الاتحاد

تقارير

تمركز الأميركيين خارج المدن ومسؤولية القوات العراقية

هل تتحمل القوات العراقية المسؤولية الأمنية؟

هل تتحمل القوات العراقية المسؤولية الأمنية؟

لم تكن البناية الكبيرة التي تشبه الكهف والخالية من أي لمسة جمالية المكان المثالي لإيواء ما يقارب مائة ألف جندي أميركي متمركزين في مدينة بعقوبة وسط العراق، لكن عندما أعلنت الولايات المتحدة إغلاق القاعدة في شهر فبراير الماضي، اجتاحت ''تيري براون'' النقيب في الجيش الأميركي، وهو يودع المكان، مشاعر مختلطة بين الحنين والرغبة في المغادرة، مشيراً إلى أن التواجد في القاعدة ''يتيح للقوات الأميركية الاحتكاك عن قرب مع العراقيين والتعرف إلى صراعاتهم اليومية''· إلا أن إغلاق القواعد المنتشرة داخل المدن العراقية، ليس بالفكرة السيئة ما دام سيعطي الفرصة للقوات العراقية لتحمل مسؤولياتها الأمنية وتخفيف العبء عن الجيش الأميركي، الذي سيكتفي بالمراقبة من بعيد· ويستعد الجيش الأميركي في هذه اللحظة لإغلاق القواعد التي أُقيمت في المناطق المضطربة أمنياً بعد الدور الكبير الذي لعبته في فرض الأمن وملاحقة المسلحين وحماية الأهالي من تدخل العناصر المتطرفة في حياتهم اليومية، وذلك تمهيداً للانسحاب إلى القواعد الكبرى خارج المدن بحلول العام ·2011 وهكذا ومنذ بداية شهر فبراير الماضي، أغلقت الولايات المتحدة 11 قاعدة صغيرة كانت تؤوي عناصر من القوات الأميركية والجيش العراقي، كما سلمت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء الماضي أكبر قاعدة لها في منطقة الرستامية التي تمتد على مساحة سبعة هكتارات جنوب بغداد·
وفيما يتحسر بعض قادة الجيش الأميركي على خسارتهم للقواعد القريبة من الأهالي في البلدات والمدن المختلفة، استقبل جزء كبير من الجنود قرار الانسحاب إلى ثكنات أكبر خارج المدن بترحاب كبير؛ لأن ذلك سيخفف عنهم بعضاً من العبء بنقل المسؤولية الأمنية إلى القوات العراقية كمقدمة لتقليص التواجد الأميركي في بلاد الرافدين ودفع الأهالي إلى الاعتماد أكثر على قواتهم لحفظ الأمن وصيانة ما تحقق من مكتسبات· لكن هذه الرغبة في الانسحاب خارج المدن تصطدم بتخوف استمرار العنف في بعض المناطق مثل الموصل واحتمال انتكاس الوضع الأمني إلى مرحلة ما قبل الزيادة في عدد القوات التي كانت قد أقرتها الإدارة السابقة، وهو ما يعبر عنه ''توبي دودج''، الخبير في الشؤون العراقية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن قائلاً: ''أتساءل عما إذا كانت القوات الأميركية المنسحبة ستكون قادرة على التجمع مرة أخرى ومواجهة الأخطار في حال بروزها، لا سيما في المناطق المضطربة مثل الموصل''·
وتأتي عملية إغلاق القواعد الأميركية المتركزة داخل المدن كجزء من الاتفاق، الذي وقعته الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية أواخر العام 2008 القاضي بتنظيم وضع القوات الأميركية في العراق بنصه على انسحاب القوات الأميركية المقاتلة من المدن الرئيسية بحلول 30 يونيو، لكن وفي ظل العنف المتواصل في ديالى والموصل، أعلن المسؤولون العراقيون والأميركيون احتمال بقاء القوات الأميركية في بعض المدن إلى ما بعد الموعد المحدد للانسحاب·
وكانت أولى إشارات التقليص من عدد القوات المسلحة قد أعلن عنها المسؤولون الأميركيون مطلع الشهر الجاري عندما كشفت الإدارة الأميركية عن خطتها لسحب لواءين مقاتلين -حوالي 12 ألف جندي- خلال الأشهر الستة المقبلة، وهو ما سيقلص عدد القوات الأميركية إلى 128 ألف جندي، هذا بالإضافة إلى استعداد اللواء البريطاني المقاتل في العراق إلى الانسحاب خلال الأشهر القليلة المقبلة· وبحلول العام ،2010 يتوقع أن ينخفض عدد القوات الأميركية العاملة في العراق ليستقر بين 35 و50 ألف جندي قبل الانسحاب النهائي والكلي المزمع تنفيذه في ديسمبر ·2011
وبالنسبة للعراقيين، سيشكل إعادة نشر القوات الأميركية وسحبها خارج القواعد الموجود في المدن التغيير الأهم الذي سيلاحظه العراقيون في الوقت الذي تتجه فيه الولايات المتحدة إلى فك ارتباطها بالعراق وتقليص دورها القتالي· وقد كانت تلك القواعد جزءاً أساسياً من خطة الجنرال ديفيد بيتراوس الرامية إلى فرض الاستقرار في العراق من خلال تحريك الجنود إلى داخل المناطق المأهولة وحماية السكان في الأحياء المختلفة، بحيث مكنت تلك القواعد القريبة من الأحياء الجنود من التدخل السريع والرد الفوري على هجمات المسلحين، فضلاً عن إمكانية التفاعل مع الأهالي والتواصل معهم· وفي هذا الإطار يقول ''سجان جوهل''، مدير الأمن الدولي في مؤسسة آسيا والمحيط الهادي بلندن: ''لقد لعبت خطة الزيادة في عدد القوات الأميركية دوراً كبيراً، واليوم تشعر أميركا بالثقة في النفس، وبأنه يمكنها تسليم المهام الأمنية للقوات العراقية''·
وفيما يستعد الجنود الأميركيون إلى مغادرة قواعدهم في المدن الرئيسية والاستقرار في ثكنات بعيدة، سيكون عليهم قطع مسافات طويلة للوصول إلى المراكز الحضرية في حال انفلات الوضع الأمني وعدم قدرة القوات العراقية على التعامل معه، وربما تفادياً لهذه الصعوبات قررت الولايات المتحدة إبقاء جزء من قواتها غير القتالية لمواصلة تدريب الشرطة العراقية ودعمها لوجستياً· ورغم التحسن الكبير في مستوى القوات العراقية خلال فترة الحرب، إلا أنه ما زال يتعين عليهم كسب ثقة الأهالي، إذ ما زال العراقيون حتى الأكثر وثوقاً منهم في الجيش العراقي، الذي وصل عديده إلى 600 ألف جندي، يفضلون اللجوء إلى القوات الأميركية بسبب التصور السائد أن الأميركيين يمتلكون موارد أكثر· هذه الثقة التي من المتوقع أن تتعزز أكثر مع انسحاب القوات الأميركية يعبر عنها الرقيب في الجيش الأميركي الذي عمل في بعقوبه ''جيمس كلارك'' قائلاً: ''أهم ما سيكسبه العراقيون من الانسحاب هو عودة الأهالي إلى القوات المحلية، التي سيكون أمامها فرصة أكبر لكسب ثقتهم من خلال توفير الأمن والحماية''·

توم بيتر- بعقوبة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا