياً؟
مرت دولة الكويت على مر الأزمنة، بمتغيرات مختلفة، لامست جوانب الحياة المختلفة الاقتصادية والسياسية والثقافية والتجارية والاجتماعية، وضمن الدينامية الحديثة، نلاحظ المؤشر البياني يتحرك بين، ما قبل النفط، وما بعده، والتطورات السريعة وصولاً إلى المرحلة المعاصرة، لينعكس على صانعي المشهد الثقافي، فيجعلهم ثلاثة أجيال: جيل الرواد الذين أسسوا رغم الصعوبات، وعاشوا في مرحلة ما قبل النفط، والجيل الثاني الذي عاش بين فترتي ما قبل وما بعد النفط، والجيل الثالث هو الجيل الشاب.
منذ القرن الماضي، بدأت دولة الكويت تألقها ثقافياً وفنياً ومعرفياً، محلياً وعربياً وعالمياً، لتصبح منصة إطلاق للحظة المثقفة بأشكالها المختلفة، وماركة ثقافية مسجلة يصعب تقليدها في الإشعاع والاستمرارية، لا سيما وأن لها دورها الريادي في الخليج العربي خصوصاً، والعالم العربي عموماً، ولذلك كانت عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2016، وعاصمة للشباب العربي عام 2017، وستكون عاصمة للثقافة العربية عام 2022.

علامات
لا تحصى المعالم والعلامات الثقافية في الكويت، ومنها: مجلة العربي التي صدر عددها الأول عام 1958، وأردفتها بـ (العربي الصغير)، مجلة البيان، معرض الكويت الدولي للكتاب الذي وصل إلى دورته الثالثة والأربعين عام 2018، محتفياً بالقدس عاصمة أبدية لفلسطين، معبراً عن ازدهاره من خلال معيارين: أولهما برنامجه الثري بالأنشطة والفعاليات، وما يتخلله من معارض بصرية وفنية وشعبية وفلكلور، منها معرض التصوير الفوتوغرافي، معرض الكاريكاتير، معرض الأختام، وغيرها، والثاني؛ هو الخط الإحصائي البياني المتزايد، حيث شاركت في دورته الأخيرة 505 دور نشر، و26 دولة عربية وأجنبية، ناهيك عن عشرات الدور والمؤسسات المحلية.
وهذا المعرض أسسه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي يعتبر بدوره أبرز علامات الثقافة العربية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة في القرن الماضي. تأسس المجلس مطلع السبعينيات بمشروع نوعي تثقف على مخرجاته المثقفون العرب، ومنها: سلسلة عالم المعرفة، سلسلة عالم الفكر، سلسلة إبداعات عالمية، سلسلة من المسرح العالمي، جريدة الفنون، الثقافة العالمية، فضلاً عن إصداراته من الكتب المؤلفة والمترجمة في شتى مجالات الفكر والفلسفة والمعرفة، إضافة إلى إقامته مهرجانات شكلت هي الأخرى علامات في الحراك الثقافي الكويتي: مهرجان القرين الثقافي، مهرجان الكويت المسرحي، مهرجان الموسيقى الدولي، مهرجان أجيال المستقبل، المهرجان الثقافي للأطفال والناشئة، المهرجان العربي لمسرح الطفل، مهرجان الكويت السينمائي وغيرها.
وإلى جانب جوائز المجلس الأعلى للفنون والآداب التقديرية والتشجيعية، تتنوع الجوائز الأدبية والفنية والعلمية في الكويت، ومنها: جائزة سعاد الصباح، جائزة الملتقى للقصة القصيرة، جائزة منى الشافعي.
كما أن الخطة الثقافية الكويتية تضم العديد من برامج الإقامة الأدبية والفنية، وبرامج التبادل الثقافي، وتبادل الأسابيع الثقافية العربية والعالمية.
وتتناغم علامات المشهد الثقافي تكاملياً، لتموج المجالات النشطة بشكل يومي، ومن تلك العلامات رابطة الأدباء الكويتيين، الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، بينالي سعاد الصباح للفنانين العرب، المراكز الثقافية وأحدثها مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، وهو صرح ثقافي وفني مجهز بأحدث التقنيات، يمتد كلوحة فنية معمارية على شارع الخليج العربي ومساحته 214 ألف متر مربع، موزع إلى 4 مبانٍ، أولها مبنى المسارح ومساحته 10 آلاف متر مربع، ويضم مسرح الأوبرا الذي يتسع لألفي مشاهد، والمسرح الوطني، والمسرح الدرامي ومسرح البروفات، وثاني هذه المباني (مركز الموسيقى) ومساحته 7 آلاف متر مربع، مؤلف من قاعة كبيرة للحفلات الموسيقية تضم 1200 مقعد، ومسرح أصغر يتسع لـ 600 شخص، ومكتبة للمؤلفات الموسيقية، وثالث هذه المباني عبارة عن مركز للمؤتمرات، يضم قاعة سينما، وقاعة متعددة الأغراض، وقاعة للمحاضرات، بينما يتضمن المبنى الرابع مكتبة، ومستندات تاريخية، وقاعات مكتبة، وقاعة اجتماعات، ومسرحاً متعدد الأغراض.
وإذا ما رفعنا الستارة عن منصة أخرى للمشهد الثقافي الكويتي، سنجد ذاكرة المسرح الكويتي تعيدنا إلى بداياته عام 1938، عبوراً بفرقة المسرح العربي التي تأسست كأول فرقة مسرحية عام 1961،
أمّا على مستوى الإعلام المرئي والمسموع؛ فإن الكويت تعتبر سباقة خليجياً في إنشاء محطة تلفازية بثت لأول مرة عام 1961، كما أنها أنشأت أول محطة للإرسال التلفازي الخارجي من دبي عام 1969 (تلفزيون الكويت من دبي).

صناع المشهد الثقافي
والملفت أن الساحة الكويتية مزدحمة بالأنشطة اليومية، الثقافية والفنية المختلفة، ولا بد هنا من استذكار الشاعر فهد العسكر الذي ظلمه زمانه لمجرد مطالبته بالانفتاح على الآخر، لكن في الوقت المعاصر يعاد اكتشافه، ولقد خصصت مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين جائزة شعرية باسمه عام 2001، كما تحولت حياته إلى مسلسل توثيقي عام 1979 بعنوان (الرحلة والرحيل)، ويعتبر من رواد المشهد الثقافي الكويتي الذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: عثمان بن سند، خالد العدساني، عبد الله الفرج، زين العابدين بن باقر، سيد مساعد الرفاعي، أحمد خالد المشاري، عبد العزيز الرشيد، صقر الشبيب، خالد الفرج، داوود الجراح، فهد بورسلي، أحمد العدواني، ثم ظهر الجيل الثاني ومنهم: عبد الله الأنصاري، د.سليمان الشطي، د.خليفة الوقيان، سعاد الصباح، ليلى محمد صالح، إسماعيل فهد إسماعيل (فاز بجائزة العويس عام 2015)، ليلى العثمان، طالب الرفاعي، نجمة إدريس، فاطمة العلي، بثينة العيسى، عبد الوهاب الرفاعي، عبد العزيز السريع، سعدية مفرح، د.نرمين الحوطي، د.محمد العجمي، قاسم خضير قاسم، أحمد السقاف، محمد هشام المغربي، إبراهيم الخالدي، عبد الله عبد الرسول، سعود السنعوسي، عبد الله البصيص (فاز بجائزة أفضل كاتب عربي في معرض الشارقة للكتاب عن روايته «طعم الذئب»)، لطيفة البطي (فازت بجائزة الشيخ زايد للكتاب، فئة أدب الطفل، عن روايتها «بلا قبعة»)، أمل الرندي (فازت بجائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم)، طلال الرميضي، حياة الياقوت وآخرين تقصر المساحة عن إيرادهم كلهم.

سرديّة الفن والأدب
أما فنياً، فإن الجمعية التشكيلية الكويتية للفنون، هي أول جمعية فنية خليجياً، تأسست عام 1967، وأقامت أول بينالي عام 1969، وتابعت نهضتها الفنية بشكل متناغم مع النهضة الثقافية الشاملة، ومن الرواد التشكيليين: أيوب حسين، خليفة القطان، عبد الله تقي، جواد بو شهري، عيسى صقر، عبد الحميد إسماعيل، سامي محمد، خزعل القفاص، عبد الرسول سلمان.
واتسم المشهد الثقافي الكويتي شعراً ورواية وقصة ومسرحاً وتشكيلاً، بثيمات موضوعية وفنية، وأهم الثيمات الموضوعية هي القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوحدة العربية، إضافة إلى القضايا المحلية الوطنية والاجتماعية والإنسانية من أبعاد ديناميكية بين الحب والحياة والموت والذات والآخر، وهذا ما تعكسه الأعمال الأدبية والتشكيلية بشكل عام.
أمّا أهم الثيمات الفنية، فتتجسد في الاشتغال على تجويد النص، سواء على صعيد القصيدة او القصة او الرواية او النص الادبي، وليس من قبيل المبالغة القول إن المشهد الثقافـي في الكويت زاخر بالأسماء المبدعة التي شكلت بصمة جمالية، خليجياً وعربيـاً في: الشعر والسرد والقصة والمسرح والرواية والفيلم السينمائي والتصوير الفوتوغرافي مما يصعب حصرهم في هذه المساحة.. أما عن الحضور الكويتي الثقافي خليجياً وعربياً وعالمياً فحدث ولا حرج...
لقد قدمت الكويت للثقافة العربية الكثير الكثير، ويصعب سرد إنجازاتها في كل الحقول.. وما هذه سوى إطلالة عجلى، على الثقافة في هذا البلد الشقيق الذي يحمل في أعماقه إرثاً ثقافياً، عميقاً، متجذراً، ونوعياً على نحو لا يمكن للعين أن تخطئ فرادته ولا تميزه ولا ريادته.
وإذ تحتفل الكويت في 25 فبراير بعيدها الوطني، يشاركها أشقاؤها الإماراتيون هذا الاحتفال، مستعيدين حضورها البهي في الذاكرة، ماضياً وحاضراً.. حيث تقيم دولة الإمارات العديد من الفعاليات الثقافية والفنية والاجتماعية والعائلية احتفالاً بهذه المناسبة الغالية.