الاتحاد

تقارير

بوتو ··· قراءة في تركة مثيرة للجدل

بوتو  زعيمة سلطوية لم تخدم حقوق الإنسان!

بوتو زعيمة سلطوية لم تخدم حقوق الإنسان!

عندما اغتيل رئيس الوزراء الهندي السابق ''راجيف غاندي'' في عام 1991 بتفجير انتحاري، تعالت الكثير من الأصوات المنددة في العالم، وهي الأصوات نفسها التي تتعالى اليوم بعد اغتيال ''بينظير بوتو''، إحدى الشخصيات السياسية البارزة التي درست في الغرب والمتحدرة من أسرة حكمت باكستان وشهدت العديد من المآسي؛ لكن مع ذلك، هناك فرق مهم بين الاغتيالين؛ فبينما اغتيل ''راجيف غاندي'' من قبل أحد المتطرفين الهندوس بسبب سياسته الموجهة ضدهم، كانت ''بينظير بوتو'' ضحية متطرفين إسلاميين ساهمت هي نفسها في ازدهارهم عندما تولت شؤون البلاد في الثمانينيات والتسعينيات؛ فقد نصبت الاستخبارات الباكستانية ''طالبان'' في أفغانستان ووفرت لهـــا الدعــــم لإحكـــام سيطرتهـــا على البــلاد تحــــت أنظـار ''بينظير بوتو'' التي كانت رئيسة وزراء باكستــــان، وفي تلـــك الفترة أيضاً لجأت الاستخبارات الباكستانية إلى تجنيــــد طلبــــة المدارس الدينية للقيــام بأعمالهــا القذرة في أفغانستان·
لكن يبدو أن المتطرفين الذين دعمتهم ''بوتو'' وسهلت وصولهم إلى السلطة في أفغانستان، بواسطة أجهزة الاستخبارات الباكستانية، انقلبوا على البلد الذي ساعدهم، وتحديداً على ''بوتو'' التي مدت لهم يد العون في السابق، وبالرغم من أن عملية تجنيد الجهاديين بدأت قبل أن تتولى ''بوتو'' منصب رئاسة الوزراء، وأنها كانت أضعف من أن تواجه الاستخبارات الباكستانية والجيش وتفرض عليهما مواقفها، إلا أنه من السذاجة أيضا الاعتقاد بأن ''بوتو'' لم تلعب دوراً في صياغة السياسة الخارجية لبلدها تجاه الدول المجاورة، لا سيما الهند وأفغانستان· وإذا كان الجميع يعرف الحكم الكارثي الذي مارسته ''طالبان'' في أفغانستان، والطريقة القاسية التي عاملت بها المرأة، وكيف أنها سمحت لتنظيم ''القاعدة'' بإقامة معسكرات للتدريب في البلاد، فإنه يتعين علينا أيضا ألا ننسى تركة ''بوتو'' في كشمير، وهي التركة التي لا تقل خطورة عن أفغانستان بعدما تحول الإقليم المتنازع عليه مع الهند إلى مرتع آخر للجهاديين·
في نهاية الثمانينيات عندما اندلع التمرد في الجزء الهندي من كشمير، كان يقتصر على مجموعة من المسلمين العلمانيين الذين تمردوا على السلطات الهندية مستخدمين أسلحة محلية الصنع، لكن مع مطلع التسعينيات بدأت باكستان ترسل عبر الحدود الآلاف من الجهاديين المدربين والمزودين بالسلاح، وكان من بينهم بعض العرب الراديكاليين الذين كانوا في تلك الفترة منهمكين أيضاً في تشكيل ''القاعدة'' بالشمال الغربي لباكستان· وفي العام ،1993 -خلال الفترة الثانية لـ''بوتو''- شرع الجهاديون العرب والأفغان في أخذ زمام المبادرة في الإقليم المتنازع عليه بدعم واضح من أجهزة الاستخبارات الباكستانية، وهو الوقت الذي بدأت فيه القيادة العلمانية لتنظيم ''جامو'' و''جبهة تحرير كشمير'' في التراجع أمام سيطرة الجهاديين على العمليات القتالية مثل ''حزب المجاهدين''· وقد أتيحت لي الفرصة في العام 1994 للتوجه بسؤال إلى ''بينظير بوتو'' أثناء لقاء أجريته معها حول سياستها تجاه كشمير والخطورة المحتملة لتنامي قوة المتشددين الإسلاميين في الصراع على الإقليم المتنازع عليه فردت قائلة: ''إن الهند تحاول التغطية على سياستها القمعية في الإقليم، لكن إذا كانت الهند قوية، فهي لن تستطيع قمع شعب كشمير، ونحن من جهتنا لسنا مستعدين للتواطؤ مع هذا القمع والالتزام بالصمت''·
أما ''حميد جول'' الذي ترأس الاستخبارات الباكستانية خلال ولاية ''بوتو'' الأولى، فقد كان أكثر وضوحاً بقوله ''لقد انتفض شعب كشمير، والهدف الوطني لباكستان هو تحريرهم''، مضيفا ''إذا استطاع الجهاديون احتواء الهند من خلال توريط جيشهم في الصراع معهم من أجل قضية مشروعة فلم لا نؤيدهم''· ومع أن اغتيال ''بينظير بوتو'' لا شك يعتبر كارثة حقيقية، لا سيمــــا وأنهـــــا كانــت تجسـد آمال العديد من الليبراليين الباكستانيين، لكن وبخلاف التعليقات الصحفية التي شهدناها في الأسبوع الأخير لا يمكن أبداً مقارنتها بزعيمة المعارضة في ميانمار ''دو أونج سان كي''· فقد تعرضت حكومة ''بوتو'' لانتقادات شديدة من قبل منظمة العفو الدولية، ومنظمات أخرى لاستخدامها فرق الإعدام، فضلا عن سجلها السيئ في حقوق الإنسان مثل الاختطافات والتعذيب وغيرها من الانتهاكات· وفيما يتعلق بالإنجازات الديمقراطية التي يتغنى بها البعض دعونا لا ننسى أن ''بوتو'' لم تتردد في قمع المظاهرات الاحتجاجية التي كانت تنظمها الأحــزاب المعارضــــــة خـــــلال فتــــرة حكمها·
وحتى داخل حزبها فقد نصبت ''بوتو'' نفسها رئيساً أبدياً للحزب مستفردة بالقرارات المهمة، بل وقاومت محاولات شقيقها ''مرتضى'' لمزاحمتها على رئاسة الحزب ليتم اغتياله في ظروف مريبة خلال كمين للشرطة خارج منزل عائلة ''بوتو''· وبالرغم من أن ''بوتو'' كانت بالفعل امرأة شجاعة وذات توجهات علمانية، إلا أن محاولات إبرازها على أنها ماتت من أجل الديمقراطية تشوه التاريخ· والواقع أنها كانت زعيمة سلطوية لم تخدم حقوق الإنسان، كما أنها كانت سياسية مسؤولة عن تحويل باكستان إلى قوة جهادية في المنطقة، كما دعمت التمرد في كشمير الذي كاد أن يدفع القوتين النوويتين إلى حافة الحرب·

ويليام دارليمبر - الهند
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا