الاتحاد

عربي ودولي

قمة الدوحة ·· مصالحات ظرفية وتحييد تكتيكي للقضايا الخلافية

لقاء المصالحة بين العاهل السعودي والزعيم الليبي بوساطة أمير قطر خلال قمة الدوحة

لقاء المصالحة بين العاهل السعودي والزعيم الليبي بوساطة أمير قطر خلال قمة الدوحة

حرص القادة العرب على الظهور بمظهر منسجم ومتوافق في القمة العربية الواحدة والعشرين في الدوحة، لم يخف وجود مشاكل مستمرة ومتجذرة في علاقاتهم الثنائية من جهة، وفي علاقاتهم الإقليمية والدولية من جهة أخرى·
ويشي الفرق الواضح بين ''إعلان الدوحة'' والقرارات التي صدرت عن القمة بمدى الخلافات المتجذرة بين الدول العربية·
وعلى الرغم من أن استبعاد مناقشة أو حتى تسمية إيران وحركة ''حماس'' الفلسطينية في أي من الخطابات أو البيانات والقرارت، كان قراراً متعمداً من جميع الأطراف، كل وفقا لاحتياجاته الظرفية، من أجل تحقيق مصلحة مشتركة تقضي بتوفير حد أدنى من مظهر التوافق العربي· لكن نجاح ما أفضت إليه القمة من قرارات وما توجته من مصالحات يبقى رهنا بمراقبة العلاقات الثنائية بين الدول العربية في المرحلة المقبلة·
ومع وصول الانقسامات العربية إلى مداها الأكبر بعد قمة قطر المصغرة في يناير الماضي، وما تلاها من إعلان العاهل الســعودي الملـك عبد الله بن عبد العزيز انطلاق قطار المصالحة في القمة العربية الاقتصادية في الكويت، كان من المنتظر أن يصل إلى محطته الأخيرة في الدوحة· إلا أن ما أفضت إليه قمة الدوحة العربية ترك الأبواب مشرعة على أسئلة عدّة حول طبيعة العلاقات العربية - العربية، العربية - الإقليمية، والعلاقات العربية بالمجتمع الدولي·
العلاقة المصرية ــ القطرية
ويحمل الخلاف المصري القطري بعدين، أولهما مرتبط بالعلاقات الثنائية بين البلدين، ينطلق من قناعة مصرية، أعلن عنها مسؤولون مصريون بصورة مباشرة وغير مباشرة، بدعم قطر لمنظمات وأطراف مصرية معارضة للنظام في مصر·
أما البعد الثاني، فيرتبط بإصرار مصر على لعب دور أساسي في إنجاح الحوار بين الفصائل الفلسطينية، حيث تعتقد مصر أن هناك قوة إقليمية تعمل على إفشال الحوار، ولا تخرج قطر من هذه الدائرة الإقليمية·
وعلى الرغم من مساعي المملكة العربية السعودية لترطيب الأجواء بين البلدين، لكن قرار الرئيس المصري حسني مبارك عدم حضور القمة وضآلة مستوى التمثيل المصري فيها، كشفا عن حجم الهوة في العلاقات المصرية القطرية ونزع عن القمة شعار ''قمة المصالحة''·
ومع أن قطر كانت قررت إلغاء مؤتمر إعادة إعمار غزة لتفسح المجال أمام مؤتمر مماثل في شرم الشيخ إلا أن مصر لعبت دورا أساسيا في استبعاد قطر عن قمة الرياض التي عقدت الشهر الماضي وجمعت السعودية ومصر وسوريا والكويت، وذلك وفق ما أكده مسؤول عربي، فضل عدم الكشف عن اسمه·
وكشف ''إعلان الدوحة'' وشطب عبارة الإشادة بالجهود المصرية في الحوار الفلسطيني والاكتفاء بتثمين الجهود العربية فقط، عن استمرار الخلافات بين البلدين، خصوصا أن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي قال إن شطب العبارة ''يعود إلى أن إعلان الدوحة صاغته الدولة المضيفة ولا علاقة لنا به، وتم توزيعه علينا قبل نصف ساعة من إعلانه فقط''·
وتوقع مراقبون تفاقم الخلافات بين البلدين، مع إعلان الفصائل الفلسطينية أمس عن انتهاء الجولة الثالثة من الحوار الفلسطيني من دون إحراز أي تقدم وتأجيله ثلاثة أسابيع، مما سيفتح الباب مجددا على أسباب التأجيل ودور أطراف إقليمية فيه·
وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قال في خطابه أمام القمة في الدوحة إن ''استمرار التدخل الخارجي في الشؤون الفلسطينية، هو السبب الرئيسي لاستمرار الانقسام الفلسطيني''· ودعا إلى ''التصدي للجهود التي تقوم بها مصر (···) من أجل تحقيق المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية''·
العلاقة السعودية ــ الليبية
على الرغم من نجاح أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في عقد لقاء مصالحة بين العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والزعيم الليبي معمر القذافي· لكن مصدراً عربياً مشاركاً في القمة، قال إن مدى نجاح هذه المصالحة يعتمد على سلوك البلدين المستقبلي·
العلاقة السعودية ــ السورية
خضعت العلاقات بين المملكة العربية السعوديــة وســوريا لقرار الملـك عبد الله بن عبد العزيز العمل على مصالحة عربية عربية بعد قمة الكويت الاقتصادية في يناير الماضي· ولقاء المصالحة الذي تم في قمة الرياض توج مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تلتها زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى الأردن·
وعاد تناقض الموقف السوري من مبادرة السلام العربية، التي طرحها العاهل السعودي في قمة بيروت، ليثير التساؤل حول جدية المصالحة بين البلدين· فسوريا وافقت على قرارات القمة المتعلقة بالالتزام بمبادرة السلام، لكن خطاب الأسد في جلسة إفتتاح القمة، حمل موقفا متناقضا، حيث دافع في خطابه عن طرح تعليق العمل بمبادرة السلام العربية، واعتبر أنها ''مبادرة غير فاعلة ولو تم العمل على تفعيلها''·
وتخضع العلاقات السورية السعودية إلى امتحان جديد في لبنان في شهر يونيو المقبل· حيث إن الانتخابات النيابية اللبنانية ستكون محطة لافتة في كيفية تصرف الطرفين حيال هذه الانتخابات، في بلد لطالما شكل أولوية ومحوراً أساسياً في الخلاف بينهما·
التغيير التكتيكي في الموقف القطري
كان من اللافت تحييد القادة العرب ملفي إيران وحركة ''حماس'' عن نقاشات القمة كافة· وأكد حسام زكي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية أن كلمتي ''إيران'' و''حماس'' لم يتم ذكرهما على الإطلاق في أي من المناقشات خلال أعمال القمة·
واعتبر المراقبون أن تحييد هذين الملفين أتى نتيجة احتياجات ظرفية لجميع الأطراف في تأمين الحد الأدنى من التوافق وإبعاد الخلاف وإظهار القمة بمظهر متماسك·
و''التوبة'' القطرية عن دعوة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وحركة ''حماس''، التي عبر عنها رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في المؤتمر الصحفي الافتتاحي للقمة، انتهى مفعولها مع حلول المؤتمر الصحفي الختامي للقمة، حين قال بن جاسم إن ''توبته'' كانت مجرد ''دعابة''· مما يعكس النوايا التكتيكية للأطراف في إجراء مساومات تجميلية مؤقتة من أجل إنجاح القمة بعيداً عن أي تغيير استراتيجي في المواقف·
من جهة أخرى، حمل قرار قطر بشأن مبادرة السلام العربية تغييراً ''استراتيجياً'' قضى بتراجعها عن ما آلت إليه قمة الدوحة المصغرة من تعليق العمل بالمبادرة·
وقال مصدر عربي شارك في القمة، إن قطر عادت عن قرار تعليق المبادرة بسبب ما تعرضت له من ضغوط أميركية إسرائيلية بعد قمة الدوحة المصغرة· وكشف المصدر أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني ''رفضت'' تلقي مكالمات من نظيرها القطري حمد بن جاسم، على خلفية قرار قطر تعليق العمل في مكتب التمثيل الديبلوماسي الإسرائيلي في الدوحة في فبراير الماضي·
الموقف من قرار البشير
إلى ذلك، حمل ''رفض'' القادة العرب في الدوحة قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير، بذور أزمة مستقبلية ستواجه العرب في استصدار قرارات دولية مشابهة تتعلق بتحقيق العدالة، خصوصا في لبنان وفلسطين·
وعلى الرغم من أن هذا الرفض لن يكون له انعكاسات قانونية مباشرة على الدول العربية، إلا أنه سيضعف قدرة العرب على اللجوء إلى العدالة الدولية في قضايا الجرائم التي تمارس ضدهم·
واعتبر محللون أن هذا الرفض سيكون له انعكاساته على المساعي الفلسطينية لرفع دعوى ضد المسؤولين الإسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين في غزة· وكان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أكد أن بلاده تعمل حاليا مع مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو من أجل المضي قدما في هذه القضية· وقال المالكي إن فريقا فلسطينيا التقى أوكامبو مرتين وقدم له وثائق على الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين· وأوكامبو هو المدعي العام ذاته المعني مباشرة بقضية البشير·
وحملت قمة الدوحة في شكلها ومضمونها مشاريع أزمات مستقبلية سيواجهها القادة العرب في علاقاتهم الثنائية من جهة وفي علاقاتهم مع المجتمع الدولي من جهة أخرى·
وكشف ''إعلان الدوحة'' وخصوصا في البند المتعلق بالمصالحة العربية، عن آنية الحلول المطروحة مقارنة بـ''تاريخية'' الخلافات بين الدول المشاركة·
ولم يطرح سوى جراحات تجميلية على العلاقات بين الدول واكتفى بالتشديد على ''تسوية الخلافات العربية بالحوار الهادف والبناء''· دون وضع أسس واضحة حول كيفية التعامل مع قضايا خلافية واضحة

اقرأ أيضا

المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي: سندخل طرابلس خلال أيام