ثقافة

الاتحاد

أسلاف شارلوك هولمز.. طرق البحث عن الحقيقة

جينيور في دور شارلوك هولمز

جينيور في دور شارلوك هولمز

قد يعود الفضل في إعادة إحياء شخصيّة شارلوك هولمز الّتي ابتدعها السّير آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle إلى السيناريست والمنتج السّينمائي البريطاني ليونال ويغرام Lionel Wigram. فقد اكتشف وهو يعيد قراءة روايات كونان دويل أنّ الصّورة التّاريخيّة الّتي رسخت في أذهان القرّاء تعود إلى سنة 1930 لمّا تقمّص الممثّل البريطاني بازيل راثبون Basil Rathbone، شخصيّة هولمز وحوّلها إلى «جنتلمان بريطاني»، غير أنّ الغوص في عالم كونان دويل التّخييليّ قد كشف لليونال ويغرام شخصيّة حديثة جدّا فيها جانب بوهيميّ طريف، كأن يُمضي أسبوعين دون أن يحلق ذقنه.
وعندما أراد كتابة سيناريو فيلم «شارلوك هولمز» قرّر أن تكون الشّخصيّة في صورتها السّينمائيّة أقرب ما يكون من صيغتها الرّوائيّة الّتي ابتدعها كونان دويل.
لعلّ هذا الجانب البوهيميّ الّذي يمكن أن نلمحه في استهلاكه المفرط للتّبغ في رواية «كلب آل باسكرفيل»، أو تعاطيه للكوكايين في رواية «عصابة الأربعة» (العنوان العربي لرواية Signe des Quatre) هو الّذي جعل شخصيّة هولمز الّتي تقمّصها روبرت داوني جينيور Robert Downey Jr.، في الفيلم الّذي أخرجه البريطاني غي ريتشي Guy Ritchie سنة 2009، تبدو جديدة حديثة مختلفة عن شخصيّة المفتّش النّمطيّة بقبّعته وغليونه الشّهيرين.
ففي هذا الفيلم يرتدي هولمز ملابس بطريقة بوهيميّة، ويعتمر قبّعة الدّوكارdocker (عمّال الميناء) ويتنكّر مُغيّرا من أزيائه باليسر الّذي يغيّر به أحذيته.
وهيّأه ذلك لينهض بدور الجاسوس الّذي يضع نظارة شمس سوداء.
وهو إن كان يستعمل ذكاءه الخارق لفكّ أعقد ألغاز الجريمة فإنّه في هذا الفيلم، وفي الجزء الثّاني الّذي يليه «شارلوك هولمز ولعبة الظّلال» لا يتورّع من استعمال قبضة يده أو السّيف أو العصا للخروج من المآزق القاتلة. فهو يحذق فنّ القتال الآسيويّ بارتيتسوbartitsu، الّذي نشأ في الأصل في إنجلترا بين السّنوات 1898 و1902، وخلّد ذكره كونان دويل في «المشكلة الأخيرة»، تلك الرّواية الّتي قضى فيها المؤلّف على بطله في معركة جمعت هولمز مع عدوّه الرّهيب البرفيسور موريارتي Moriarty، وانتهت بسقوطهما من منحدر عال، قبل أن يعيد إحيائه، بضغط من الجمهور، في قصّة «المنزل المهجور» سنة 1901.

فكّ الألغاز
السّمات القتاليّة الّتي استغلّتها السّينما الأميركيّة في إعادة إخراج شخصيّة هولمز، وجعلها قريبة من الأبطال الجواسيس وأبطال الكينغ فو، لا ينبغي أن تخفي عنّا الجانب الأهمّ من هذه الشّخصيّة الشّهيرة، وهي طريقته الفذّة في فكّ الألغاز، وكشف الحقائق الغامضة.
وهي طريقة لم يبتدعها كونان دويل، فقد كانت رائجة في زمانه في علوم شتّى، ومعروفة قبل زمانه منذ أن أتقن الإنسان علوم القيافة والعيافة والفراسة.
كلّ ذلك يدعونا إلى الحديث عن أسلاف شارلوك هولمز في فنّ قراءة الآثار واستقراء القرائن واستنطاق الإشارات.
وأقرب أسلافه في الزّمان هو الإيطالي جيوفاني مورالّي Giovanni Morelli، فهذا الطّبيب المولع بالفنّ لم تمنحه السّياسة، وقد كان وجها من وجوهها البارزة في إيطاليا القرن التّاسع عشر، من الشّهرة ما يضاهي شهرته في تاريخ الفنّ، حيث عرف في أوساط المتاحف وأروقة الفنون بطريقته التّحليليّة في تمييز الآثار الفنّيّة الأصليّة من النّسخ الزّائفة، وكانت متميّزة عن طريقة أخرى كانت سائدة في عالم الفنّ خلال القرن التّاسع عشر، هي طريقة «العارف» أو «الخبير» connoisseurship. وهي تتمثّل في ربط الأثر الفنّي باسم صاحبه، ونسبته إليه لإثبات ملكيّته له، وبهذه النّسبة تتحدّد قيمة الأثر الفنّيّ الماليّة الّتي اقترنت تاريخيّا بسوق الفنّ القائم على المضاربة ومفهوم الشّخصيّة (الفنّيّة)، فنشاط العارف مرتبط بهذه السّوق وبتاريخ الفنّ وبكفايته في تحديد هويّة الأثر الفنّيّ (بنسبته نسبة صحيحة إلى صاحبه)، وقيس جودته بما يسمح بتذوّق خصوصيّة كلّ أثر وتقديره حقّ قدره.

«الطّريقة الموراليّة»
بين سنتي 1874و1876 كتب جيوفاني مورالّي سلسلة من المقالات باسم روسيّ مستعار هو إيفان لارمولياف Yvan Lermolieff.
وترجمها إلى الألمانيّة جواناس شوارزي Johannes Schwarze. سيتّضح بعد سنوات أنّ ذاك الاسم إنّما هو مجرّد ترجمة ألمانيّة حرفيّة لاسم جيوفاني مورالّي، أمّا إيفان لارمولياف فليس سوى تصحيف روسيّ لاسمه الإيطاليّ. في هذه المقالات اقترح طريقة جديدة في نسبة اللّوحات الفنّيّة إلى أصحابها اشتهرت في أوساط تاريخ الفنّ باسم «الطّريقة الموراليّة»، ففيم تتمثّل هذه الطّريقة؟ يرى جيوفاني مورالّي أنّ المتاحف مليئة بلوحات زائفة النّسبة، ومن الصّعب إسناد اللّوحة إلى صاحبها الحقيقيّ، ففي الكثير من المناسبات نجد لوحات مجهولة النّسب أو أعيد رسمها دون أن نعرف اسم من رسمها.
ولتمييز اللّوحات الأصليّة من الزّائفة وجب إهمال الخصائص الظّاهرة للعيان والاعتناء بالتّفاصيل المنسيّة المهملة الّتي قلّ من يلحظها من نقّاد الفنّ وعشّاقه، على غرار شحمة الأذن، والأظفار، وشكل الأصابع في اليد والقدم.
ويسّرت هذه الطّريقة على جيوفاني مورالّي أن يفرّق بين شكل الآذان عند الرّسّام صندرو بوتيتشالي Sandro Botticelli، وشكل الآذان عند الرّسّام كوسمي تورا Cosme Tura، بحصر مجموعة من السّمات كانت موجودة في اللّوحات الأصليّة وغائبة في النّسخ الزّائفة. وبهذه الطّريقة أمكنه أن يعيد النّظر في العشرات من اللّوحات المعروضة في أكبر المتاحف الأوروبيّة، ويحدّد من جديد نسبتها إلى أصحابها الفعليّين. وقد رأى أحد المختصّين في تاريخ الفنّ، وهو إدغار ويند Edgar Wind، أنّ «الطّريقة الموراليّة» شبيهة بطريقة مفتّش الشّرطة.
ففي كتب مورالّي جانب شاذّ لا نجده في كتب مؤرّخي الفنّ، فهي مليئة بصور الأصابع والآذان، فصارت بمثابة كشّاف لا يعتني إلاّ بجمع هذه التّفاصيل الّتي يخلّفها هذا الفنّان أو ذاك في اللّوحة، على نحو يشي بهويّته ويميط اللّثام عنها، تماما كمقترف الجريمة الّذي تخونه بصماته.
ويختم ويند وصفه لهذه «الطّريقة الموراليّة» بهذه العبارة: «ما أن يشرع مورالّي في دراسة رواق من أروقة الفنّ حتّى يُضْفَى عليه مظهر متحف من متاحف الجريمة»، وقد استغلّ ناقد فنّ آخر، وهو كاستالنيوبو Castelnuovo، هذه المقارنة ليعقد علاقة بين طريقة مورالّي في استقراء القرائن والعلامات وطريقة معاصره كونان دويل الّتي كان ينسبها إلى شارلوك هولمز، فيصبح عنده هاوي الفنّ شبيها بمفتّش الشّرطة الّذي يكتشف مقترف الجريمة مستندا إلى القرائن والإشارات الّتي لا ينتبه إليها أغلب النّاس.

