الاتحاد

دنيا

أهرامات «البجراوية» حضارات تتحدى الزمن

تكوين ثقافي لمجتمعات أوجدت فناً معمارياً فريداً

تكوين ثقافي لمجتمعات أوجدت فناً معمارياً فريداً

السودان القديم يحفل بالعديد من الملامح التي تؤكد رسوخ الحضارة، والتي تتمثل في الكثير من الآثار والمنتوجات التاريخية وتتوزع عبر الأقاليم والمدن لتكشف عن ثقافة الإنسان السوداني وقدرته على الإبداع والنماء.
يذخر السودان بالعديد من الآثار التي تكتسب قيمتها بمقارنتها بالفترة الزمنية للمناطق التي تماثله وتجاوره، ولذلك تبرز أهرامات «البجراوية» كإنجاز سوداني في حقبة زمنية تمثل التكوين الثقافي لمجتمعات أوجدت فنا معماريا فريدا واستخدمت فيه أنظمة حسابية تعتبر متقدمة على حساب الثقافة السائدة في ذلك الوقت.
تبعد مدينة البجراوية حوالي 218 كيلومترا عن مدينة مروي التي تقع في شمال الخرطوم العاصمة، وتعتبر مروي من أهم المدن التاريخية في إفريقيا فقد شيدت على موقع سكني مقر الملوك المرويين منذ القرن السادس قبل الميلاد، حسبما يورد المؤرخون، وقد انتقلت إليها العاصمة نبتة في عام 591 ق .م، وعاصرت دولة مروي البجراوية الفرس والبطالمة في مصر، ويوجد فيها نوعان من المعابد يبرز من خلالهما جماليات الفن المعماري لتلك الحقبة التي ظلت تثير اهتمام الباحثين في علم التاريخ والمعمار والآثار حيث انها عبرت عن الوجه المشرق للحضارة النوبية وهما المعبد الآموني والمعبد المروي اللذان برزا كملمحين أساسيين في شكل المدينة المروية التي تبلغ مساحتها ما بين 30 و50 هكتارا. ويبلغ عدد الأهرامات 57 هرما من جملة أهرامات أخرى قد تم اكتشاف خرائط الشكل الهندسي للهرم داخل الهرم الذي يعرف بـ»هرم ذو الطرف المسطح»، حيث وجد داخل الغرفة رقم ( 8).
وفي المظهر العام تشتمل مدينة مروي على المدينة الملكية ومجموعة من الأهرامات تحتوي على مدافن والتي تعرف بالأهرامات الجنوبية والأهرامات الشمالية والأهرامات الغربية، حيث تقع الأهرامات الجنوبية علي بعد اربعة كيلومترات إلى الشرق على حافة سلسلة من تلال الحجر الرملي، وتعتبر الأقدم زمنا في سلالة الملوك المرويين في الفترة ما بين 720 - 300 ق . م، وهي الأهرامات الأولى التي بنيت في مروي متبعة في ذلك تقاليد الدفن الملكي من نوري وجبل البركل حيث مقابر ملوك وملكات مملكة مروي.
وقد حظيت أهرامات المروي باهتمام غربي حيث ذكر الخبير الألماني فريدريتش، الذي ارتبط بالآثار السودانية منذ عام 1960 عبر البعثة الاثرية التابعة لجامعة هومبلدت في برلين في الحفريات الاثرية بمنطقة شندي «شمال السودان»، حيث ذكر أن اكتشاف خريطة تشييد الأهرامات كانت وليدة الصدفة المحضة.
وروي الألماني فريدريتش بأنه قبيل مغادرته لمنطقة الأهرامات عائدا إلى برلين ظل يتمعن ويتأمل في الأهرامات، حيث لفت انتباهه وجود خطوط محفورة على هرم منها مما جعله يطيل النظر والتحديق في الخطوط المحفورة بعناية كبيرة. وعندما قام بتسجيلها وجدها تشكل مقاسات طولية وعرضية فشرع في مقارنة هذه المقاسات بالأهرامات فوجدها مطابقة تماما للهرم رقم (2) بقاعدة خمسة أمتار وارتفاع ثمانية أمتار.
واذا نظرنا إلى تاريخ المنطقة حسبما يروي المؤرخون الإغريق بأن الملك «اركماني»، هو أول ملك يشيد هرم في البجراوية لاسيما هنالك تغيرات طرأت إبان فترة حكمه على صعيد المشهد السوداني من خلال تطوير أساليب السودانيين الفنية والمعمارية الخاصة بالذوق العام، والتي كانت تختلف عن الأساليب المصرية عندما أطلت الكتابة المروية التي حلت محل الكتابة المصرية في تلك الفترة وأصبح الإله المروي الأسد «ابادماك» بقوة الإله المصري آمون ويعتقد العلماء أنه كان مؤسسا لأسرة حاكمة جديدة، حيث تم تحديد فترة حكمه كبداية للعصر المروي ومات «اركماني»، ويوجد جثمانه في هرم رقم (7) الذي يعكس مدي الطفرة الاقتصادية والفنية بجانب الأهرامات الأخري في مملكة مروي.
الزائر لأهرامات البجراوية اليوم يعانق الماضي بالحاضر عندما تحولت ساحاتها إلى سوق تعرض فيه الكثير من المنتوجات الشعبية ذات الطابع الآثاري فيما تنشط حركة الاهالي بتقديم برامج ترفيهية للسياح الذين يتوافدون للمنطقة من أجل اكتشاف تفاصيل سودان الأمس وفي المقابل نجد أن السياحة بدأت تاخذ اهتمام الدولة بعد أن تعرضت لعمليات السطو والسرقة في فترات متباعدة الأمر الذي حال دون استمرارية تجاهلها في الفترة الأخيرة حيث وجدت اهتماما من الأهالي والمنظمات التي تهتم بالحفاظ على التراث القومي.

اقرأ أيضا