الاتحاد

دنيا

جعفر محمد: حماية التراث حق الأجداد على الأحفاد


حوار - خولة علي:
تعد الحرف اليدوية التقليدية جزءاً مهماً من تاريخ وثقافة الشعوب، فهي رافد من روافد المنجز الحضاري الذي يشير الى هوية البلد: هوية الانسان والبيئة والمكان، فعلى امتداد البحر المترامي الأطراف الذي يعد التحدي الاكبر لأبناء الخليج ومحفزهم على ارتياد المجهول والبحث عن آفاق جديدة، وعن حضارات، وثقافات أخرى، حقق أبناء هذه الارض انتصارات ونجاحات واسعة، مستخدمين عقولهم وسواعدهم في قهر البحر، وارتياد مجاهله، مثلما برعوا في حرفة صناعة السفن، وهي واحدة من عدة حرف جسدت براعة الإنسان الخليجي في قهر الصعاب، وتطويعها لتلبي الاحتياجات الحياتية لأفراد المجتمع الخليجي، ولكن وبعد ظهور النفط والتطور الهائل الذي لحق بنواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، اخذت الحرف اليدوية تتلاشى شيئاً فشيئاً في بعض دول الخليج، لتنزوي وتقبع في ركن من أركان المتاحف·
بيد أن سيل التطور الذي بدأ يجرف كل ما هو قديم، لم يستطع أن يمحو الآثار والندوب التي ارتسمت على أيادي الآباء والأجداد، وما حملوه في صدورهم من عشق دفين لهذه الصنعة، فأورثوها لأبنائهم الذين احاطوها بكل حب ودفء وكرسوا وقتهم، وجهدهم في سبيل النهوض بها وحمايتها من الاندثار، من خلال إصرارهم على السير على خطى آبائهم وأجدادهم وإحياء تلك المهن اليدوية التي لم يعد لها وجود في وقتنا الحالي·
حول أهمية الحرف اليدوية ودورها في تقديم لمحة تاريخية حول تطور الشعوب، كان لنا هذا الحديث حول تجربة جعفر محمد، الحرفي في مركز الجسرة في مملكة البحرين·
روح التراث
يقول جعفر محمد: تعتبر الحرف والصناعات التقليدية جزءاً مهماً من التراث الشعبي البحريني، كونها لصيقة بكل ما له علاقة بأوجه الحياة اليومية المختلفة في المنطقة· وانطلاقاً من حرص مملكة البحرين على حماية هذه الصناعات التقليدية من الاندثار، نتيجة التغيرات التي طرأت على نمط الحياة في المجتمع الخليجي ببدء عصر التطور والرقي في المجتمعات، كان لزاماً على الجهات المعنية بالتراث لملمة الآثار والحرف التي تبعثرت يمنة ويسرة، ليتشبث أفرادها بالوصلة التي سينتقلون بها إلى حياة الترف، والبذخ، تاركين خلفهم أولى بذور مفهوم تطور الشعوب، فكرست الحكومة إمكانياتها المادية لإنشاء مراكز متخصصة تعنى بالحرف التقليدية، ومن هذه المراكز مركز الجسرة للحرف اليدوية الذي أسس عام ،1990 فوجدت نفسي ألتحق به لأكون واحداً من أولئك الذين يحملون في أعماقهم مفهوما جديدا لمعنى التطور الذي انبثق أولاً وأخيراً من عقول وسواعد الآباء والأجداد، ضمن إطار أعمال حرفية وتقليدية عبرت عن ذاتهم· هذه الحرف التي تمازجت واختلفت لتلبي احتياجات الأفراد المعيشية اليومية، والتي لم تخرج من نطاق الحياة الاقتصادية المعتمدة على صناعة الغوص، والزراعة والتجارة·