فرويد متأثراً
وممّا يثبت تأثّر دويل بطريقة مورالي هو لقاء النّاقد والرّسام هنري دويل، عمّ كونان دويل، الّذي كان يشغل خطّة محافظ رواق الفنّ الوطني بدبلن، بجيوفاني مورالّي سنة 1887، مخلّفا فيه أفضل الانطباعات. ويُستنتج من ذلك أنّ كونان دويل كان يعرف طريقة مورالي الّذي ظهرت كتاباته لأوّل مرّة في إنجلترا سنة 1883. ولم يبدأ دويل الكتابة إلاّ سنة 1887، ويبدو أنّه اطّلع على كتابات مورالّي بوساطة عمّه. بيد أنّ دويل لم يكن المتأثّر الوحيد ب«الطّريقة الموراليّة» فقد شاركه في ذلك طبيب آخر هو سيغموند فرويد، ففي مقالته «موسى كما رآه ميكال أنجلو» يذكر شبه هذه الطّريقة بالتّحليل النّفسي.
ويبدو أنّ «الطّريقة الموراليّة» أضحت تمثّل، في نهاية القرن التّاسع عشر، عند بعض مؤرّخي الفنّ، وهو الإيطاليّ كارلو قينزبورغ Carlo Ginzburg، «أنموذجا» paradigme (بالمعنى الّذي حدّده طوماس كونThomas Khun) أو منوالا إيبستمولوجيّا في حقل العلوم الاجتماعيّة، أصبح منذ العقد الأوّل من قرننا الحالي موضوعَ بحث سيميائيّ أعيد فيه تقييم «المنوال البوليسي» في العثور على «الأشياء الغائبة» بطريقة مخصوصة في استقراء «الأثر» قد وجدت صياغتها السّرديّة في روايات آرثر كونان دويل، وبطلها الشّهير شارلوك هولمز، وصياغتها النّظريّة السّيميائيّة في أعمال شارل سندرس بيرس الفلسفيّة.
من الشّيّق أن نجد أصول هذا «المنوال البوليسي» البعيدة في تعريف الباقلاّني للدّليل عند العرب: «وسمّت العرب أثر اللّصوص دليلا عليهم، لمّا أمكن معرفة مكانهم من جهته» وهو بهذه العبارة المكتنزة يصف طريقة العرب في العثور على أماكن اللّصوص، وهي لا محالة ليست ببعيدة عن طريقة مفتّشي رجال الشّرطة منذ نهاية القرن التّاسع عشر، فأبطال الرّواية البوليسيّة، كشارلوك هولمز، كانوا يكتشفون مقترف الجريمة بالاستناد إلى القرائن والإشارات الّتي لا ينتبه إليها أغلب النّاس.
ويبدو أنّ هذه الطّريقة قد شاعت كثيرا في القرن التّاسع عشر، وتحديدا بين 1870 و1880، حتّى صارت تمثّل عند كارلو قينزبورغ أنموذج الإشارة والقرينة.
وطغى هذا الأنموذج في مجال العلوم الإنسانيّة، فسُمّي بتسميات مختلفة باختلاف الاختصاصات.
فقد أطلق عليه طوماس هوكسلاي Thomas Huxley، في سلسلة محاضراته للتّعريف باكتشافات داروين، تسمية «طريقة زديج»، نسبة إلى زديج بطل رواية فولتير.
وهي طريقة إجرائيّة مشتركة بين التّاريخ والحفريّات l’archéologie، والجيولوجيا، وعلم الفلك الفيزيائي، وعلم الإثالة paléontologique.
وتتمثّل في قدرتها على القيام بتكهّنات ارتجاعيّة، أو بتنبّؤ متّجه إلى الماضي.
غير أنّ هذه الطّريقة وإن تجدّد استعمالها لها جذور ضاربة في القدم، تعود إلى طور الإنسان الصّيّاد الّذي تعلّم، بمرور الزّمن، كيف يقتفي آثار طريدته، ويؤوّلها ويصنّفها.
ولئن كان فنّ المطاردة هو المجال الأوّل الّذي مارس فيه الإنسان «علم القيافة» بتتبّع الآثار الّتي خلّفتها الطّرائد إلى أن يصل إلى مواضعها وأمكنتها، فإنّه قد مثّل كذلك مجال التّجربة الّذي مورست فيه السّيميائيّات على نحو عفويّ.

«طريقة زديج».. تنبّؤ متّجه إلى الماضي
«طريقة زديج»، نسبة إلى زديج بطل رواية فولتير، هي طريقة إجرائيّة مشتركة بين التّاريخ والحفريّات l’archéologie، والجيولوجيا، وعلم الفلك الفيزيائي، وعلم الإثالة paléontologique، وتتمثّل في قدرتها على القيام بتكهّنات ارتجاعيّة، أو بتنبّؤ متّجه إلى الماضي، غير أنّ هذه الطّريقة، وإن تجدّد استعمالها، لها جذور ضاربة في القدم، تعود إلى طور الإنسان الصّيّاد الّذي تعلّم، بمرور الزّمن، كيف يقتفي آثار طريدته، ويؤوّلها ويصنّفها. ولئن كان فنّ المطاردة هو المجال الأوّل الّذي مارس فيه الإنسان «علم القيافة»، بتتبّع الآثار الّتي خلّفتها الطّرائد إلى أن يصل إلى مواضعها وأمكنتها، فإنّه قد مثّل كذلك مجال التّجربة الّذي مورست فيه السّيميائيّات على نحو عفويّ، ووجد كارلو قينزبورغ في حكاية «الإخوة الثّلاثة» صدىً متأخّراً يترجم، وإن بشيء من التّحريف، تجربة الصّيّادين الأوائل، وهي تقصّ حكاية ثلاثة إخوة التقوا برجل أضاع جمله أو حصانه، فأخبروه عن صفاته دون أن يروه، وهي في الأصل قصّة مشرقيّة، نجد لها صيغة فلسفيّة عند فولتير في الفصل الثّالث «الكلب والجواد» من رواية «زديج».
ومشهد وقوف زديج أمام القضاة يشبه مشهد وقوف «الإخوة الأربعة» أمام الحكم «الأفعى بن الأفعى الجرهميّ»، في القصّة العربيّة الّتي أوردها المسعودي في كتابه «مروج الذّهب». يشترك الإخوة الأربعة مع «زديج» في إنكارهم رؤية ما يعرفونه، وقد وضعهم إنكارهم ذاك في موضع الجاحد أو الكاذب، بل وضعهم أمام مفارقة عجيبة، تمثّلت في أنّ المعرفة الحاصلة بمعاينة الآثار تتعلّق في الحقيقة بشيء لم يُعاين قطّ، ورغم أنّ العيان لم يُدْركْه، ولم يُحط به البصر، لأنّه شيء من «الأشياء الغائبة»، فإنّ المعرفة به تكاد تكون تامّة، كأنّه حاضر بتمامه وكماله، فالعيان المباشر في الدّرجة الصّفر، لانعدام حدوثه، وقد جرت العادة أنّه إذا كان المُعاين لم يَر شيئاً استحال عليه أن يُخبِر بأيّ شيء، فالإخبار عن شيء معدوم لم تره العين هو محض تنبّؤ وتكهّن أو اختلاق وكذب، وكلّ إخبار عن شيء غائب لم «يُدركه العيان» هو كالإخبار عن المعدوم بألفاظ الموجود.

اقرأ أيضا

«مثل ماسة في السماء».. رواية القاع المظلم في بنغلاديش