الاتحاد

دنيا

محمود عيسى: حنتش بنتش رواية الحياة


حوار ـ وفاء العلي:
يعتبر الروائي الأردني محمود عيسى موسى واحداً من الأسماء الروائية المهمة على الساحة الأردنية، ومن الروائيين الذين يمتلكون تجربة مهمة في المشهد الروائي في الأردن، إلى جانب حضوره وإسهاماته النوعية في مجال النقد التشكيلي والمسرحي · وقد مثلت روايته 'حنتش بنتش' نقلة نوعية في الرواية الأردنية المعاصرة ، مما جعل العديد من النقاد في الأردن والوطن العربي يحتفون بها على نحو استثنائي·
أما عمله الجديد 'بيضة العقرب' الذي يتحدث فيه عن إصابته بمرض السرطان وعلاجه وشفائه منه، فيكاد يكون 'سيرة ذاتية' للعالم الذي يعاني عدد كبير من أبنائه من نتائج وتبعات هذا المرض الخطير·
إلى ذلك يتميز محمود عيسى موسى الذي درس الصيدلة بأنه يجمع بين الثقافة العلمية والأدبية، وهو أمر قليل الحدوث في الساحة الإبداعية، علاوة على تنوع تجربته وإسهاماته في أكثر من حقل إبداعي، هذا التنوع كان المدخل الذي ولجنا من خلاله إلى هذا الحوار لنثير معه قضايا شتى هنا بعضاً منها:
؟ يتميز مشروعك الإبداعي بالتنوع من الرواية إلى النقد المسرحي إلى النقد التشكيلي، ما هو السر في هذا التنوع، وهل تنحاز إلى لون دون آخر؟
؟؟ صحيح أنني كتب في مجالي النقد التشكيلي والمسرحي، لكن الدافع كان محاولة الإسهام في هذين المجالين نظراً لندرة من يكتب فيهما من جهة، ولغياب الناقد الحقيقي من جهة ثانية، بمعنى أن الظرف الموضوعي هو الذي جعلني أخوض في هذين المجالين، وأنا لست وحيداً في هذا، فهناك الكثير من المبدعين الذين ساهموا في أكثر من حقل، واتسم نتاجهم بالتنوع المعرفي والإبداعي·
ولا شك أن الناقد المتخصص يجب أن يستمر في متابعة الحركة ومواكبتها، طالما هو على قيد الحياة، وربما حدث ذلك على حساب التجربة الروائية، غير أنني لست نادما على ما فعلت في هذا الإطار·
؟ إضافة إلى هذا التنوع، أنت ملم بالثقافة العلمية حيث درست الصيدلة، هل يصح القول أنك اخترت الصيدلة مهنة والفن مذهباً؟
؟؟ طبعاً لم يصح التعبير، واسمحي لي بذلك· فعندما تقدمت في مطلع السبعينيات من القرن الماضي للالتحاق بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، كان عليّ أن اجتاز امتحانين الأول رسم تمثال سقراط بالفحم وقد حصلت على نتيجة ممتازة، أما الثاني فكان موضوعه طبيعة صامتة بالألوان، لم أوفق به رغم أني كنت حائزاً لقب فنان في المدرسة وفي النوادي التي كنت منتسباً لها، ولم أكن في حينه حائزاً لقب صيدلي قبل دراسة الصيدلة· أدركت أن الموهبة وحدها لا تكفي لصنع الفنان، ولمعرفتي بأن الفن في بلادنا لا يطعم خبزاً ولا يحسن من وضع العائلات الفقيرة، درست الصيدلة وحرصت على تطوير موهبتي بجهد ذاتي· فالصيدلة فن وعلم متنوع في مصادره ومراجعة العلمية والتاريخية وامتداداته وتشعباته وعلاقته بالعلوم المختلفة، وهو إلى ذلك مساحة واسعة وخصبة للإبداع·
كذلك الفن، الذي يقوم على تاريخ طويل من الإبداعات البشرية وعلى تراث لا ينضب من المعارف والفلسفات، وعلى مجموعة كبيرة من العلوم كعلم الجمال وعلم التشريح وعلم البصريات والفيزياء والكيمياء وعلم المنظور والنظريات المتعلقة بالضوء واللون والطاقة وغيرها وقد تطور الفن من خلال مجموعة من المدارس والاتجاهات والمذاهب ولكل شيخ وفنان وصيدلاني طريقة·
الرواية المفاجأة
؟ 'حنتش بنتش' الرواية - المفاجأة، وقد جعلت قامة الروائي تتفوق على قامة التشكيلي -رغم أنك فيها ترسم بالكلمات- ما قصتها؟
؟؟ إذا ما كنت قد تفوقت بهذه الرواية على الجانب التشكيلي، ففي ذلك دلالة أعتز بها وهي على جانب كبير من الأهمية، مثلما يحدث وأن يتفوق الفنان في تجربته من لوحة لأخرى أو من معرض لآخر أو عندما ينجز الروائي رواية تتفوق على رواياته السابقة·
المفاجأة هنا، في أنها كانت الرواية الأولى في تجربتي الروائية من خلال اطلاعي على المنجز الروائي وبشكل خاص ذاك المتعلق بالشعب الفلسطيني، كنت أشعر دائماً أن هناك ثمة ثغرة في هذا المنجز، تقع، مهمة التنبه إليها ورفدها بالأعمال الروائية، على كاهل الأجيال المتعاقبة من الكتاب، ألا وهي تلك المتعلقة بالتفاصيل الدقيقة لحياة الشعب الفلسطيني التي سبقت نكبة (48) وما بعدها·
ويلاحظ الدارس أو المتابع هيمنة حدث النكبة الكبير واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتهجيرهم من وطنهم إلى الشتات، حتى كاد أن يكون الموضوع الوحيد المهيمن على النتاج الإبداعي للكتاب الفلسطينيين بشكل خاص والعرب بشكل عام·
وقد أصاب الأدب والرواية - بشكل أدق - نتيجة لذلك ما أصابها من ضعف وقصور، تمثلا في تناول القضية الفلسطينية من جوانب رومانسية بحتة، ومثالية ضائعة ضبابية الطابع تهويمية الأسلوب، ربما تكون عائدة إلى الرؤية السطحية الفقيرة وغير الناضجة من جهة وإلى التقليد الأعمى للرواية الغربية وللتأثيرات السلبية التي علقت بهذا الفن وبالأدب العربي بشكل عام من جهة أخرى·
وقد بحثت في الأعمال الروائية للأجيال التي سبقتني عن تفاصيل حياة هذا الشعب العظيم فوجدتها لا تشفي الغليل، وكنت أسجل عتبي وعتابي في الوقت الذي كنت أجد فيه مثل هذه التفاصيل تعج عجاً في الأعمال الروائية عند الشعوب الأخرى، الأمر الذي شكل لدي حافزاً كبيراً للشروع بإنجاز عمل إبداعي يرصد هذه التفاصيل الدقيقة ويدخل إلى صلب الحياة الفلسطينية قبل النكبة وبعدها من خلال بنية روائية فنية متقدمة في التقنية وفي اللغة وفي السرد والحوار·
عند هذا وجدتني ألتقي مع الروائيين الحقيقيين من أبناء هذا الوطن المسلوب، ووجدتني أصغي واستمع إلى رواياتهم التي لا ينقصها غير الكتابة على الورق (تلك التي تعرف في التراث العربي بالرواية الشفاهيه)· وشرعت بصياغة العمل الأدبي استناداً إلى جزء كبير من هذه الروايات التي أمدتني بتفاصيل لم يكن بإمكاني الحصول عليها لسبب منطقي هو أني ولدت كأي فلسطيني ولد في جزء من أجزاء وطنه العربي الكبير خارج وطنه الصغير·
؟ ألهذا السبب حصلت هذه الرواية على اهتمام نقدي أكثر من أعمالك الأخرى، واحتفى بها النقاد حفاوة بالغة؟
؟؟ لا أدري ما الذي دفع النقاد إلى الاهتمام بها على هذا النحو، ربما يكون هذا السبب أو غيره·· ما أشعر به أن رواية (حنتش بنتش) حققت انتشارا وسمعة على المستوى المحلي والعربي، وحظيت باهتمام لافت عند عدد كبير من الكتاب والنقاد العرب في الأردن والخارج، ولا أذيع سرا إذا قلت إن الكاتب الكبير الراحل جبرا إبراهيم جبرا كان من ابرز المتحمسين لهذه الرواية، واحتفى بها كذلك عبد الرحمن منيف و فيصل دراج ومحمد لطفي اليوسفي وحاتم الصكر وياسين النصير وغيرهم، إضافة للنقاد في الساحة الأردنية الذين درسوها من جوانب متعددة خاصة الناقد عبد الله رضوان والناقد سليمان الازرعي وغيرهما من الكتاب، ولعل الشكل الجديد الذي قدمت فيه الرواية سواء من حيث المزيج المتناغم بين اللغة الفصيحة واللغة المحكية، أو من حيث الموضوع الذي تناولته، أو من المنظور المختلف الذي يمكن أن يرى من خلاله موضوع الشتات الفلسطيني بحيث لم يسبق أن تناوله كاتب بهذه الطريقة، أو من حيث التقنية الروائية المغرقة والحداثوية في آن معا، ولعل كل ذلك ما شد انتباه النقاد واهتمامهم بهذه الرواية·
أكبر من الخيال
؟ استخدمت اللغة الفصحى واللغة المحكية، ألا تخشى من خطورة تكريس العامية في الأدب؟
؟؟ استخدمت في كتابة الرواية مزيجاً من اللغة الفصحى واللغة المحكية مع إدراكي لخطورة تكريس العامية في الأدب العربي· ذلك أنني تعاملت مع متطلبات العمل الروائي من زاوية رؤية مختلفة من حيث الزمان والمكان والأحداث والبطل، وحاولت جاهداً التوصل إلى (جَبْلةٍ) خاصة طينتها من تفاصيل الحياة اليومية، وأبطالها الناس الذين عاشوا هذه التفاصيل وأحداثها أحداثهم، ومكانها المكان الذي يتنقلون فيه حسب الظروف، ولغتهم (التي هي لغة الرواية) لغة المكان الذي يقفون عليه ويستمرون في الحياة، مرجحاً الفصحى والمحكية كأهم عنصر من عناصر العمل الفني، الذي لا غنى عنه في التعبير عن مكنونات الشخصية ومكنونات الأمكنة، إذ أن استخدام اللغة الفصيحة كان سينتج عملاً إبداعيا آخر غير ما كنت أطمح له، آخذاً بعين الاعتبار أن المحكية في هذه الراوية هي اللغة التي شكلت روح التعامل بين هؤلاء الناس في الزمان والمكان، وخوفاً على هذه اللغة الخاصة من الضياع كما ضاعت البلاد، وبين أن أترك المخيلة على سجيتها في إبداع الأشخاص والأبطال وبين انتقائهم من الواقع، وجدتني أميل إلى الواقع· المفاجأة أن المخيلة الإبداعية بعظمتها لم تكن بحجم هذا الواقع وبطولة هذا الواقع وعمق الشخصيات التي اخترتها منه·
كان أن أخذت الشخصية الرئيسة، الطفل الفلسطيني الذي يولد خارج وطنه وينمو ويتشكل ويتطور وعيه خارج هذا الوطن، ورحت أراقب وارسم هذا التشكل ومراحله مرتبطاً بالظروف المكانية والزمانية وتأثير البيئة الجديدة، وتأثير المرأة الفلسطينية والعربية ودورها المهم والأساسي في صقل شخصية الطفل حتى يبلغ سن الرشد، وقد أفردت للمرأة مساحة واسعة في الرواية وتتبعت بصماتها التي تلتقي وتتشابك مع بصمات الرجل هنا وهناك، ودورها الذي يتفوق على دور الرجل في أحايين كثيرة·
؟ هذه قصة 'حنتش بنتش' فما هي يا ترى القصة الكامنة وراء رواياتك الأخرى: 'أسطورة ليلو وحتّن'، و 'مكاتيب النارنج'؟
؟؟ لا شك أن وراء كل قصة قصة، ووراء كل لوحة قصة، ووراء كل رواية قصة، أما القصة الكامنة وراء رواية (أسطورة ليلو وحتّن) فهي أنني أرى بأن لكل شعب عظيم في هذه الدنيا أسطورة تشبه روحه، وتكشف عن الجمال الأخاذ والخلاق الذي يبدع فيه فلسفة وجوده في بقعة ما على الأرض· أما رواية 'مكاتيب النارنج' فهي رواية الحب بجدارة، الحب الذي ينشأ من لقاء وحيد في الحياة بين اثنين أحدهما في الشرق والآخر في الغرب·
؟ روايتك الجديدة 'بيضة العقرب' هل هي سيرة ذاتية؟
؟؟ 'بيضة العقرب' هي رواية السيرة المرضية التي مررت بها في السنوات الأخيرة، وهي تتحدث عن تفاصيل مرض السرطان الذي عانيت منه وشفيت منه والحمد لله، وهي تختلف عن سابقاتها من حيث موضوعها وطريقة معالجتها ،إذ اعتمدت فيها على أسلوب المشهد والتقطيع والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة بأسلوب ساخر تماما الهدف منه مجابهة هذا النوع من الأمراض بشجاعة بالغة وعدم الرضوخ والاستسلام للرعب إذ انه مرض ككل الأمراض يمكن التعامل معه بصمود وشجاعة، وخاصة أن الأعمال الروائية التي تناولت تجربة السرطان تكاد لا تذكر في الأدب العربي· قد تبدو 'بيضة العقرب' للوهلة الأولى مجرد سيرة ذاتية لكنها في الحقيقة غير ذلك، فهي سيرة ذاتية للعالم وليس لشخص بعينه، وقد استعنت في هذا المجال بالأجندة (الرزنامة) لربط المفاصل البشعة والفاجعة في تاريخ الدنيا مع التاريخ الشخصي فمثلا حين أتحدث عن جرعة الكيماوي أذكر باليوم والتاريخ القنبلة الذرية وهيروشيما·
طلاسم
؟ هل تعتقد أن النقد في الأردن يواكب الإبداع؟
؟؟ بصراحة·· أنا لا أعول كثيراً على المتابعة النقدية، سواء بالنسبة لي أو لغيري من الروائيين في الأردن ، أما على صعيد المضمون والتقنية الروائية ومدى تطور الفن الروائي قياسا بالأعمال الروائية المحتشدة في الساحة الأردنية، فان النقد يبدو كالطلاسم بالنسبة للقارئ· باختصار النقد في الأردن لا يواكب العملية الإبداعية الروائية كما يجب، وهناك تقصير واضح، بل هناك تغييب لكثير من الأسماء الروائية المهمة، وهناك إجحاف ما بعده إجحاف بحق الرواية في الأردن رغم تزايد عدد المشتغلين في الكتابة عن هذا الفن وظهور المؤلفات النقدية المتعددة هنا وهناك والتي إذا ما راجعناها فسنجد أنها تتناول النزر اليسير من الروايات وتتجاهل الكم النوعي الذي يفترض أن يشار إليه ويتم تحليله وتشريحه نقديا وتقديمه للقراء بصورة لائقة، لأنه - شئنا أم أبينا - هو الذي يرسم صورة التطور الذي يجري في الرواية في الأردن، وبغير هذا فان الصورة ستظل قاتمة، وسيظل المشهد النقدي الروائي مكفهرا أمام أي دارس أو طالب للعلم داخل الأردن وخارجه، إذا لم ينتبه من يكتبون في مجال النقد إلى هذه النقطة، فستبقى صورة الرواية غائمة ولن يحترمنا الكتاب والنقاد في الوطن العربي، لأننا لم نقدم مبدعينا ورواياتنا بالصورة المطلوبة قبل أن نطلب منهم الانتباه إلى دراسة نتاجنا الإبداعي، و يمكنني القول أننا أمام نقاد بخلاء·

اقرأ أيضا