أرشيف دنيا

الاتحاد

السيناريست هاني السعدي: سيف الرقابة حول الكتاب إلى مستكتبين

دمشق ـ فاطمة شعبان: يكاد الفنان هاني السعدي الوحيد الذي يستحق لقب السيناريست من بين كل الذين كتبوا الدراما التلفزيونية في سوريا، فهو الوحيد الذي راكم عدداً كبيراً من الأعمال التلفزيونية التي تتابعت على الشاشة الصغيرة حتى حولت مهنة كتابة السيناريو التلفزيوني إلى مهنة حقيقية· جاء من داخل العمل التلفزيوني وبقي داخله، بينما الأغلبية الساحقة التي كتبت الدراما السورية جاءت من العمل الروائي إلى الدراما التلفزيونية على اعتبارها خطيئة يرتكبها الروائي الذي يتوب من جديد ويعود إلى العمل الروائي·
؟ بداياتك الفنية كانت في التمثيل، ما سبب تحول مسارك الفني نحو كتابة السيناريو؟
؟؟ مبكراً كانت لي محاولات عديدة في شتى مجالات الكتابة الأدبية قبل أن أفكر بالتمثيل· ثم تولد لدي اهتمام بالتمثيل تحت تأثير متابعتي للأفلام السينمائية· وتبلور الاهتمام ليصبح هدفي أن اصبح ممثلا، ومن أجل هذا انتسبت إلى نقابة الفنانين ونجحت باختبارات القبول عام ·1973 رغم مشاركتي كممثل في العديد من الأعمال، إلا أن الكتابة ظلت هاجسي الدائم، وكنت امثل واكتب في نفس الوقت· كتبت للإذاعة والتلفزيون، كما كتبت عددا من السيناريوهات للسينما، ولكن السيناريو الوحيد الذي أخذ طريقه إلى النور فيلم ليل الرجال عام ،1978 وكان من إخراج حسن الصيفي، وبطولة فريد شوقي وناهد شريف· بعد ذلك ركزت على كتابة الأعمال التلفزيونية، وكان مسلسل وداعاً زمن الصمت الذي عرض عام 1983 باكورة هذه الأعمال، ثم تلاه مسلسل حارة نسيها الزمن ثم كانت بقية الأعمال الأخرى·
؟ هل هذا يعني انك وجدت نفسك في الكتابة؟
؟؟ كنت أمثل وأكتب، ولكن بعد أن قدمت العديد من الأعمال التي تفاعل معها المشاهدون، مثل مسلسل البركان، غضب الصحراء، وأبو البنات · قيمت تجربتي، وشعرت أن أكون كاتبا أهم من أن أكون ممثلا، كما شجعت آراء بعض الأصدقاء هذا التوجه، مثل المخرج هيثم حقي والفنان عبد الهادي الصباغ الذين احترم آرائهم، والذين نصحوني بالاهتمام بعمل واحد والتركيز عليه، بدلاً من تشتيت جهودي على الكتابة والتمثيل، بمعنى أن احمل بطيخة بيد واحدة خير من اثنتين، وحملت بطيخة الكتابة وابتعدت عن التمثيل·
الفنتازيا التاريخية
؟ كنت أول من كتب الفنتازيا التاريخية ، لماذا فضلت هذا النوع من الدراما؟
؟؟ نعم، كنت أول من كتب الدراما التاريخية المتخيلة، والتي أطلق عليها لاحقاً تسمية الفنتازيا التاريخية· وكان أول هذه الأعمال مسلسل غضب الصحراء من إخراج هيثم حقي، ثم تلاه مسلسل البركان من إخراج محمد عزيزية، وهما عملان غير محددين لا بالتاريخ ولا بالزمان، وأقرب إلى السيرة الشعبية الذاتية· ثم كلفني مركز دبي بكتابة أعمال درامية تتناول موضوعاتها التاريخ المفترض فكتبت لهم سلسلة الجوارح والكواسر والبواسل، التي أخرجها نجدت أنزور بأسلوب ورؤية مختلفين عن العملين السابقين، لذلك أطلق على هذه الأعمال فنتازيا تاريخية ، ولكنها لا تختلف عن البركان وغضب الصحراء كنص خيالي مفترض· ولا شك أن أسلوب نجدت أنزور ساهم بشكل كبير في انتشار هذا النوع من الأعمال· أما لماذا اخترت كتابة هذا النوع من الدراما، السبب بسيط جداً وهو أنني لا أستطيع أن أقول كل ما أريد قوله أو أن أطرح ما يهمني ويهم الناس من قضايا بسبب الرقابة، وبالتالي اسقط هذه القضايا التي لا أستطيع طرحها على عمل متخيل مفترض وغير موثق تاريخياً·
؟ عدت مؤخراً لكتابة الدراما الاجتماعية المعاصرة، هل استنفدت الفنتازيا موضوعاتها، أم أنها لم تعد تستهوي جمهور المشاهدين، أم ماذا؟
؟؟ أنا بدأت بكتابة الدراما الاجتماعية، ولم اتركها لأعود إليها· أما الفنتازيا التاريخية، فقد طلب مني مركز دبي كتابة جزء رابع من سلسلة الجوارح، ولكني رفضت ذلك لأنني شعرت بأنني استنفدت ما عندي في هذا الموضوع، وانه يجب البحث عن مواضيع أخرى·
؟ ألم تحاول كتابة دراما تاريخية تستند على وقائع وأحداث تاريخية حقيقية وموثقة؟
؟؟ أخشى كتابة أعمال من هذا النوع، لأنني سأكون مجبراً على الالتزام بالوثائق التاريخية، وإذا جمح خيالي قليلاً سأجد الرقابة وغيرها بالمرصاد· والأحداث والشخصيات التاريخية التي يمكن معالجتها درامياً كثيرة في تاريخنا، ولكنني شخصياً لا أستطيع أن اكتب سيناريو من لونين فقط، اسود وابيض· هذا يعني إنني لا أستطيع أن أتناول شخصية تاريخية مثل شخصية خالد بن الوليد على سبيل المثال بعيداً عن الوثائق التاريخية، أي أن أتناول شخصيته كانسان، والإنسان خطاء· لذلك أخاف أن أقع في المحظور، وعندها لن يقبل أي منتج هذا العمل، وإذا قبله لن يجد أي محطة تعرضه، في هذا الأمر لا أحد يبحث عن الخسارة·
هامش الحرية
؟ ألم يلعب وجود عدد كبير من الفضائيات دوراً في توسيع هامش الحرية وتضيق عمل الرقابة؟
؟؟ بلا شك، وجود كم كبير من الفضائيات لعب دوراً في تحريك هذه الهوامش، ولكن حسب كل محطة· لكل محطة مقياسها وهامشها الرقابي الخاص بها، ويختلف هذا المقياس من محطة لأخرى، هذا الاختلاف في الهوامش والمقاييس الرقابية أعطى الكاتب مساحة حرية اكبر·
؟ برأيك هل لعبت الفضائيات دوراً سلبياً في وجود كم هائل من الأعمال على حساب النوعية، أم لعبت دوراً إيجابياً في عرض أعمال مميزة كثيرة من خلال تشجيعها على التنافس؟
؟؟ لعبت الدورين معاً، من جهة سمحت بعرض الأعمال الهابطة بصرف النظر عن هوية هذه الأعمال ونوعيتها، ولرخص تكلفة هذه الأعمال· من جهة ثانية لعبت دوراً مهماً في عرض الكثير من الأعمال المميزة، والأهم من ذلك أوصلت وجهات نظر مختلفة وقضايا مختلفة وأوصلت صوت المثقف العربي للآخر من خلال أعمال تستحق المشاهدة·
الدراما السورية
؟ قيل إن الدراما السورية وصلت إلى القمة وبدأت تتراجع، برأيك ما مدى صحة هذا القول؟
؟؟ في كل الأعمال العربية هناك صعود وهبوط، بمعنى أن هناك أعمالا تصعد للقمة وهناك أعمال هابطة، هناك مستويات، وهذا ينطبق على الدراما السورية أيضاً، ولا يمكن أن نصف دراما تنتج اكثر من خمسة وعشرين عملاً في السنة الواحدة بالتراجع إذا وجد بينها خمسة أو ستة أعمال هابطة· والمسألة ليست مسألة فورة في الإنتاج وانتهت، لأن العاملين في الدراما السورية يضعون في اعتبارهم أن هناك دراما مصرية منافسة وقوية، وبالتالي يجب على الدراما السورية أن تبذل أقصى جهدها حتى تكون دراما متميزة وقوية تنافس وتثبت وجودها·
؟ هل أنت مع أو ضد احتكار شركات الإنتاج لأعمال كاتب ما؟
؟؟ إذا كان لدى أي شركة إنتاج كاتباً مهماً ومتميزاً، من مصلحتها وحقها أن تحتكر كل أعماله، إذا استطاعت الشركة تحقيق طموحاته ورؤيته، فليكن، أنا مع الاحتكار· أما إذا لم تستطيع تحقيق ذلك، وأرادت بالمقابل أن تفرض عليه وعلى عمله شروطا مجحفة، على الكاتب أن لا يتعامل مع هذه الشركة مرة أخرى· أنا أولا وأخيراً مع حرية الكاتب، يكفي أن سيف الرقابة المسلط على الكتاب حوّل العديد منهم إلى مستكتبين وفق المقاييس والخطوط الحمر التي تحددها الرقابة·
تفصيل الأدوار
؟ بالنسبة لابنتيك ربا وروعة، نجدهما في كل أعمالك تقريباً، هل تفصل هذه الأدوار لهما؟ وهل تفرض على المنتج أو المخرج أن يؤديا هذه الأدوار؟
؟؟ لا أبداً، لا افرض وجود بناتي في أي عمل لي، هذا يعود إلى تقدير المخرج إذا وجد أن هذه الأدوار تناسبهما· بالنسبة لابنتي روعة اشتهرت من خلال عمل ليس لي وهو مسلسل الفصول الأربعة الذي لعبت فيه دور نارة، وكذلك ربا لعبت دوراً في مسلسل سحر الشرق وهو ليس لي، وأثبتتا من خلال أدوارهما في هذين العملين أنهما تمتلكان الموهبة، وعليّ كأب أولاً وككاتب أن أوظفها في الأعمال التي اكتبها إذا كان هناك مجال لذلك، ليس لأنهما بناتي فقط، بل لان هناك القليل من البنات في هذا السن يملكون الموهبة الفنية في سوريا·
القضية الفلسطينية
؟ ككاتب فلسطيني لم نر لك حتى الآن عملاً يتناول القضية الفلسطينية، ما السبب؟
؟؟ كنت متخوفاً من أن لا تقبل أي محطة عملا يتناول القضية الفلسطينية بشكل صريح· لذلك، لجأت في اغلب أعمالي السابقة إلى الرمز في تناول القضية الفلسطينية وقضايا عربية أخرى، ومسلسل الموت القادم إلى الشرق كان صريحا جداً حول سيطرة الصهيونية على فلسطين ومحاولاتها السيطرة على مناطق عربية أخرى· ولكن بعد اندلاع انتفاضة الأقصى ووصول شارون إلى السلطة في إسرائيل اتضحت الصورة، أن لا سلام مع شارون، وشعرت أن المحطات العربية ستقبل عملاً واضحاً وصريحاً يتناول القضية الفلسطينية،ولكن لم يحدث·

اقرأ أيضا