الاتحاد

الملحق الثقافي

عبر فراغ العالم.. أبحث عنك

الفردوس المفقود

عبر العصور،
عبر فراغ العالم،
يقظاً، أبحث عنك.

خفيّاً ورائي
يحرس،
دون أن يمسّ كتفي
ملاكي الميّت.

أين هو الفردوس
أنت يا من كنت هناك، أيها الظلّ؟
بصمتٍ يسأل.

مدنٌ بلا ردّ
أنهار بلا كلمات، قمم بلا أصداء
بحار خرس

لا أحد يدري
رجال مسمّرون واقفون
على ضفة قبورٍ بلا حراك
يجهلونني

طيور حزينة
أغانٍ متحجرة،
توجهٌ مذهول

عميان لا يعرفون شيئاً
رياح قديمة، بلا شمس
هامدة على المسافات.

متكلسة، تنهض للرحيل
ساقطة على قفاها
ما تقولهُ قليل.

باهتة، تهرب السماوات منّي
والحقيقة التي تخفيها
بلا شكل

الآن وعند نهاية الأرض
على الحدّ الأخير
تنزلق العينان

في الهاوية السوداء
أبحث عن ذلك الدهليز الأخضر
وقد مات فيّ الأمل.

آه يا ثلمة الظلال!
يا غليان العالم!
أيّ اختلاطٍ للعصور أنت!
إلى الوراء! إلى الوراء!
يا لرعب الظلمات الخرس!
يا لروحي كم هي ضائعة!

استفقْ، أيها الملاك الميت
أين أنت؟
أضئ بشعاعك الإياب!

صمت، صمت
ساكنة دقّاتُ لا نهاية الليل.

أيها الفردوسُ المفقود
أنت مفقود لأبحث عنك،
أنا، بلا ضوء، إلى الأبد


الجسد المهجور

1
رميتك من جسدي
مع جمرةٍ متّقدة

ـ اخرجْ!

في مطلع الفجر
الضوء ميت في زوايا الشوارع
وفي البيوت
الرجال والنساء
لم يعودوا هناك

ـ اخرجْ!

جسدي ظلّ فارغاً
كيساً أسود، عند النافذة

لقد غادرَ

غادر جائلاً في الشوارع
وجسدي سار من دوني

2

ظلال أربعة شريرة
حملتك على الأكتاف
ميتة

من قلبي الميّت
تثقب عينيك
أشواكُ حقد
ونسيان.
نسيان
بلا إياب ممكن.
أنت ميتة.

وأتيت واقفة
بهية،
أتيت أنت
والآن عبر أسوأ السماوات
مطروحة،
دميمة،
وحيدة
أنتِ.

وحيدة بين ظلال أربعة.
ميتة.

3

من يرجّ على مخدّتي
ممالكَ الضغينة والدم،
سماوات الكبريت،
بحار الخلّ؟

أي صوت ميّت يبعثها؟
عوالم بأسرها ضدّي
ضدّي، أنا النائم
مكبّلاً،
وأعزل.

ضباب راجل أو على جواد
ضبابٌ مقبل
عبر دخان أعرفهُ
مدفونٍ فيّ،
يوشك أن يمحوني

وتنهار أسوار المدن
وحصونها
التي تحرسني.

وتنهار الأبراج،
حارسات حلمي، المنتصبة

والريح،
الأرض،
الليل.
4

أنت، أنا (قمرٌ) عند البركة
ذراعان خضروان وظلال
تضغط خصرك
أتذكر، لا أتذكّر
آه، نعم ، رداءٌ مرّ
مهجوراً، فارغاً
كلساً منطفئاً بين الأشجار

تعقبته أنا .. صوتان
قالا لي: لا أحد

5

مصطدماً بالأبواب
مصطدماً بالأشجار
لا يراه الضوء، ولا الريح
لا يراه الزجاج
حتّى ولا الزجاج

لا يعرف المدن.
لا يتذكّرها
يمضي ميّتاً
وميّتاً يسير عبر الشارع

لا تسألوه شيئاً! أوقفوه!
لا. دعوه
بلا عينين، بلا صوت، بلا ظلّ،
أجل ، بلا ظلّ
ليس مرئياً للعالم،
ليس مرئياً لأحد.

6

حمل مدينة في داخله
أضاعها.
أضاعوه
وحيداً على حافة العالم
مسمّراً، من جص
لم يعد إنساناً
بل حفرة من رطوبة سوداء،
حيث لا شيء يُرى.

صرخة
لاشيء !
حفرة، بلا صدى

* هذه القصائد من مجموعة “عن الملائكة” وهي المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر رافائيل ألبرتي أصدرها سنة 1929، عندما كان في سن السابعة والعشرين ولاقت وقتها نجاحاً ساحقاً.
يقول ألبرتي عن مجموعته هذه التي كتبها قبل صدورها بعام واحد: “سنة 1928 هي سنة الحبّ، الغضب، الجنون، الحنق، السقوط، العوز. آنذاك اكتشفت ملائكة ليست ملائكة اللوحات والنقوش المسيحية المجسّدة، بل هي الملائكة الشبيهة بقوى الروح القاهرة القابلة لأن تخلق وفق الحالات الأكثر اضطراباً وسريّة في طبيعتي فأطلقتها عصائب عبر العالم، تجسيدات جديدة، عمياء ، لكلّ ما هو موجود في أعماقي من أشياء مدمّاة، موحشة، محتضرة، مخيفة، وطيّبة أحياناً، لكلّ ما كان يلاحقني”.
تظلّ هذه المجموعة تعبيراً عن أزمة خانقة محدودة. إنها تسجل تحوّلاً رئيسيّاً في خطّ مسيرة ألبرتي الشعرية. الخلاص الذي نشده في القلق وجده، بعد زمنٍ قصير، في لقائه بالإنسان، التي أصبحت زوجته فيما بعد.


شعر: رافائيل ألبرتي
ترجمة: عبدالكريم كاصد

اقرأ أيضا