الاتحاد

دنيا

الأنصاري: عشمي في «بوكر» مثل عشم إبليس في الجنة

عبد الواحد الأنصاري

عبد الواحد الأنصاري

هل تجرؤ دار نشر سعودية على ترشيح رواية لكاتب شاب إلى جائزة كبرى كجائزة بوكر لعام 2010 ، هذا ما تأكد لدينا بالفعل بعد حديث قصير مع مدير دار «وجوه للنشر والتوزيع». رواية «كيف تصنع يدا» للروائي عبد الواحد الأنصاري تختلف كثيرا عن خط الروايات السعودية، سواء على مستوى التقنية أو على مستوى الموضوع، حيث يقوم موضوعها على خيط سردي تتصل فيه حكاية كيفية أن يصنع بطل الرواية «حسين» يدا بديلة عن يده الممسوخة، مع استصحاب لرحلة عائلته الإفريقية من غياهب الصحراء الكبرى إلى مكة بما تحمله من مرارة وتشرد، موظفة في ذلك تاريخ الطوارق والبربر وعوالم بدايات الاستقلال في العالم العربي. وفي كتابة جديدة لمعاناة فئات البدون في الخليج العربي. تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء منفصلة يمكن وصلها وفق تباديل قرائية لتصل لـ 11 قراءة محتملة، يشكل جزء الرواية الأوسط الحد الأدنى لقراءتها «المتن الحكائي» فيما حٌشد في الجزء الأول «المتن التقديمي» إحالات يتطلبها القارئ الراغب في التغلغل في إرهاصات حياة البطل في السعودية وتاريخ نزوح أسرته الطويل إليها، كما يتضمن هذا الجزء تعريفات خاصة لعدد مفردات حياته، وفي جزئها الأخير «المتن الغنائي» يحول الأنصاري مقطع حكاية روايته تأويلي إضافي من خلال صيغة غنائية شعرية. وتعد هذه الرواية العمل التجريبي الأول للأنصاري بعد مجموعتين قصصيتين بعنوان «الأسطح والسراديب»، و«بكارة»، بالإضافة إلى كتاب سيرة روائية بعنوان «أسبوع الموت»... فإلى نص الحوار:
? هل تحلم لروايتك بتقدير من نوع ما: كجائزة عربية، أو دراسة أكاديمية خاصة بها؟ أو وضعها في خانة إبداعية خاصة بها؟
لا أدري لماذا بدأت معي بهذا السؤال، ربما لأنك سمعت أن الناشر ينوي ترشيح روايتي لبوكر القادمة، بالفعل أنا أتعشم ذلك، ولكن العشم خطير جدا كما تعلم، وقد يكون مثل عشم إبليس في الجنة. أنا لا أطارد الجوائز، ولست من أولئك الذين يترصدون عناوين الجوائز وأوقاتها مهما قلت أو صغرت قيمتها لأجل أن يحفروا لأنفسهم اسما من خلال ذاكرة الجائزة. ولكن في الوقت نفسه، لو حصل هذا العمل على أي تقدير من أي نوع فهو بنظري تقدير مستحق، نظرا للجهد الذي بذلته فيه، وللتقنية المختلفة التي أقرّ كل من قرأه باحتوائه عليها، وللعناية بتأصيل مفهوم الأصالة والتغيير من داخل سور النوع الأدبي المسمى رواية، بتفجير احتمالاته ليقتنص القارئ من هذا التفجير احتمالا أصيلا جديدا في رواية كيف تصنع يدا؟ أو هذا ما يخيل إلى وهمي الشخصي على الأقل. لكن خوفي الحقيقي أن لا يصل هذا العمل إلى القراء المنشودين به بالدرجة الأولى.
? لماذا هذا الحديث بكل هذه الأريحية عن هذا العمل بالذات، بماذا يختلف بنظرك في موضوعه عن باقي الروايات؟
أول ما يتميز به هو أنه يحمل بصمتي وصوتي ورؤيتي الجمالية الخاصة. أما من حيث الموضوع فهو موضوع آفاقي، يتحمل على كاهله نقل تجربة بشرية كاملة من التشرد في الآفاق العربية لمهاجر يدعى حسين، هذا المهاجر لم يهاجر إلى الخليج في حياته، وإنما هاجر في صلب أبيه، وظل يحمل وطأة هذه الهجرة طيلة عقود عمره الثلاثة. هذه التجربة التي حاول صديقي المبدع تراوري أن يقدمها بطريقة مباشرة أفقية. أعتقد أنني حشدت فيها جميع أدواتي وقدمتها بطريقة توثيقية/ روائية/ غنائية. ومجرد استطاعة قدرتي القاصرة وتجربتي القصيرة للوصول إلى هذا المنجز، أو إلى كسر هذا الرقم القياسي الشخصيّ أعتقد أنه شيء يستحق الالتفات.
? ليتك تحدثنا عن الجديد فيه من حيث تناول الشخصية، الزمان، والمكان، ومن حيث شلال السرد، وعلاقة ذلك كله بالمضمون أو الرسالة التي تقدمها روايتك؟
قدمت وصفي لهذه الرواية بطريقة ملحمية لأنها عملي الملحمي، ومنجزي الخاص كما قلت لك، وأما الجديد فيه من حيث تناول الشخصية فهو: أنني رفعت الشخصية عن مستوى الحركة في المحيط المكاني والزماني الثنائي الأبعاد، كما رفعتها عن مستوى الحركة في محيط الوعي الداخلي. لقد قمت بتضمين هذين المستويين اللذين أبدعت فيهما الرواية العربية والمحلية، وأضفت إليهما مستوى ثالثا: هو حركة الشخصية في أثير زماني ومكاني شاسع، يمتد من الصحراء الكبرى في أفريقيا غربا، إلى حدود مدينة الرياض شرقا. من خلال الذاكرة الجماعية للسلالة التي ينتمي إليها حسين. هذا من ناحية المكان، أما من ناحية الزمان فقد قمت بتشظية «القبل، والآن، والبعد» فيه تماما وجعلت من مراحل الزمان الماضي والحاضر مرحلة واحدة يتحرك فيها الوعي الخاص بالراوي والقارئ الذي يقرأ ما يحدث لحسين.
إن اشتغالي على هذه الأشياء كلها في رواية لا تتجاوز 120 صفحة، ولا تفقد شلال الحكي الانسيابي لهو بنظري إنجاز، وإن عد بعض القراء أو الكتاب هذا الزعم نرجسيا. ومن هنا، فإن هذا العمل بالنسبة لي متوائم في روحه الفنية الانتقائية مع مضمونه الانتقائي، الذي لا يوجد بحسب علمي من تعرض له بهذا التركيز في أي من الروايات العربية فضلا عن الروايات المحلية.
? تتحدث عن خصوصيتك وأصالتك وبصمتك الشخصية، مع أن عملك مشحون ومليء بالاقتباسات ويتضح فيه تأثرك الصارخ بالبرتغالي ساراماجو، كيف نستطيع المواءمة بين هذه الحقيقة وبين حكمك على عملك؟
تستطيع المواءمة بين هذا وذاك بالرجوع إلى مفهوم التناص، ودور الأصالة في تميز التناص الإيجابي من التناص السلبي، فأنا على سبيل المثال متأثر جدا بأسلوب ساراماجو التقويضي، وبطريقة كونديرا في تفعيل الراوي في النص كشخصية أساسية شديدة العناد والتطلب، وكنت قد أشرت في كتابات سابقة لي إلى أن أساليب إيكو وساراماجو وكونديرا وبورخيس تطاردني في كل الكتابات القصصية التي أكتبها، مثلما تطارد أشباح بلزاك وزولا تطارد روائيين عالميين، وقد اخترت بورخيس وساراماجو وكونديرا وإيكو بالذات لأن اعتمادي لطريقة التقويض تجعل هذا النفس ظاهرا في عملي، وهو يقوم على إيهام من الكاتب بأن هناك راويا ظاهرا في النص يقوم بتقويض الخيارات التي يعرضها الراوي الخفي الذي يبدو «على سبيل الإيهام» أنه يروي الحكاية أو يحللها كما حصلت، فيأتي هذا الراوي التقويضي ويعترض على مسار الأحداث أو يحللها بطريقة مختلفة، ليشعر القارئ أو الناقد بوجود خلل ما في رواية الحدث بالرؤية السابقة أو الرؤية التي قد يتم اعتمادها عفويا كتحليل للحدث. وبهذا التوضيح لا أعتقد أنه سوف يبقى هنالك أي إشكال في ادعائي للأصالة مع وجود التأثر المعلن بالكتابات الأدبية المعاصرة التي سلكت هذا المجال، وعلى العموم: على الرغم من تجريبية هذا النوع من الكتابة وادعائي أنا وغيري امتلاك بصمة الأصالة الذاتية فيه إلا أن ثمة روحا كلاسيكية في تكوينه، ويمكنك التأكد من ذلك بمجرد اطلاعك على كوميديا دانتي، بتشعباتها وزياداتها المعرفية وتعليقاتها السياسية وتدخلات راويها العليم المستبد، وكذا من خلال استضافتها في جزئيها الأول والثاني لشخصية فرجيليو شاعر القرن الأول قبل الميلاد واتخاذ دانتي له مرشدا شخصيا له في تلك الملحمة المهولة، بشرط أن يكون تكون قراءتك للترجمة الأمينة لأجزائها الثلاثة.
? كأنك تبالغ في الحلم أن هناك أملا للرواية الخليجية في الظهور إلى النور ومنافسة الرواية العالمية؟
إذا كنت تعني الرواية الخليجية بلا تعيين لـ « رواية مقصودة»، فقد ظهرت فعلا إلى النور وقضي الأمر، وبرزت إلى سماء الشهرة من قبل، بل وترجمت إلى لغات أخرى، ولكن ليس من خلال المستوى في كل الأحوال، لقد برزت مؤخرا أعمال رديئة أو أعمال غير فنية إلى المنصة واشتهرت في الخليج والعالم العربي لا بسبب قوتها روائيا، ولكن لظروف أخرى كعنايتها بالإثارة الصحفية والفضائحية المجانية وعناية الإعلام بها وكاستغلال بعض الروائيين للمال العام وعلاقاتهم العامة في الترويج لذواتهم وغير ذلك، وأحيانا بسبب الدراما القويّة، لكن الظهور الحقيقي للرواية الخليجية وشعورها بالثقة في ذاتها بدأ فجأة منذ فترة، ومن مكان آخر غير الخليج: انطلاقا من حصول نجيب محفوظ رحمه الله على جائزة نوبل، كانت هذه لحظة انطلاقة وثقة. ولا شك أن في الرواية الخليجية أسماء قوية وقادرة على التجاوز، ولا يغرنك أنها غير مشهورة: فلدينا من السعودية مثلا: يحيى قاسم صاحب رواية ساق الغراب، الذي لا أدري كيف فات دار الآداب أن ترشحها لبوكر العام الماضي؟ ولدينا القاص الشاب عدي الحربش كاتب القصة التاريخية الطويلة، القادرة باعتقادي على منافسة أي قصة معناة بالتاريخ في العالم العربي. وقد فاجأنا المخضرم عبد الله بخيت برائعة روائية خليقة بأن تنقش على جدار الخليج وهي روايته: شارع العطايف. كما تتوفر لدينا أسماء إبداعية كلاسيكية لها ذيوع وصيت مثل ذيوع الروائي الإماراتي علي أبو الريش، وهؤلاء أمثال عبد العزيز مشري وعبد الرحمن منيف وغيرهما، وإذا كان لي أن أستطرد، فإن الرواية السعودية لها أسماؤها المعروفة، كما أن للشعر والثقافة والإعلام أسماؤها المعروفة أيضا: كالأستاذ الشاعر عبد الله الزيد، ومرزوق بن تنباك وعبد الله السميح وغيرهم.

اقرأ أيضا