عربي ودولي

الاتحاد

ماذا يفعل العرب في الحديقة الخلفية؟!

السعد عمر المنهالي:
يدرك المهتمون بالجيولوجيا والعلوم البيئية أكثر من غيرهم، عظم النظام البيئي الهائل والمعقد في منطقة الأمازون، ودوره البليغ المؤثر على الكرة الأرضية برمتها· فتأثير أحواض الأمازون -البالغة مساحتها أكثر من 7 ملايين كيلومتر مربع - كبير ورئيسي في الدورة المائية، وتوازن الطاقة، وثبات نظام الأرض بالكامل· ويبدو أن دور حوض الأمازون بتوازن الأرض المائي والمناخي، لا يقتصر على الجيولوجيا والبيئة، فالدور السياسي الذي تحاول دول الأمازون في أميركا الجنوبية لعبه قد لا يصل في قوته إلى تأثير الحوض على التوازن البيئي في العالم، غير أنه قد يكون بادرة في إحداث التوازن المنشود في النظام السياسي الدولي!
ففي برازيليا عاصمة البرازيل، افتتح الرئيس 'لوزير ايغناسيو لولا دو سيلفا' في العاشر من مايو عام 2005 أول قمة تجمع الدول العربية ودول أميركا اللاتينية· ورغم اتساع الجغرافيا بين المجموعتين، واتساع الصدع بين دول كل مجموعة على حدة، بدت تطلعات البعض مبالغا فيها، شأنها في ذلك شأن باقي أمنيات العالم الثالث· ولعل تسمية أمنيات على ما يتطلع إليه منظمو هذه القمة أقل ما يمكن أن يقال عنها، سيما وأنهم قرروا إطلاق تلك الأماني من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية·
بين الشرق والجنوب
عندما ظهرت في القرن الماضي، دعاوى الحوار بين الشمال والجنوب اعتقد العالم المتقدم - أو حاول إيهامنا- أنه بذلك يمد يده لنصف الكرة الجنوبي بعد عقود من السيطرة والاستغلال، محاولا اجتثاثه من قاع التخلف، حاول الكثيرون تجاوز الدعوة إلى تأصيل الحوار بين الجنوب والجنوب قبلا، ولأن العولمة كانت فعلا أكثر منها قولا، اتسعت الهوة بين الشمال والجنوب، وتحول الحوار المنشود إلى ذكريات الماضي، بينما فتحت العولمة بابا جديدا لحوار الجنوب بالجنوب، حوارا قديما قرر البعض إحياؤه من جديد·
رغم اتساع الأطلسي بين المنطقة العربية ودول أميركا الجنوبية إلا أن حركة عدم الانحياز كانت أحد جسور التواصل بين الجهتين، فقد كانت دول أميركا الجنوبية من أعضاء المنظمة التي قامت مساندة لحركات المقاومة في منتصف القرن الماضي، ورغم تشابه الأهداف الثورية بين قيادات رئيسية في كلتا الكتلتين مثل مصر والجزائر والأرجنتين وكوبا -على سبيل المثال- إلا أن اللقاءات بينهما لم تثمر تعاونا حقيقيا·
وما يزيد من غرابة الأمر أن الكتلتين متقاربتان في جوانب أخرى غير الظروف الدولية التي أحاطتهما، أن دول أميركا اللاتينية شهدت هجرات عربية متتالية، ففي البرازيل وحدها على سبيل المثال تسعة ملايين لبناني من أصل 12 مليون عربي· ولهذا كان من المفترض أن يكون التعاون عميقا منذ زمن بحكم التواجد العربي الفاعل في دول أميركا اللاتينية·
لم تعمل هذه الروابط وغيرها على دفع الجانبين إلى تبني مشاريع مشتركة تترجم التقارب السياسي والاقتصادي لتحقيق أهداف تخدم التنمية والتطوير والإصلاح· وظل الأمر على ما حاله حتى كانت زيارة الرئيس البرازيلي إلى خمس دول عربية في مارس عام ،2003 وهي الزيارة التي فتحت آفاقا جديدة للتقارب بين الجانبين، فترجم التعاون إلى قمة برازيليا مايو ،2005 والتي يمكن اعتبارها اللبنة الأولى في جسر الترابط بين الشرق والجنوب·
حارس الحديقة الخلفية
قد يكون منظار التحليل الذي يمكن أن ينظر من خلاله مستقبل العلاقة بين الطرفين قاتما، غير أن معطيات الواقع لا تسمح بانسياب ألوان الطيف الأخرى، سيما وأن الجلوس في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة بدون رضاها، أمر لا يمكن أن يمر بذلك الهدوء، فحسبما أكدته مصادر مطلعة ومقربة من المنظمين لقمة برازيليا، إن هناك ضغوطا قوية مورست من الولايات المتحدة على الدول المشاركة في القمة، وهو ما أدى إلى انخفاض درجة التمثيل العربي في المؤتمر، فلم يحضر القمة سوى ستة قادة دول عربية، وهم الرئيس الجزائري 'عبدالعزيز بوتفليقة' الذي ألقى الكلمة الافتتاحية، والرئيس العراقي الجديد جلال طالباني، وأمير دولة قطر حمد بن خليفة آل ثاني، ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، والرئيس الجيبوتي إسماعيل جبلي، وعثمان غزال رئيس جزر القمرن في حين مثلت باقي الدول العربية بمستويات أقل من رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية، الأمر الذي دفع بالأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بمجرد وصوله إلى العاصمة البرازيلية إلى انتقاد مستوى التمثيل العربي بقوله: كنت أتمنى مشاركة عربية أكبر في هذه القمة المهمة·
ولعل ما صرحت به واشنطن قبل انعقاد القمة على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية 'ريتشارد باوتشر' هو ما عزز من هذه التهمة عندما قال: إن بلاده تعترض على مشروع بيان القمة، وإنه قد لا يرى النور أبدا· وقد جاء هذا الموقف بناء على ما تناقلته وسائل الإعلام حول مسودة البيان الختامي الذي يحمل في متنه إدانة لممارسات الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، بل ومطالبة الإسرائيليين بالعودة إلى حدود عام 1967 بموجب قرار الأمم المتحدة، بالإضافة إلى المطالبة بإزالة المستوطنات جميعها - بما فيها مستوطنات القدس الشرقية -، ورغم أن باقي مفردات البيان وبنوده تدور حول أهداف عالمية عامة، تؤيدها أميركا ومنها إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح، ونبذ الإرهاب وغيرهما من القضايا العالمية، إلا أن القلق الأميركي من استغلال منابر القمة لشجب السياسة الأميركية والإسرائيلية غلب على موقفها من القمة·
ويضاف إلى ذلك رفض البرازيل، الدولة المضيفة طلب الولايات المتحدة الأميركية في أن تشارك بالمؤتمر كمراقب، وهو ما لا يمكن التنبؤ بتداعياته، سواء على العلاقة البرازيلية الأميركية أم على مواقف أميركا عامة من مستقبل هذه القمة، التي كان قد قرر وزراء خارجية الدول في اجتماعهم في التاسع من مايو 2005 بأن يتم التنسيق لتشكيل آلية متابعة للقمة واجتماعات كبار المسؤولين قبل عقد قمة جديدة في مراكش بالمغرب عام 2008!·
اقتصاد أم سياسة؟
ولكن هل حقا ينحصر انزعاج الولايات المتحدة الأميركية من هذه القمة فقط في تخوفها من أن يصبح المنتدى منبرا لنقد سياستها، أم أن الأهداف الاقتصادية للمجتمعين في حديقتها الخلفية قد أقلقت مضجعها؟!
ينظر البعض إلى أن مشاركة الشركات العربية في القمة قد عوضت بدرجة كبيرة الغياب الملحوظ للجانب الرسمي، إذ تشارك 800 شركة من كلا الجانبين، بينها 200 شركة عربية في المعرض الذي سيقام في الثاني عشر والثالث عشر من مايو الجاري ،2005 وهو ما يمكن ترجيحه سيما في عصر تعد فيه المصالح الاقتصادية هي المحرك الحقيقي لمجمل التفاعلات الدولية، سيما وأن آفاق التعاون المشتركة بين الجانبين كبيرة وواسعة· وقد فتحت الأجندة الاقتصادية وما تحتويه من قضايا التنمية والقضاء على الفقر والجوع والحفاظ على البيئة· ويبحث الجانبان قضايا اقتصادية متخصصة تعظم من منفعة كلا الطرفين الاقتصادية، خاصة في المشاريع المتعلقة بإرساء دعائم التعاون الاقتصادي في مجالات كالنفط والغاز والطب، غير أن كل آفاق التعاون هذه ستظل رهنا للآليات التي يمكن أن تضمنها الدول المجتمعة في القمة، وهو ما لا يمكن الرهان عليه طالما الإرادة السياسة غير متوافرة· فبالرغم من إصرار الجميع على أن القمة لن تعيد مجرى العلاقات العربية اللاتينية إلى سابق عهدها، إلا أنهم لم يجزموا بشكل المجرى الجديد·
عموما، وكباقي اجتماعات القمم العربية، لم يخل بيان القمة العربية اللاتينية من مطالبات باتت من البنود الثابتة لأي اجتماعات قمة يشارك فيها العرب، بين المطالبة بالسلام العادل والشامل، والمطالبة بمنطقة خالية من السلاح النووي، وأحقية الفلسطينيين بتشكيل دولتهم واحترام وحدة وسيادة العراق ورفض التدخل في شؤونه الداخلية، ونبذ الإرهاب، غير أن ما جد من دعاوى هذه المرة، فكان منه ما تعلق بالعقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، وأن قانون محاسبة سوريا يعد تعديا على المبادئ الدولية، وذلك بجانب دعوة إسرائيل إلى الانسحاب حتى حدود ،1967 فهل جاء العرب بجديد من اجتماعهم في الحديقة الخلفية؟!·

اقرأ أيضا

قتلى في هجوم إرهابي على معسكر للجيش المالي