الاتحاد

دنيا

الألفاظ النابية سلاح شامل لتدمير شخصية الطفل


هناء الحمادي:
ربما لا يدرك الآباء والأمهات مدى الألم النفسي والأذى الكبير الذي يسببونه لأطفالهما عندما يخرجهما الغضب عن اتزانهما ويندفعان إلى توجيه اللوم للطفل، ونعته بألفاظ نابية يقذفانها في وجهه للتنفيس عن غضبهما على نحو لا شعوري في بعض الأحيان، وكنوع من العادة في أغلب الأوقات· لكننا بحاجة إلى وقفة مع النفس لمراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع غضب أطفالنا أو عنادهم أو سلوكهم الذي لا يعجبنا، فردات فعلنا على مثل هذه المواقف أكثر من خطيرة، ولها آثار سلبية كبيرة على شخصية الطفل في المستقبل، ولا نبالغ إذا قلنا إنها قد تكون السبب وراء انحراف الابن أو اضطرابه النفسي أو فشله في الحياة الاجتماعية في معظم الأحيان·
'غبي' و'كلب' و'فاشل' و'حرامي' و'كذاب' و 'يا صاحب الأنف الطويل' أو 'الرأس الكبير' وغيرها وغيرها من العبارات أو الجمل النابية التي تندفع من فم الأب أو الأم في حالة الغضب، ما هي إلا اختراق دلالي لشبكة موردات الطفل لا سيما في مرحلة تكوينه الأول، فالطفل يدرك تماما ما يقال له من حوله أو ما يقوم به البعض من تصرفات فينعكس ذلك عليه ويصبح عادة يقوم بها ويرددها أو يستقر في أعماقه وفكره أن هذه الصفة تنطبق عليه
فتؤثر به حتى بعد أن يصبح كبيرا·
في هذا التحقيق يوضح بعض الأهل أن ما يقولونه من عبارات الاستهزاء أو القدح والذم تخرج من أفواههم في حالة الغضب لا غير، وهم لا يقصدون ما تحمله هذه الكلمة من معنى دقيق، بل يقصدون بها التخفيف من غضبهم وتوترهم وقد تكون أحيانا من باب الدعابة والضحك لكنه نوع من الضحك ينطبق عليه القول (من الضحك ما قتل)، والقتل المقصود هنا هو قتل الشخصية وتدميرها وترك الطفل بين مشاعر النقص وعدم الثقة بالنفس وغيرها من الآثار التي نلقي عليها الضوء في هذا التحقيق·· ولكن قبل الشروع في عرض آرائهم نشير إلى إحدى الدراسات التربوية التي أكدت أن اعتماد الكلمات النابية كوسيلة لدفع الطفل إلى تغيير سلوك غير مرغوب به يؤدي إلى نتائج عكسية، فاللغة ذات تأثير ساحر على عقل الطفل، وإذا جرحت مشاعر الطفل بكلمة لا يحبها فإن ذلك يدفعه إلى التمرد، وفي حال لم تتح له الفرصة لتفريغ هذا الشعور والتعبير عن التمرد يتحول إلى تمرد من نوع آخر، وأشد الكلمات وقعا في نفس الطفل هي التي تعبر عن تحول حب الوالدين عنه إلى كره، فالطفل يفسر الأشياء بسهوله ولا يدرك أن الحب ليس كلمات تقال، بل يعدها تعبيرا حقيقيا عن المشاعر·
أكثر من ألفاظ
ساجدة إبراهيم العلي واحدة من الأمهات كانت تلجأ أحياناً وفي حالات الغضب إلى إسماع طفلها مثل هذه الكلمات (يا فاشل، يا غبي)، تؤكد على التأثير الكبير لتلك الكلمات على ابنها وتقول: في حالة الغضب وأثناء انشغالي بعملي كثيرا ما يأتيني ابني لينينغص علي حياتي؛ فهو يطلب هذا ويريد هذا وهو يعلم أنني مشغولة ولا أستطيع أن ألبي طلباته ولكنه يصر عليها إلى أن اشعر أن الدم بدأ يغلي في عروقي، وكثيرا ما أحاول مداراته وأقول له: يا حبيبي (بعدين سأحضر لك ما تريد) لكنه يصر على الحصول عليه في التو واللحظة، وعندما أشعر انه لا يبالي بكلامي أطلق عليه هذه الكلمات 'فاشل وغبي'·
وتتابع: 'لم أدرك مدى خطورة هذه الكلمات إلا بعد أن التحق بالمدرسة، وعندما شعرت أن مستواه التحصيلي بدأ يتدنى شيئا فشيئا وهو في مرحلة 'الثالث الابتدائي' ذهبت إلى المدرسة لأستفسر عنه، فأكدت لي المدرسة أن ابني لا يرد على أي سؤال توجهه له، وعندما سألته المدرسة عن السبب أكد لها أنني أقول له هذه الكلمات فاعتقد بالفعل أنه غبي وفاشل'·
وبحرقة شديدة تقول ساجدة: 'لم أشعر أن هذه الألفاظ قد تهدم ثقة الطفل بنفسه، وتؤدي إلى إدخاله في متاهة تقييم الذات وانتقاصها، وتترك آثارا نفسية تؤدي تراكماتها إلى زعزعة الاستقرار النفسي لديه، لذلك فور علمي بمدى تأثيرها أخذت على نفسي عهدا ألا أتفوه بها مهما كان السبب'·
طاقة تهديد
أما الأستاذ محمود علي ـ موجه اللغة العربية سابقا بوزارة التربية والتعليم فيقول كأب ومربي أجيال لسنوات طويلة: 'إن الكلمات الجارحة التي توجه للابن تعتبر طاقة تهديدية خطيرة، فمجرد انطلاقها من احد أفراد الأسرة يعني للطفل أن هناك فعلا مؤذياً أو عقابياً لا بد أن يتبع عملية التلفظ، مما يثير لديه حالة الإنذار العصبي بكل ما لها من تأثيرات سلبية وجسدية ونفسية، علاوة على أن الكلمات نفسها تملك تأثيراً كبيراً على الطفل'·
ويذكر الموجة التربوي حادثة وقعت لابنته في احدى المدارس الخاصة حيث يقول: إحدى مدرسات ابنتي كثيرا ما تصف الطالبات ببعض الكلمات الجارحة عندما تدخل إلى الصف، وكان لابنتي نصيب من هذه الألفاظ الجارحة وكلمات الذم التي تقولها لها كثيرا حتى جاءت إلى ابنتي وهي خائفة تقول إن مدرسة مادة 'كذا' تنتقدها بكذا وكذا إلى الحد الذي باتت فيه تخشى من الإجابة على أسئلتها خوفا من أن تسمع عبارات جارحة منعتها من أن تجاوب على أي سؤال، وبمجرد سماعي هذا الكلام من ابنتي توجهت فورا إلى مديرة المدرسة لأسرد لها ما يحدث في أحد فصولها ومع مدرساتها الفاضلات اللاتي يجب أن يكنَّ نعم المربيات الفاضلات ولكن أحدهن نقضت هذه الرسالة، وبالفعل كان عقاب هذه المدرسة الفصل من التدريس في هذه المدرسة لتكون عبره لها ولمن يحاول أن يشوه رسالة المعلم'·
ويؤكد محمود: أن الكثير من الآباء والأمهات مع الأسف لا يدركون مدى خطورة هذه الألفاظ والكلمات التي قد تصبح مع التكرار صفة لازمة للطفل، بحيث يصبح من الصعب إقناعه أن الفشل الذي مر به ليس سوى كبوة ويجب تجاوزها، وقد تخلف هذه الألفاظ الكثير من المشكلات النفسية مثل عدم الثقة بالنفس أو الحقد والكراهية، والغريب أن بعض الأهل عندما يصل طفلهم إلى هذه النتيجة لا يدركون أنهم السبب فيما وصل إليه وان أسلوبهم وتعاملهم معه عندما كان طفلا كان خاطئا·
مشاكل الزوجين
من الأمور التي يحذر منها علماء النفس عدم التنازع بين الوالدين أمام الأولاد وتبادل الألفاظ النابية لأن الطفل يتأثر بها مباشرة وتنعكس على سلوكياته المستقبلية، وهذا ما حدث لبدر أحمد (أب) كثيرا ما يتشاجر مع زوجته أمام أبنائه، يقول بدر: 'قد تصل هذه الخناقات إلى أن أتلفظ بألفاظ وقحة وجارحة، ولم أدرك مدى خطورة هذه العبارات والكلمات التي تترسخ في ذهن أبنائي حتى سمعت من زوجتي في أحد الأيام أنها بمجرد أن تغضب من أحد أطفالي يقول لها 'يا·····'، لدرجة وصلت به أن يقول لها نفس الكلام الذي تقوله له'·
ويضيف: 'بالفعل بعد هذه الحادثة شعرت بمدى حماقتي ووقاحتي وانه يجب أن أضبط انفعالاتي وتصرفاتي، وأن أكون حذراً في التفوه بكلمات أمام الأطفال لأنهم أكثر من يتأثر بما يعيشونه ويسمعونه ويلمسونه، ويرون أن الأب والأم هما القدوة الأولى لهم فيقلدونهما في كل شيء'·
ثوابت تربوية
وتؤكد هالة البدري ـ ربة بيت: 'كل الأمهات يؤكدن اقترافهن لمثل هذه الخطأ، والجميع يستخدم هذه العبارات التي تؤثر بالطفل، غير أن البعض من الأمهات تقول ذلك وهي لا تعي مدى تأثير هذه الجمل بل تقولها حتى تتخلص من الحالة الآنية التي تعيشها أو للتخلص من إلحاح الطفل أو تشويشه عليهم'·
وتتابع: 'أعلم أن هذه العبارات كثيرا ما تسيء للطفل، ولكن عندما أقولها أحاول أن (أرقعها) بتصحيح الموقف، وذلك بتوجيه المديح له، وإفهامه أنني لا أقصد ذلك بالمعنى الصحيح، وأحاول بطريقتي حين يراني بهذه الحالة أن أبعده واشغله عني حتى لا يحاول إغاظتي· وأؤكد أننا جميعاً نمارس هذا السلوك، وهو خطأ تربوي، وإن دل على شيء فإنما يدل على عدم وجود ثوابت تربوية في مرجعيتنا'·
ويعلق المدير التربوي عارف عمر ـ مدير مدرسة محمد بن خالد الثانوية على هذا الموضوع الحساس والذي يسمعه كثيرا من بعض أولياء الأمور حيث يقول: 'إن تربية الأبناء التربية السليمة تحتاج من الوالدين إلى وعي وإدراك للمرحلة العمرية التي يمر بها الطفل، ولا ينسى الآباء أنهم في يوم من الأيام كانوا أطفالا، ولو عادوا بذاكرتهم إلى الوراء لوجدوا مواقف تعرضوا لها مع والديهم وبعض صور العقاب الجسدي والنفسي التي أثرت بهم سلبا وإيجابا وما زالت آثارها باقية إلى اليوم في نفوسهم فلماذا يعيدون نفس الأخطاء مع أبنائهم؟'·
ويضيف: 'إن بعض الأساليب التي يستخدمها الآباء تكون مدمرة لنفسية وشخصية الطفل وتجعل منه في المستقبل شخصا ضعيفا ومهزوزا، غير واثق من نفسه ومن إمكانياته، ومن هذه الأساليب نعت الطفل بالغباء أو الكسل أو انه مزعج وغيرها من الألفاظ التي تمس شخصية الطفل وذاته، فمثل هذه الألفاظ تجرح كرامة الطفل فيحتقر نفسه وقدراته ويشعر بالنقص والدونية بين أقرانه'·
أما الأخصائية النفسية ختام الرباع فترى 'أن على الآباء احترام شخصية الطفل وتقديرها والتعامل معها بشكل إنساني باعتبار أن الطفل الصغير هو شاب المستقبل وباني المجتمع، وإن نحن قللنا من شأنه ومن ذاته أصبح شخصا يكره نفسه ومجتمعه·
فعلى الآباء هنا التوقف عن جرح الأبناء بألفاظ غير لائقة مثل نعته بالفشل لمجرد فشله في حل مسألة أو أداء واجب فإن من شأن هذه الكلمة أن تنقص من قدراته أمام نفسه وأمام أقرانه ويشعر أنه لا يملك القدرة على الإنجاز والنجاح، وسيتحول مع مرور الأيام وتكرار هذه الكلمة إلى شخص فاشل فعلا، وقد تتكون لديه عقدة نفسية من هذه الكلمة، كما يجب التوقف عن سب الطفل أو لعنه أو سب أحد أمامه، لأن ذلك يجعل منه شخصية مهزوزة وغير محترمة وبالتالي سيعتاد التعامل بتلك الألفاظ البذيئة مع الآخرين'·
وتتابع الرباع: 'من الأشياء التي تترك آثاراً مدمرة على نفسية الطفل تمني الموت له أو القول (ليتك لم تولد أو ليتني لم ألدك)، فان ذلك يجعله يشعر بالحسرة والألم على نفسه ومن الممكن أن يفكر في الانتحار، لذلك ينبغي على الآباء أن يكونوا في منتهى الحذر من ذكر هذه الكلمات، وأن يتوقفوا عنها تماما، ويستبدلونها بكلمات تبعث الثقة في نفس الطفل وتساعده على تنمية قدراته وان يكون الاعتراض على سلوك الطفل غير المرغوب وليس على شخصه هو، فبدل أن ننعته بالغباء على سبيل المثال نقول له 'انت شخص ذكي وقادر على النجاح'·
وتؤكد الرباع 'أن للآباء دور أساسي في تربية الأبناء، فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي يتعلم منها السلوكيات والعادات ومنها تتكون شخصيته سلبا وإيجابا، وقبل أن يربي الآباء أبناءهم عليهم أولا بتربية أنفسهم وتهذيب سلوكياتهم وان يكونوا قدوة إيجابية للأبناء في كل شيء، وتلك هي الخطوة الأولي نحو تربية سليمة لأبنائنا، أما الخطوة الثانية فهي أن يكون الآباء على دراية بالمرحلة العمرية التي يمر بها الطفل وبالأسلوب المناسب لهذه المرحلة، فالأساليب التربوية تختلف من مرحلة عمرية إلى أخرى، كما يجب على الآباء أن يكونوا على دراية بقدرات وخصائص أبنائهم ليتمكنوا من توجيه سلوكهم التوجيه السليم فمعرفة الآباء بذلك تساعدهم على التحلي بالصبر وعدم الشعور بخيبة الأمل، كما أن عدم إدراكهم لمثل هذه الأمور يؤدي إلى ممارســـات تربوية خاطئة قد تنعكس على الأبناء سلبا بقية عمرهم·

اقرأ أيضا