الاتحاد

عربي ودولي

انهيار «كاريليون» يفجر فقاعة عقود الإنشاءات في قطر

يوسف العربي (دبي)

بدأت شركات المقاولات العالمية بمراجعة عملياتها في قطر بعد تأكيد تورطها في انهيار عملاق الإنشاءات البريطاني مجموعة «كاريليون» منتصف يناير الماضي نتيجة مماطلتها في سداد 200 مليون جنيه إسترليني «247 مليون دولار» مستحقة للشركة المتعثرة.
وأكد خبراء ومتخصصون أن شركات المقاولات العاملة في السوق القطرية ستقوم بمراجعة شاملة لعقودها في الدوحة لتفادي مصير«كاريليون»، كما ستتخذ المزيد من الإجراءات الاحترازية لضمان سداد المطالبات وهي الإجراءات التي تبدأ بالضغط لإعادة التسعير مع زيادة المخاطر وصولاً إلى تعليق العمل بمواقع الإنشاءات بشكل كامل لحين سداد جميع المستحقات عن العمليات الإنشائية التي تم تنفيذها بالفعل وأخيراً اللجوء إلى التحكيم الدولي للحصول على المستحقات.
وأكد الخبراء أن استكمال المشروعات الموعودة في السوق القطرية بات شبه مستحيل قبل الموعد المقرر لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم في 2022 لاسيما في ظل غياب ثقة شركات الإنشاءات العالمية المنفذة لهذه المشروعات في مدى جدية الحكومة القطرية والتزامها بسداد مستحقات المقاولين.
وقالوا إن شركات الإنشاءات العالمية التي تضررت من الممارسات القطرية المتمثلة في إلغاء المشروعات والتخلف عن سداد المطالبات المستحقة قد تلجأ إلى المحاكم الدولية للحصول على تعويضات، وذلك حسب الصياغة القانونية الاعتيادية لعقود الإنشاءات الكبرى التي تحدد ماهية المحاكم الدولية التي يتم اللجوء إليها في حال نشوب نزاع بين الطرفين، وقالت شركة «ميد» للأبحاث أن المحامين المختصين في قطاع الإنشاءات يتوقعون وابلاً من النزاعات القضائية في قطر بعد أن ارتفعت تكلفة الحصول على المواد الأولية.
تداعيات قانونية
وقال الخبير العقاري ظافر طاهر، الرئيس التنفيذي لشركة «جي آند كو» للتطوير العقاري لـ«الاتحاد»، إن المصير الذي آلت إليه شركة «كاريليون» البريطانية التي انهارت جراء امتناع الحكومة القطرية عن سداد 200 مليون جنيه إسترليني مستحقة للشركة المتعثرة بات يفزع بقية شركات الإنشاءات العالمية التي تخشى أن تصل مسيرتها في الدوحة عند النقطة نفسها، وأضاف: إن شركات الإنشاءات العالمية فقدت رغبتها في مواصلة العمل بالسوق القطرية بعد خروج الدوحة من المنظومة الاقتصادية الخليجية، حيث أصبحت النظرة العالمية تؤكد أنها سوق مضطربة ومعزولة وتنطوي على مخاطر جمة ومن ثم بدأت هذه الشركات في تقليص عملياتها في الدوحة إلى أدنى قدر ممكن.
وأشار إلى أن وصول الأمر إلى مرحلة امتناع الحكومة القطرية عن سداد مستحقات المقاولين والتسبب في انهيار واحدة من كبرى شركات المقاولات في العالم من شأنه أن يؤدي إلى توقف هذه الشركات عن العمل بشكل كامل في السوق القطرية المضطربة.
وأكد أن شركات الإنشاءات متعددة الجنسيات التي تضررت من الممارسات القطرية المتمثلة في إلغاء المشروعات، والتخلف عن سداد المطالبات المستحقة، قد تلجأ إلى المحاكم الدولية للحصول على تعويضات، وذلك حسب الصياغة القانونية الاعتيادية لعقود الإنشاءات الكبرى والتي تحدد ماهية المحاكم الدولية التي يتم اللجوء إليها في حال نشوب نزاع بين الطرفين. ولفت إلى أن أي شركة متخصصة في مجال الإنشاءات في العالم من المفترض أن تستند في قراراتها الاستثمارية إلى مجموعة من العوامل الرئيسية التي يأتي في مقدمتها توافر عنصر الأمن، وفعالية المنظومة اللوجستية براً وبحراً وجواً، فضلاً عن سهولة تحويل رأس المال، ومن ثم تحويل الأرباح عبر القنوات المالية الرسمية، وجميعها عناصر غائبة بشكل كامل عن السوق القطرية.

غياب الثقة
من جانبه، أكد إسماعيل الحمادي، الرئيس التنفيذي للرواد للعقارات، أن تسبب قطر في انهيار مجموعة «كاريليون» بعد رفضها سداد 200 مليون جنيه إسترليني «247 مليون دولار» مستحقة للشركة البريطانية المتعثرة، سيؤدي إلى غياب ثقة الشركات العالمية في الحكومة القطرية، وقال إن شركات المقاولات العالمية تقوم حالياً بمراجعة شاملة لعملياتها في الدوحة لتفادي مصير«كاريليون»، متوقعاً أن تتخذ هذه الشركات المزيد من الإجراءات الاحترازية لضمان سداد المطالبات وهي الإجراءات التي تبدأ بإعادة التسعير مع زيادة المخاطر، وصولاً إلى تعليق العمل بمواقع الإنشاءات بشكل كامل لحين سداد جميع المستحقات عن العمليات الإنشائية التي تم تنفيذها بالفعل.
وأكد الحمادي، أنه مع الوضع المتردي لقطاع المقاولات في قطر سيكون استكمال المشروعات الموعودة في السوق القطرية مستحيلا قبل الموعد المقرر لاستضافة كاس العالم، ولفت إلى أن قطاع المقاولات في قطر تلقى صدمة مباغته بانهيار «كاريليون» بالتصرف القطري ما سيؤدي إلى تباطؤ حاد في تنفيذ المشاريع وهو الأمر الذي ينذر بالتوقف التام عن تنفيذ المشروعات نتيجة تخلف الحكومة القطرية عن سداد مستحقات المقاولين وضعف التمويل وتعثر نشاط أكبر البنوك التي تمتلكها الدول المجاورة لقطر.
ولفت إلى أن أزمة «كاريليون» تهدد قطر بخسارة احتضان «مونديال 2022» الذي اعتبر لسنوات مضت المحرك الرئيسي والفعال لقطاع الإنشاءات، والذي ترتبط به غالبية المشروعات قيد التنفيذ بالدوحة بنسبة 80%، وهو ما سيعد ضربة قوية أخرى في حال سحب الحدث منها وتحويله لدولة أخرى، حيث إن أغلب المشاريع المتعلقة ببطولة كأس العالم لكرة القدم هي من المشاريع ذات الحجم الثقيل مالياً.

مصير متوقع
وقال حسن الشاذلي، المدير التنفيذي لشركة «سوديك»، إن شركات المقاولات العاملة في السوق القطرية ستتخذ المزيد من الإجراءات الاحترازية لضمان سداد المطالبات، مؤكداً أن استكمال المشروعات الموعودة في السوق القطرية بات شبه مستحيل قبل الموعد المقرر لاستضافة كاس العالم لاسيما في ظل غياب ثقة شركات الإنشاءات العالمية المنفذة لهذه المشروعات في مدى جدية الحكومة القطرية والتزامها بسداد مستحقات المقاولين.


«كاريليون» والدوحة
وتعود بداية العلاقة بين «كاريليون» والدوحة عندما أسست الأولى أعمالها في قطر عام 2009 بهدف تقديم الخدمات الأساسية التي تخصصت بها وفي مقدمتها البناء والبنية التحتية وإدارة المرافق وخلال شهور معدودة أطلقت حكومة الدوحة وعوداً جزافية بتنفيذ مشروعات بقيمة 100 مليار دولار في إطار استعداداتها المسبقة لاستضافة كاس العالم 2022، وكان من الطبيعي أن تسعى الشركة البريطانية لاقتفاء الطريق للحصول على حصة من عقود الإنشاءات الموعودة في إطار استراتيجيتها التوسعية بمنطقة الشرق الأوسط، ولم تكن تعلم ما تنطوي عليه هذه العقود من مخاطر متعلقة بتوقف قطر عن سداد مستحقات المقاولين في وقت لاحق.
وفي عام 2011، وقعت «كاريليون» أول عقد في قطر، كجزء من مشروع مشترك مع شركة قطر للبناء ضمن عقد خدمات التشييد، الذي تبلغ قيمته 316 مليون جنيه إسترليني، وكان مشروع تطوير وسط مشيرب من بين أكبر المشروعات التي شاركت الشركة في تنفيذها، وبدأت الأعمال الإنشائية بالمشروع منذ أكثر من 7 سنوات وكان من المخطط له أن يضم أكثر من 800 وحدة سكنية و10 آلاف موقف للسيارات و100 بناية تتراوح بين 3 و30 طابقاً.
وبالفعل قامت «كاريليون» بالمشاركة في تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع نيابة عن شركة مشيرب العقارية، وهي شركة تابعة لمؤسسة قطر التي كانت تستهدف تطوير وسط الدوحة قبل نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2022. ومنتصف الشهر الماضي انهارت الشركة التي كان يعمل فيها حوالى 20 ألف شخص في بريطانيا، حيث أدى وقف البنوك تمويلها إلى أكبر انخفاض من نوعه، ما أجبر الحكومة على التدخل لضمان الخدمات العامة من الوجبات المدرسية إلى أعمال الطرق.
وفي إفادته الرسمية أمام البرلمان أكد كيث كوكرين، الرئيس التنفيذي المؤقت لشركة «كاريليون»، أن الشركة لم تتسلم أي دفعات عن العمليات الإنشائية بأحد المشروعات التي تنفذها في قطر منذ 18 شهراً. وأكد على أنه سعى إلى تحقيق تسوية للمبالغ المستحقة للشركة في قطر إلا أن المفاوضات فشلت في نهاية المطاف، فيما قدم ريتشارد هوسون، رئيس الإدارة السابق الذي ترأس الشركة من عام 2012 حتى يوليو 2017، أدلة إلى اللجنة البرلمانية تثبت أنه ذهب إلى قطر بمعدل مرة واحدة كل شهر، في محاولة لإقناع العميل بتسوية الفاتورة المستحقة حتى ساد الشعور بانه يعمل محققاً لتحصيل هذه الأموال، وقال كوكرين أن هوسون ادعى في اجتماع مجلس الإدارة في أبريل 2017 أن قطر سوف تسدد، وأضاف أنه بعد ستة أسابيع تغير الأمر ولم يتم الدفع. ووفق ما ذكرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن الأسباب الرئيسية وراء انهيار «كاريليون» هي 4 عقود لم تتم كما كان مخططا لها، بينها عقد كبير في الدوحة لمشروع يتعلق بتحضيرات لاستضافة قطر لكأس العالم 2022، حيث عملت الشركة عاما كاملا لهذا المشروع دون أن يدفع لها أي أموال، حيث تدين الدوحة للشركة بـ200 مليون جنيه إسترليني. وقالت «التايمز» البريطانية إن تأخر قطر عن سداد المستحقات دمّر «كاريليون» أحد عمالقة الإنشاءات البريطانية، مؤكدة أن البنوك رفضت إقراض المجموعة. وقالت «قطر مدينة لمجموعة «كاريليون» بـ 200 مليون جنيه إسترليني، نتيجة مشاركتها في مشروعات كأس العالم 2022 والدوحة تزعم العكس».

اقرأ أيضا

بعد "حالة الطوارئ".. أول دعوى قضائية على قرار ترامب