وقد ولجت إلى عالم الحرف التقليدية التي اشتهرت بها البحرين، بدءاً بحرفة النسيج التي عملت فيها فترة طويلة، فنسجنا عبرها لفائف من تاريخ وثقافة هذا المجتمع، فالتعامل مع حرفة النسيج يأخذ من الفرد الوقت والجهد الكثير، حيث تعد آلة الحياكة من الأدوات المعقدة التركيب، إذ تدخل في تركيبها الألواح الخشبية وأعواد الخيزران وبعض الخيوط الدقيقة والحبال، فعملية صناعة النسيج تتميز بالسرعة كما أنها بحاجة إلى الدقة، فيستخدم الحايك كلتا يديه ورجليه، حيث يوزع الخيوط المتداخلة بشكل منسق ومنتظم لينتج في نهاية الأمر لوحة خلابة مصنوعة بخيوط قطنية لتلائم طبيعة الأجواء الحارة والرطبة التي يعيشها·
سحر الخشب
وبالرغم من خبرتي الطويلة في حرفة النسيج إلا انني لم استطع ان أقاوم حرفة آبائي وأجدادي، الذين شكلوا بسواعدهم السمراء أعمالاً خشبية في غاية الرقي والروعة، جاءت لتسد الاحتياجات اليومية لأبناء هذه المنطقة، فمعرفتي وخبرتي في مجال التجارة، حملاني على أن ارفض الوقوف على عتبات شواطئ البحر، وعزمت على ان اركب أمواج البحر العاتية، لأوثق جانباً مهماً من حياة سكان الخليج ومعركتهم المستمرة في سبيل توفير قوت يومهم، فعلاقتهم الطويلة بالبحر الذي يعد المنفذ الوحيد لهم، جعلتهم يكونون مخزونا وافياً عن ثقافة شعوب البر الآخر، وتنشيط الحركة الاقتصادية الأمر الذي جعلهم يدركون أهمية حرفة صناعة الس·· هذه الحرفة التقليدية التي اشتهر بها أبناء البحرين·
تمركزت صناعة السفن في منطقتين رئيسيتين، هما المحرق التي اهتمت بصناعة البوم الذي يستخدم للغوص على اللؤلؤ، ومنطقة النعيم التي اشتهرت بصناعة البانوش والذي يستخدم لصيد الاسماك بخلاف الأنواع الأخرى التي اشتهر بصناعتها أبناء المنطقة كالجالبوت والبتيل والبغلة، وأنواع اخرى عديدة· وقد دفعتني رغبتي في إنتاج مجسم لسفينة شراعية، إلى تتبع مراحل العمل والبناء من خلال تتبع خطوات يقوم بها زميل لي يمارس حرفة صناعة السفن في مركز الجسرة، حيث وجدت منه المساندة والمساعدة على اجتياز مصاعب عدة صادفتني في العمل منها كيفية اتقان الوشرة وهي مقدمة السفينة، حيث تختلف هذه المقدمة من سفينة إلى أخرى، ولكن بعد مضي ثلاثة أشهر فقط من ممارستي لهذه الحرفة تجاوزت كافة المصاعب وشاركت في العديد من المحافل التراثية التي شهدتها مملكة البحرين سواء في الداخل أم الخارج، وأنجزت مجسمات فنية في غاية الإبداع يصل حجمها من خمسة عشر سنتيمترا إلى متر واحد، وأوجدت لها عشاقاً كثرا سواء من العرب أم الأجانب، فأقل ما يمكن ان نقدمه لآبائنا وأجدادنا الذين بذلوا حياتهم في سبيل توفير الحياة الهانئة لأبنائهم، هو ان نقف عند هؤلاء العظماء الذين كان لهم دور بالغ في تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة، والعمل على حماية جانبٍ من أعمالهم الحرفية وغرسها في الأجيال اللاحقة· وهذا ما نسعى إليه نحن من خلال تواجدنا في مركز الجسرة المعني بالحرف اليدوية التقليدية لأهالي البحرين، التي تعد من أهم المقومات الحضارية، فهو امتداد للماضي، ورمز اعتزازنا بتراثنا التقليدي، ومعلم من المعالم الثقافية في مملكة البحرين·

اقرأ أيضا