فجأة·· انضم التيار الصدري إلى موقف موحد مع هيئة علماء المسلمين لرفض مشروع قانون النفط والغاز الذي أحاله مجلس الوزراء العراقي إلى البرلمان· ومع أن رفض الصدريين للقانون لم يبلغ درجة (التحريم) مثلما فعلت الهيئة، إلا أن موقف هذا التيار الذي يملك 30 مقعداً في البرلمان انسجم كلياً تقريباً -هذه المرة- مع موقف جبهة التوافق العراقية التي تملك 44 مقعداً· ومعلوم أن كلا التيارين الصدري وجبهة التوافق منسحبان الآن من مجلس النواب العراقي· في الوقت الذي لم تعلق القائمة العراقية الوطنية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي عضويتها في البرلمان التي لها فيه 24 نائباً بعد انسحاب مهدي الحافظ منها أو تنسحب من العملية السياسية ـ وقد هددت بالفعل أكثر من مرة ـ فإنها أعلنت موقفاً مناوئاً لمشروع قانون النفط والغاز· وبذلك انضمت في هذه المسألة المصيرية والوطنية إلى صف المناقضين بالأمس والمتفقين باليوم، وهم كل من هئية علماء المسلمين والتيار الصدري وجبهة التوافق· بل الأكثر من هذا أن التحالف الكردستاني أبدى هو الآخر اعتراضه على ما وصفه بإمكانية إجراء تعديلات جوهرية في مشروع القانون قد تؤدي إلى عدم التصويت عليه من قبل الأكراد· ولأن كلا من الأطراف العراقية الرافض منها والمتحفظ، المؤيد منها والمعترض يغني على ليلاه، فإن مصير الثروة النفطية العراقية يمكن أن يكون عرضة لمساومات بل وحراك سياسي من نوع آخر· ولكن السؤال المطروح هو: هل تتغير خريطة التحالفات السياسية في العراق في ضوء الموقف من هذا القانون؟ ولعل أكثر ما يحير المرء هو طبيعة التناقضات في المواقف الرافضة أو المتحفظة أو المؤيدة أو المعترضة· فالحكومة تصف مشروع القانون طبقاً لما أعلنه رئيسها نوري المالكي بأنه أخطر وأهم قانون في تاريخ العراق· فمن وجهة نظر المالكي وحكومته أن أهمية هذا القانون تكمن في أنه ولأول مرة سوف يتم توزيع عائدات النفط العراقي على العراقيين طبقاً للكثافة السكانية· أما مناوئوا هذا القانون فقد انقسموا حسب الأجندات·· فمنهم من يرى أن كل ما يحصل في ظل الاحتلال من تشريعات وقوانين فهي باطلة شرعاً، ومنهم من يرى أن الوقت غير مناسب للتصويت على هذا القانون لأن هناك أولويات يجب حسمها، كجبهة التوافق العراقية والى حد كبير القائمة العراقية وحركة الوفاق، ويشترك هؤلاء مع التيار الصدري وعدد كبير من الخبراء وممثلي النقابات، إذ يرون أن القانون يعطي في مرحلة لاحقة للأقاليم والفيدراليات سلطة مطلقة على المكتشفات الجديدة تتخطى سلطة المركز، وهو ما يضعف بل ربما يفتت وحدة البلاد، فضلا عن انه يمنح الشركات الأجنبية مبدأ المشاركة بالإنتاج للمكامن النفطية الجديدة، وهذا يعني من وجهة نظر هؤلاء رهن النفط العراقي إلى الشركات الأجنبية مجددا· وعموماً فإن هناك من يرى أن القانون بحاجة إلى دراسة عميقة وإجماع وطني، وهناك من يرى أن القانون يجب أن يقر بوضعه الحالي، وهناك من يرى أنه يجب أن يرفض دفعة واحدة· أما حكومة إقليم كردستان التي انضمت فجأة إلى تيار المعترضين فإن اعتراضها لأنها ترى أن التعديلات التي أجريت على المسودة المعدلة التي لم تصلها ربما تكون قد راعت هواجس المعترضين· إذن ما الذي سوف يحصل؟ من الواضح أن القانون المذكور هو أحد أبرز القوانين الموضوعة على لائحة الضغوط الأميركية حيال حكومة المالكي· وعليه فإن هناك تفسيراً للتحالف الرباعي الجديد المزمع إنشاؤه، مفاده هو تمشية هذا القانون في البرلمان من خلال الأغلبية البرلمانية (الائتلاف الواحد والتحالف الكردستاني) وبعدها لكل حادث حديث· فمصير الحكومة والتحالفات المرتبطة بها مع واشنطن مرهونة بقدرتها على إجازة هذا القانون قبل عطلة البرلمان وقبل تقديم الجنرال باتريوس تقريره إلى الكونجرس خلال شهر سبتمبر القادم· من هنا فإن مرحلة لوي الأذرعة والمساومات بدت بل وانفتحت على مصراعيها· فالحكومة تدافع عن القانون بوصفه قانوناً وطنياً والمعارضة ترى فيه عكس ذلك· ولعل الأيام القادمة كفيلة بالإعلان عن تراتبية جديدة في المواقف والاتجاهات في الخريطة السياسية، فإذا انتصر القانون فإن انتصاره يعني أن المشروع الطائفي والعرقي في العراق لا يزال هو المهيمن على مقادير الأمور بالرغم من الأحاديث الجارية عن جبهات معتدلين ومتطرفين، أما إذا تمكن المعترضون من إسقاط القانون بالضربة الديمقراطية القاضية وهو احتمال من اضعف الاحتمالات، فإن هناك واقعاً جديداً يصعب التكهن به الآن لأنه اقرب إلى الخيال منه إلى الواقع·