الاتحاد

تقارير

«سوتشي»: سياحة في ذاكرة المكان

آنا نيمتسوفا
سوتشي، روسيا


كانت شمس الصباح ترسم سقف عريشنا في حقل الكروم بالظلال. ما زلتُ أتذكر ذلك جيداً.وفي الأيام المشمسة، كانت أشجار السرو تنتصب شامخة كما لو أنها رُسمت على امتداد الساحل حيث كانت تشكل سياجاً حياً يمتد على طول الدرب البالغ خمسة كيلومترات في سفح التلة. كنتُ أحب أن أصعد إلى قمة تمثال رخامي لأسد عملاق إذ كنت أجلس وأنظر إلى الأفق حيث تلتقي السماء بالبحر الأسود،أو أمشي مترنحة على حافة نافورة عملاقة ازدانت بتماثيل، وأنا أشاهد السياح الألمان الشرقيين يمشون في الممر المحفوف بشجر السرو. ثم كانت هناك تلك الكرمة المثقلة بعناقيد العنب بالقرب من بركة تعج بالسمك الأحمر في فندق «إسكرا سبا». كانت أمي هي التي اكتشفت ذلك المكان عندما كانت فتاة صغيرة، فاقتسمته معي، ثم أصبحت شجرة العنب تلك مخبئي المفضل خلال فصول الصيف الكثيرة التي كنت أقضيها في سوتشي حين كنت صغيرة. وكثيراً ما كنت أغمض عيني وأقول لنفسي: «حاولي تذكر هذه اللحظة من السعادة التي ما بعدها سعادة».
استحضرتُ هذه الذكريات مؤخراً عندما كنا على متن السيارة على الطريق السريع بمحاذاة الساحل، على طريق جديد نحو المواقع الأولمبية مضاء ومؤلف من أربعة مسارات خلت من السيارات أو كادت. كانت سوتشي الإسفلت والإسمنت الجديدة عليَّ هذه،التي باتت تلقب الآن بـ«مشروع بوتين»، تشمخ أمامنا في ضوء المساء الخافت، وكان غبار نقع أشغال البناء الأولمبي قد هدأ أخيراً، ومعه ضجيج معدات البناء،الصوت اليومي الذي كان يُسمع في سوتشي خلال السنوات الأربع الماضية. كانت سوتشي تبدو هادئة ومهجورة كما لو أن المدينة نفسها كانت مذهولة بواجهاتها الجديدة العملاقة،وجسورها الضخمة، وأنفاقها وطرقها.
وفي يوم الجمعة الماضي، يوم افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية، بثت القناة الأولى الروسية المملوكة للدولة فيلماً حول الرجل الذي أخذ على عاتقه مسؤولية تحويل المدينة وجلب العالم إلى سوتشي. «إنني سعيد جداً لرؤية ما يحدث هنا لأنني قمت شخصياً باختيار هذا المكان»، يقول الرئيس فلاديمير بوتين في الفيلم. والواقع أنه ليس لدينا أي سبب لنشك في كلامه،ولكن ما هي الأفكار الضمنية،والدوافع الشخصية، والشفرات السرية التي تكشفها لنا صورة سوتشي الجديدة هذه التي تدين بوجودها للرئيس؟
حتى الأمس القريب، كان السكان المحليون يتحدثون عن سوتشي باعتبارها المنتجع السياحي الرئيسي للبلاد: مكاناً صحياً يقصده الزوار للاستجمام والتمتع بأشعة الشمس الدافئة،ومياهه الكبريتية العلاجية،ومكاناً لراحة الجسم والروح. وفي بداية حكم بوتين، بدت فكرة القدوم إلى سوتشي، وهي مكان يرتبط ارتباطاً قوياً بالسياحة في العهد السوفييتي، غير جذابة نسبياً بالنسبة للروس التواقين إلى القيام بأول رحلة سياحية لهم إلى مصر أو تركيا. ولكن في الآونة الأخيرة، جلب ضخ المال في أغلى مشروع بناء أولمبي أعداداً ضخمة من العمال المهاجرين، ما رفع عدد سكان المدينة بقرابة الثلثين، إلى نحو نصف مليون نسمة. كما تهافت مستثمرو موسكو على اقتناء العقارات في الوسط التاريخي للمدينة وضواحيها وغاباتها بينما انكب الخبراء على مناقشة مآل المكان.
المؤرخ المحلي سيرجي شيرباكوف لم يرحب أبداً بغزو أموال موسكو وسلطتها لعالم أحلام سوتشي حيث قال لي مؤخراً: «إن سوتشي بوتين أصبحت هي لاس فيجاس روسيا، حيث فُقد كل متر مربع من أراضي سوتشي أو حُوِّل إلى دولارات، كما لو أننا إزاء مصهر ضخم». ومن جانبها، أخبرتني آلا جوسيفا، مديرة المتحف التاريخي لسوتشي، بأنه من السابق لأوانه التنبؤ بمصير سوتشي ما بعد الألعاب الأولمبية فقالت: «لقد بنى ستالين منتجعاً مثالياً وناجحاً ليُظهر (للعالم) السعادة السوفيتية»، مضيفة «إنه ما زال من المبكر جداً بالنسبة لنا -نحن المؤرخين- التنبؤ بمستقبل سوتشي،إذ علينا أن ننتظر مرور خمس سنوات على الأقل لرؤية ما إن كان تقدم المدينة سيستمر. أما الآن، فوضعها ما زال غير واضح».
وقد عنّت لستالين فكرة إيديولوجية بخصوص سوتشي، حيث قام ببناء قصور ذات طراز نيوكلاسيكي في المقابل السوفييتي لمنطقة الريفييرا الفرنسية خلال عقد الثلاثينيات نكاية في الغرب الرأسمالي.
فالممشى الذي يمتد لخمسة كيلومترات ما زال موجوداً، مخبأً خلف غابة من ناطحات السحاب التي تنمو بسرعة، غير أن معظم الأماكن الرومانسية القديمة للمدينة راحت ضحية طفرة البناء المرافقة للألعاب الأولمبية،إضافة إلى مصنع الحليب الذي كان ذات يوم أحد أبرز معالم المدينة وكان محط إعجاب الزوار الفرنسيين بشكل خاص، الذين كانوا يحبون جداً أنواع الآيس كريم التي كان يصنعها. كما طالت موجة البناء «جاسترونوم 1»، الذي يعد أشهر متجر بقالة في العهد السوفييتي، على رغم احتجاجات السكان. ومؤخراً،أراني ماجومد وعلي، وهما عاملا بناء من داغستان يشاركان في أعمال تجديد فندق إسكرا، ما حل بمخبئي المفضل. فالمبنى ما زال يبدو قائماً، ولكن شجرتي المفضلة اختفت، وكذلك السمك الأحمر.
ومع اقتراب موعد الألعاب الأولمبية، استعملت السلطات، التي لجأت إلى أساليبها التقليدية، جدراناً صفيحية معدنية ملونة لحجب مشاهد التآكل والتفسخ على طول الطريق السريع المفضي إلى موقع الألعاب الذي افتُتح مؤخراً، بل إن حتى محطات المياه الكبريتية العلاجية لمنتجع «ماتسيستا» القديم، التي خربها فيضان نهر قبل نحو 20 عاماً، لُفت هي أيضاً بستار سريالي زُيِّن برسوم جبال. وعلاوة على ذلك، ما زال منتجع «أوردجونيكيدز»، وهو مكان رائع كان معلماً بارزاً من معالم المدينة ذات يوم، مهمَلاً يتآكل ويتداعى -ما عدا تمثالين صُبغا حديثاً عند المدخل المقابل للطريق. ولذلك، فإن معظم سكان المدينة ضاقوا ذرعاً بمشروع بوتين وأعمال البناء الأولمبية التي لا نهاية لها على ما يبدو، مع ما يرافقها من فساد وإجلاء للسكان وأضرار بالبيئة. فقد سمعت مراراً وتكراراً هذا الرأي نفسه من أفواه السكان: «لقد تعبنا... ونتمنى لو أن الألعاب انتهت!».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا