الاتحاد

تقارير

قمة الناتو ··· فرصة لتجديد الشراكة الأطلسية

مهام الناتو تتجاوز الدور الأمني الضيق

مهام الناتو تتجاوز الدور الأمني الضيق

انضم أوباما إلى 25 من رؤساء الدول والحكومات المجتمعين في قمة ''الناتو''، للاحتفال بمرور الذكرى الستين لإنشاء الحلف· وبدلاً من أن تكون هذه القمة مناسبة لاسترجاع الذكريات السعيدة الخاصة بتأسيس الحلف ومسيرته، كان متوقعاً لها سلفاً أن تزدحم بأجندات العمل والقضايا المصيرية الضاغطة· ويتوقع أن تحدد الطريقة التي سيتعامل بها أوباما مع هذه القمة الجزء الغالب من مستقبل الحلف· ذلك أنه ربما ينضم إلى معسكر من ينظرون إلى ''الناتو'' على أنه مجرد كيان عسكري معني بالتصدي لخطر روسيا -خاصة ترهيبها لجاراتها من الجمهوريات التي استقلت عن الإمبراطورية السوفييتية حديثاً- وبذلك يكون قد حصر نطاق ''الناتو'' في مجال أمني ضيق للغاية· ولكن ما يتعين على أوباما فعله في هذه القمة، هو الدفع باتجاه أن يؤدي ''الناتو'' دوراً حديثاً وأكثر تكيفاً مع البيئة الأمنية العالمية الجديدة، بحيث يقوم بدور الوساطة الأمنية بين دوله الأعضاء من جهة، وشركائه الرسميين غير الأعضاء من جهة أخرى·
ومما لا شك فيه أن ''الناتو'' يعد مؤسسة عسكرية ضاربة، تحت تصرف الإرادة الجماعية لأعضائه الحصريين· فهو يضم عدداً من المسؤولين واللجان والقيادات الحربية، والإجراءات العملياتية القياسية، والخطط الحربية، والقواعد والنظم والآليات، التي صممت جميعها لتذليل عقبات العمل الجماعي المشترك بين الأعضاء· يذكر أن الأعوام الـ45 الأولى من عمر ''الناتو''، لم تخضع خلالها قدراته الدفاعية الكامنة لأي اختبار فعلي· بيد أن تلك القدرات جرى اختبارها خلال الأعوام الـ15 الماضية، وأثبتت فاعليتها وجدواها عملياً· ففي هذه السنوات الأخيرة، نفذ ''الناتو'' عمليات قتالية ميدانية، ودوريات جوية، بل لقد ساهم حتى في تقديم العون الإنساني في بعض المناطق التي ضربتها الزلازل والهزات الأرضية· وأما شركاؤه فيتوزعون في مختلف أنحاء العالم، من الأرجنتين وحتى نيوزيلاندا· وضمن تنفيذه للعمليات القتالية المذكورة، تمكن ''الناتو'' من توظيف مجموعة القواعد والمنظمات التابعة له، من أجل وضع الأهداف الفاعلة لما يريد القيام به، إلى جانب استقطاب المشاركين فيها، ومطابقة القوات بالمهام الحربية الموكلة إليها، إلى جانب التوفيق والتقريب بين القدرات الوطنية للدول الأعضاء· وبالنتيجة، فقد تمكن ''الناتو'' من لعب دور الوسيط بين أعضائه وشركائه· فبينما تختلف الأهداف الأمنية الدفاعية لكل عضو أو شريك، وتتباين كذلك مستويات الموارد الوطنية التي يمكن استثمارها أمنياً ودفاعياً، ويلاحظ اشتراك الجميع في هدف الحصول على أفضل عائد ممكن لاستثماراتهم في المجال الدفاعي والأمني·
وخلافاً لتلك الصورة التقليدية التي كثيراً ما ترسم عن ''الناتو'' باعتباره مؤسسة تقليدية ذات أهداف ومهام متضاربة، تقعد بها النظم والقواعد البالية، أظهر الحلف قدرته مؤخراً على التفاوض وإبرام الصفقات بين أعضائه وخارجهم· وعلى سبيل المثال، تمكن ''الناتو'' بعد عام واحد فحسب من تعرض حكومة استونيا إلى اعتداء إلكتروني في عام ،2007 من التفاوض على إنشاء ''مركز امتياز التعاون الدفاعي الإلكتروني'' بين عدد من شركائه وأعضائه· وبالمثل تمكن الحلف من التوسط وإدارة التفاوض بين 10 من أعضائه و2 من شركائه بهدف إنشاء ''منظمة إدارة الشحن الجوي'' التابعة له، بغية توليها لمسؤولية تشـــغيل وإدارة طائرات الشـــحن من طراز C-71· وفي خطوة أخرى، ساعد ''برنامج التعاون السلمي'' الذي حقق نجاحاً كبيراً، في تهيئة عدد من دول شرق ووسط أوروبا للانضمام النهائي إلى عضوية الحلف· وخلاصة القول إن لـ''الناتو'' قدرة على التكيف تبدو أكبر بكثير مما تشير إليه سيرته·
وبما أن ذلك هو واقع الحال، فلماذا لا تستثمر هذه القدرة وتوضع موضع التفعيل؟ والحق أن ممارسة ''الناتو'' لقدرته التفاوضية الجماعية على الفعل، ستمكن كلاً من أعضائه وشركائه على حد سواء، من التنبؤ المسبق بالمشكلات والأزمات المتوقعة، ومن ثم التصدي لها قبل وقت مبكر من وقوعها وتفاقمها، بدلاً من أن يكتفي الحلف بمجرد الاستجابة للأزمات والمشكلات التي تنشأ في مختلف أنحاء العالم· وفي مهمة ''الناتو'' الحالية في أفغانستان، ما يؤكد قدرة الحلف على درء الأزمات والحيلولة دون تفاقمها في حال حدوثها· ولكن لا بد من إحداث بعض التغييرات والتعديلات على ''الناتو''، كي يتمكن من لعب دور الوسيط الفاعل النشط· وضمن هذه التغييرات، يلزم الاعتراف بعدم جدوى اتخاذ القرارات داخل الحلف بناءً على إجماع كافة الأعضاء· وبدلاً من هذا النظام العقيم، لا بد من تبني نظام الأغلبية الكافية· ومن شأن تغيير كهذا أن يؤمّن للدول الأعضاء والشريكة في الحلف، فرصة اتخاذ قرار يعبر عن رغبتها في القيام بمهمة معينة تخصها داخل الحلف، دون أن تعترض تنفيذ تلك المهمة، عقبات التأخير أو سد الطريق أمام اتخاذ قرار جماعي يعبر عنها مثلما لا يزال يحدث بسبب نظام اتخاذ القرارات الساري حتى الآن· ومن الواجب أيضاً تحقيق قدر معقول من التوازن داخل الحلف· والمقصود بهذا وضع حد لاعتماد الأوروبيين على الولايات المتحدة الأميركية في المشاركة دائماً بالعدد الأكبر من القوات لكل العمليات التي يخطط لها وينفذها الحلف، مع استعداد أميركا المستمر للقيام بهذا الدور· ففي انعدام التوازن هذا ما يشل قدرة الحلف على الاستجابة السريعة للأزمات، ويقلل من فعاليته· وإلى ذلك يجب فتح طريق ثالث لانضمام الدول إلى الحلف في مستوى شراكة أدنى من العضوية، لا ترتبط بالضرورة ببرامج التعاون السلمي التي ينفذها الحلف·
وختاماً، فإن هذه هي فرصة أوباما الحقيقية لتشكيل مستبقل الحلف، وجعله مؤسسة للشراكة الأمنية الأطلسية الجديدة·

بيل هاجينز
مخطط سابق لسياسات الناتو في البنتاجون ومستشار حالي بمؤسسة توفلر
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا