عربي ودولي

الاتحاد

حاكم القدس البريطاني: سلمنا فلسطين للصهاينـة فاتهمونـــا بمعاداة الساميــــة!


القاهرة- حلمي النمنم:
'توجهات بريطانية -شرقية' مذكرات السير رونالد ستورس صدرت أول مرة في لندن عام 1937 وأعيد طبعها في نيويورك عام ،1973 وأخيرا تُرجمت الى العربية بحماس المؤرخ د·رؤوف عباس وصدرت ضمن أعمال المشروع القومي المصري للترجمة، وهي في رأي عدد كبير من الدارسين والمؤرخين من أهم مذكرات المسؤولين البريطانيين والاوروبيين الذين خدموا بالمنطقة في العصر الاستعماري مثل كرومر ولورانس وغيرهما، ومع ذلك لم نجد اي مؤسسة عربية تتولى رصد هذه المذكرات وترجمتها الى العربية وما نراه حتى الان مجرد جهود فردية·
ويقول د·رؤوف عباس انه فكر منذ عام 1972 في ترجمة كتاب ستورس لكن مشاغله حالت دون ذلك الى ان احيل الى التقاعد وتفرغ فعكف عليه وجاءت الترجمة في اكثر من 680 صفحة من القطع المتوسط·
تخرج ستورس في جامعة كامبريدج واتجه الى الدراسات الشرقية وهو طالب واهتم باللغة الفارسية كما درس اللغة العربية مع المستشرق واستاذ اللغة العربية براون، وأقر المستشار المالي للحكومة المصرية السير ألدون جورست خطة لتوظيف عدد من الخريجين 'الانجليز' للعمل في الادارة المصرية والسودانية فقابله ستورس ووقع عليه الاختيار·· وهكذا عاد من جديد الى كامبريدج ليقضي عاما فيها يدرس اللغة العربية ويتقنها على يد المستشرق براون والشيخ حسن توفيق وهو أزهري مصري كان في لندن وفي عام 1904 وصل ستورس الى القاهرة ليعمل موظفا بالادارة المالية وكان قد جاء مدعوما بكارت توصية الى الليدي كرومر زوجة المعتمد البريطاني العتيد، وظل ينتقل بين عدة وظائف الى ان اختير السكرتير الشرقي بدار المعتمد البريطاني او قصر الدوبارة بعد إقالة كرومر·
وظل في مصر حتى عام 1917 حين نُقل الى القدس ليتولى منصب الحاكم العسكري للقدس في الفترة من 1917 وحتى 1920 ثم صار حاكما للقدس حتى 1926 وانتقل من هناك ليكون حاكما لقبرص· وهكذا نحن بإزاء رجل ظل في المنطقة لمدة 21 عاما فضلا عن مناصبه تلك فقد قام بعدة مهام في بغداد مع الشريف حسين والثورة العرابية ويدهش المرء من هذا الكتاب الذي يضم ثروة هائلة من المعلومات والاسرار والوقائع عن تاريخنا وظل 68 عاما من دون ترجمة الى العربية·
العداء للسامية
وجاءت فترة عمل ستورس الاولى بالقدس في توقيت مهم وهو صدور وعد بلفور في نوفمبر 1917 ويكشف عن الخطوات التي قامت بها الادارة الانجليزية لتنفيذ هذا الوعد حتى قبل صدوره، وكيف ان كل شيء لم يكن يرضي الصهيونية وان أقل تعاطف مع العرب كان يعد عداء للسامية واتهم هو شخصيا بذلك والسبب في غاية الغرابة وهو ان ستورس وعددا من موظفي الادارة البريطانية في القدس وفلسطين نقلوا اليها من مصر ونظرا لطول عملهم بمصر فقد عرفوا اللغة العربية وأجادوا العامية المصرية ولم تكن تلك العامية غريبة عن أهالي القدس والفلسطينيين، وهكذا راحوا يتعاملون معهم بلغتهم، بينما لم يكونوا يجيدون العبرية ولا الالمانية ولا الروسية وكان رجال الصهيونية يصرون على التعامل معهم بأي من هذه اللغات كما يتعاملون مع العرب بالعربية وهكذا اعتبروا معادين للسامية وكان على هؤلاء ان يثبتوا العكس ومن ثم راحوا يعطون مزيدا من الحقوق والامتيازات لرجال الصهيونية· ولا يخفي الرجل اعجابه بالصهيونية·· 'اعتقدت ومازلت اعتقد انه لا توجد تطلعات في العالم انبل من تطلع اليهود للعودة الى الارض التي لم تختف منها روح اسرائيل'·
وفي أثناء الحرب العالمية الاولى جاءت الظروف مواتية للحركة الصهيونية ولعب حاييم وايزمان دورا مهما في ذلك ويقول عنه 'روسي كان له وجه وعزيمة لينين وجرت الصهيونية في بدنه مجرى الدم في العروق··' وتمثلت الظروف في أنه '·· اثناء الحرب اصبحت الحاجة ماسة الى مواد متفجرة واتضح ان الاسيتون المكون اللازم لصناعة مادة ش·خ·ش لا يتوفر خارج ألمانيا وأدى نقصانه الى احساس البحرية البريطانية باليأس، ولكن الكيميائي اليهودي 'وايزمان' استطاع حل المشكلة وتم توفير الاسيتون وسجل وايزمان اختراعه، ولكنه لم يطالب بأي حقوق مقابل ذلك تاركا تقدير ذلك للحكومة البريطانية وجاءت المكافأة في الحصول على تأييد ارثر بلفور وهربرت صامويل ومارك سايكس للصهيونية وتقديم مطالبها الى المجلس الاعلى للدول وللحلفاء، وفي الثاني من نوفمبر 1917 قبل سقوط القدس المتوقع بأسبوع واحد أعلن على العالم تصريح بلفور الاحادي والمصيري، رغم معارضة بعض اليهود الانجليز وبعض كبار المسؤولين في الخارجية ووزارة الهند·
وفي احدى عيادات طبيب أسنان بالقدس وجد رجلا يعرفه فسأله عما أصابه فرد عليه بالعبرية انه لا يفهم ما يقوله، وبعد فترة همس له بالانجليزية لو نطقت بغير العبرية فلن أتلقى العلاج، كان يهود العالم يتبرعون وينفقون وليس ابلغ من قول ستورس 'في الوقت الذي كان يهود العالم يصبون المال صبا في فلسطين، دون انتظار لعائد مادي، أو امتلاكهم للبلاد كان عقلاؤهم يعرفون ان المال يجب ان يتوفر هناك وإلا عجز اليهود عن الذهاب الى فلسطين، وكانت فكرة الجيش عند الصهيوني هي الشخص الذي يبدي استعداد لدفع المال ليهودي آخر، ليذهب الى فلسطين'·
دموع الصهاينة
كان ستورس يبذل كل جهده من أجل تنفيذ وعد بلفور وطوال هذه الفصول لا نشعر بأننا بإزاء حاكم بريطاني او مسؤول انجليزي، ولكننا أمام مسؤول صهيوني صرف، يذكر أنه ذهب ليبارك الحصاد الجديد من مستعمرة 'ريشون صهيون' وكان معه المندوب السامي، وأخذ المندوب -الانجليزي- يقرأ بالعبرية مقتطفات من الشريعة اليهودية ويقول انه رأى الزهو في عيونهم والدموع الوقورة تترقرق في مآقي المسنين· ويتساءل: 'من يجرؤ على الشك في قدراتهم البدنية وعبادتهم للأرض؟'·
ويتحدث عن تطوع المستوطنين في فلسطين للقتال اثناء الحرب العالمية الاولى الى جوار الحلفاء وانهم بذلك أثبتوا انه 'لا تقدم إلا بالأمن' وكان الجنود اليهود هم الذين تقدموا في الفيلق البريطاني للاستيلاء على القدس ثم يقول 'يجب ألا يشغلنا الاهتمام بالمعارضة العربية الضيقة أو بما بدر عن بعض الافراد الصهاينة من سلوك، عن الاقرار بما قدمته المنظمة الصهيونية العالمية من فكر وجهد ومال من أجل الارض التي تهفو اليها قلوبهم'·
وقد فوجئت المنظمة الصهيونية بمعارضة الفلسطينيين ذلك ان النظرية الصهيونية -كما يقرر- كانت اسيرة الجهل بطبيعة واحوال فلسطين، التي تم تصويرها على انها تضم مجموعة من التلال البعيدة عن بعضها، وتصورت ان سكان فلسطين الحاليين محدودو العدد ومتخلفون لا أهمية لهم، ولأنهم اخوان في السامية سوف يرحبون باليهود والفقراء، وهناك الرأسماليون الذين ستنمو مصالحهم مع تدفق المتحمسين البسطاء من 'بني جلدتهم' وأن على سكان فلسطين ان يدركوا ان اليهود يعودون بإرادة 'عصبة الامم' ولذا اعتبرت مقاومة الفلسطينيين احيانا بمثابة اعتداء على العالم كله، وان ثمة عملا كريما نبيلا يتعرض للمقاومة والاحباط من جانب ردود افعال انانية متعصبة·
ويعترف بأن كل تلك المعارضة لم تكن بلا مبرر او رجعية ذلك ان العرب من المسلمين والمسيحيين على السواء في الشام وفلسطين عانوا عسف الحكم العثماني لمدة اربعة قرون تقريبا وبعد قيام ثورة تركيا الفتاة عام 1908 ضعف الحكم العثماني، لكن بدا للعرب انه رغم تباين الحكم فإن الحقائق ثابتة، كان الحكم العثماني ظالما ومتعسفا مع العرب، لكن جاء انصار تركيا الفتاة فصاروا قوميين اتراكا يتعاملون بعنصرية مع العرب،
فلسطين ··والأندلس
ويقع ستورس في تناقض كبير بعد ذلك حيث يؤكد ان اليهود نعموا بالتسامح في الحضارة الاسلامية والعربية وانهم هاجروا من اسبانيا وجاءوا الى المنطقة وعاشوا بين أهلها بترحاب ويقول ان اليهود 'عائدون وليسوا قادمين' وذلك وفقا لنبوءة 'كتاب كُتب قبل ألف عام' ويقصد التوراة بالطبع، لكن وفقا لهذا التصور، كما ينبه هو فإن ذلك يفتح الباب لأمور كثيرة منها مطالبة العرب بالعودة الى الاندلس، خاصة وانهم عاشوا بها 8 قرون وأسسوا حضارة عظيمة، عرفت بالتسامح ويرد هو على ذلك بالقول 'إن اسبانيا العربية لا تعني شيئا للعالم فيما عدا موقعين او ثلاثة مواقع، بينما فلسطين العبرانية تعني تراث اسرائيل··'·
وتكشف الاوراق عن أن شكوك العرب ومخاوفهم، لم تنطلق من فراغ ولا عقلية تآمرية تملكتهم، ذلك ان الحاكم العسكري للقدس اختار شابا يهوديا كي يتابع الشؤون اليهودية عن قرب، وهذا الشاب نفسه كان سكرتيرا للدكتور حاييم وايزمان في نفس الوقت وسافر الحاكم الى حيفا وعلم فيما بعد من القائم بالاعمال مكانه، ان ذلك الشاب تلقى تعليمات من اللجنة الصهيونية بأن يقدم اليها تقريرا عن عمله بمكتب الحاكم، ولا يغضب الحاكم من ذلك بل يدافع عن هذا التصرف لأن اللجنة 'تحظى باعتراف رسمي' وفضلا عن ذلك فإن زعماء اليهود في انجلترا كانوا يلقون آذانا مصغية عند أكثر من وزير من الوزراء الانجليز، ولم يكن العرب يتمتعون بهذه الميزة، وفضلا عن هذا لم يكن زعماء العرب يعرفون الانجليزية التي كانت ضرورية للتعامل مع الادارة في فلسطين وهكذا كان نفوذ اليهود يزداد على حكومة فلسطين والتعبير الذي استعمله ستورس انه لم يكن له حدود، حتى انهم تمكنوا من تأجيل عيد جلالة ملك بريطانيا العظمى عام 1922 يومين، حتى لا يقع يوم السبت، رغم ان المسلمين لم يعترضوا في العام السابق -1921- على وقوع الاحتفال يوم الجمعة·
ويتساءل متهكما: 'هل كان من الممكن تغيير موعد ذلك الاحتفال مراعاة ليوم الجمعة عند المسلمين؟ واذا كان هناك إصرار من جانب المسلمين على تغيير موعد الاحتفال ولم يتم ذلك، وغاب اعيان المسلمين عن المشاركة فيه لاعتبروا مقصرين في التعبير عن احترامهم للملك الذي يجب عليهم التعبير عن الولاء له'·
وبدأ التوسع التدريجي في استخدام العبرية في فلسطين، وبكلمات بسيطة يقول: 'اتخذت كل الخطوات اللازمة لتنفيذ تصريح بلفور' وبعد ذلك صدر صك انتداب انجلترا على فلسطين، وجاء في نص المادة السادسة ان الادارة 'سوف تعمل بالتعاون مع الوكالة اليهودية على تشجيع توطين اليهود بالاراضي بما في ذلك اراضي الدولة 'الميري' والاراضي البور التي تفيض عن حاجة الاعمال العامة' ولم تكتف الوكالة بتلك الاراضي فقط، اذ كتب د· وايزمان للمندوب السامي في 20 ابريل 1926 'ان الوكالة اليهودية سوف تنظر بعين التقدير لاتاحة الفرصة لها لفحص أراضي الدولة التي لم يتم تحديدها بصراحة حتى يتسنى لها الحصول على أرض لتوطين اليهود'·
وتطور الفكر الصهيوني ليكون البحث عن دولة يهودية بدلا من الوطن القومي الذي نص عليه وعد بلفور، وكان العرب يشعرون بالمرارة ولديهم احساس بالغبن ولم يكن قد فارق الذاكرة رد حاييم وايزمان في مؤتمر الصلح عام 1918 حول معنى الوطن القومي لليهود، فقال 'إنه يعني عدم وجود شروط تحول دون أن تكون فلسطين -في نهاية الامر- يهودية تماما كأميركا عند الاميركيين وانجلترا عند الانجليز'·
ويعترف ستورس بأن بعض العرب وليس كلهم حققوا 'منافع مادية كبيرة في القدس والمدن الاخرى·· ولكن بأي ثمن؟' والثمن طبعا أنهم باعوا الارض او المحصول للجنة الصهيونية· ويتساءل: 'هل كان من الخسة بمكان ان يتنهد العربي تحسرا على الحضارة العربية التقليدية الاقل تقدما؟ فالفلاح قد يبدو غبيا اذا امتنع عن بيع محصول أرضه بأضعاف ثمنه عندما يعرض عليه ذلك، واذا امتنع عن بيع أرضه مقابل عشرة اضعاف قيمتها الحقيقية··'·
كانت الادارة البريطانية تقوم بكل شيء لصالح الصهيونية ولم يكن هذا كافيا في نظرهم وبتعبيره هو أنهم 'يريدون ان تكون سياسة الحكومة صهيونية خالصة بدرجة تكفي لتفجير الثورة بين العرب· وينظرون الى ذلك كتحصيل حاصل لقد اشتكوا مرارا من ان الانجليز لا يعرفون العبرية·· وكان رده 'ولماذا لا يعرف العربية إلا أفراد قلائل من اليهود··'· ولأنه كان قادما إليهم بعد خدمته من مصر فقد تمتع بعلاقة جيدة مع عدد من أعيان اليهود المصريين، مثل السير فيكتور هراري -باشا- الذي زار القدس في اوائل عام 1918 واستقبل بحفاوة من مفتي القدس وأعيانها، والتقى بالمسلمين والمسيحيين وتعمد اهمال اللجنة الصهيونية، فاعتبر معاديا لليهود، واعتبر ستورس كذلك·

اقرأ أيضا

قتلى في هجوم إرهابي على معسكر للجيش المالي