ثقافة

الاتحاد

إبراهيم سالم: مسرحنا يُعاني

 «الساعة الرابعة» تم عرضها 14 مرة

«الساعة الرابعة» تم عرضها 14 مرة

يعتبر الفنان إبراهيم سالم (56 عاماً) من أبرز صنّاع المشهد الجديد في المسرح الإماراتي، وهو يعد من أكثر الفنانين حضوراً ومشاركةً في مختلف الأنشطة المسرحية التي أقيمت في الدولة خلال العقود الأربعة الماضية. ومن خلال عمله كممثل في العشرات من العروض وكذلك عبر شغله الإخراجي أو في الإدارة المسرحية، تعمق سالم، الذي تشكلت تجربته الفنية، بمزيج من الخبرة الذاتية والدربة الأكاديمية، في فهم ودراسة وفحص الممارسة المسرحية المحلية: إشكالياتها وإشراقاتها. في حديثه إلى «الاتحاد الثقافي»، يتكلم عن التطور، والتمويل، والتفرغ، والإدارة، في المسرح الإماراتي باعتبارها من التحديات التي يلزم أن يتشارك المجتمع المسرحي والثقافي في وضع الحلول لتجاوزها.
بدايةً، وفي إجابته عن سؤال حول تنامي الحركة المسرحية الإماراتية مع مرور الوقت، قال: في موضوع التطور، علينا أن نتذكر أن المسرح الإماراتي قام بمبادرات فردية لا مؤسساتية، منذ بداياته، ولكنه يحظى الآن بدعم كبير من الدولة؛ يمكننا أن نعتبر هذا الانتقال من التطورات المهمة، ولكن حين يُطرح سؤال التطور المسرحي في وقتنا الراهن، فإنني لا أفكر بموضوع الجودة الفنية للعمل المسرحي بوصفها معياراً، ولكنني أفكر بالمحيط العام الذي يُنتج ضمنه هذا العمل المسرحي، أي الظروف التي يعيشها المسرحيون؛ فلنسأل الآن: إلى أي حدٍ من التقدم والازدهار كان يمكن لمسرحنا أن يصل لو كان لدينا تقليد مثل «التفرغ الفني» في ممارستنا المسرحية؟
طيلة ثلاثة عقود ظللنا ننادي بضرورة المصادقة على قانون للتفرغ الفني، حتى يعمل الفنان بتركيز وحافزية وفي وقت أطول، على منجزه المسرحي، ومن دون أن يكون مضغوطاً بأية التزامات مهنية أخرى. لكن لا استجابة.
نحن محظوظون بوجود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لأن سموه فتح لنا الطريق، وأزال، برعايته ودعمه اللامحدودين، العوائق والحواجز التي كانت تنهض أمامنا. لقد قدم لنا صاحب السمو حاكم الشارقة كل الدعم حتى نتجاوز التحديات، وبفضله ارتقى مستوى مسرحنا وانتقل انتقالات كبرى، بشهادة الناس من حولنا، خاصة من خلال المهرجانات؛ والنجاحات التي حققها المسرح الإماراتي.. الجوائز التي حصدناها، ومستويات المنافسة التي بلغناها، والدعوات التي تتلقاها فرقنا من مختلف أنحاء العالم، ما كان لكل ذلك أن يتحقق لولا دعم سموه.

التسويق الغائب
إلى جانب مسألة «التفرغ» الذي أتمنى أن تتم الاستجابة له، هناك الموضوع الشائك الثاني.. وهو «التسويق»، لقد اكتشفتُ بعد أربعين سنة من الممارسة المسرحية، أننا لم ننجح على مدى الوقت في أن ننتقل بعروضنا المسرحية من فضاءات المهرجانات المؤقتة بليلة واحدة إلى المجال العام لنعرض مسرحياتنا لأكثر من أسبوع أو شهر، في حين هناك العديد من المسارح العربية من حولنا ـ حتى المسفة منها ـ تواصل تقديم أعمالها لشهور، بل ولسنوات عدة. لماذا نحن لا نقدم أعمالنا المسرحية سوى لوقت محدود، والعرض الذي ينجح في تقديم ثلاثين ليلة يعتبر «شاطر»؟
في تقديري، أن هذه المشكلة سببها الأساس هو اعتماد فرقنا المسرحية على الدعم السنوي الذي تقدمه لها وزارة الثقافة أو دائرة الثقافة في الشارقة، وهو دعم يأتي بصفة سنوية وتنتظره الفرق، إما لتسد به نفقات التشغيل المتعلقة بمقارها كالكهرباء والماء والاتصالات، أو لإنجاز عرض مسرحي واحد للمشاركة به في أيام الشارقة المسرحية.. لماذا؟
تظن الفرق المسرحية أن رؤساء إداراتها يجب أن يكونوا من المجال المسرحي وهنا مكمن الخطأ، ففي تقديري أن مدير الفرقة يجب أن يكون عارفاً بشؤون التسويق والترويج وفتح منافذ العلاقات العامة مع المؤسسات الخاصة والرسمية، التي يمكن أن ترعى أنشطة هذه الفرقة أو تدعمها أو تشتري من عروضها. في ظني أن أي مدير فرقة مسرحية لا ينجح في اكتشاف مصادر تمويل جديدة ومؤثرة، وفي خلق الفرص وإثراء عضوية الفرقة، هو مدير بلا جدوى. نحن نعاني فعلاً في هذا الجانب؛ فلنأخذ مثلاً مسرحيتي «الساعة الرابعة» بعد تقديمها في «أيام الشارقة المسرحية» (مارس 2019)، نجحت في عرضها 14 مرة، ولعلي بذلك صرت أكثر من قدم عرضه للجمهور خلال الفترة الماضية، لكن ما الذي حصل بعد ذلك، ببساطة: توقفنا. هذه إمكانيات محدودة، لكن لو كان لدى الفرقة مدير تسويقي، لكنا حصلنا على فرص أوسع وتنقلنا لجغرافيات أكبر. إنني أعوّل على أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية في هذا الجانب، فثمة تخصص بها يُعنى بإدارة الإنتاج، وآمل أن يثمر في السنوات المقبلة اختصاصين مؤهلين في هذا الجانب.

كثرة وقلة
** هناك أكثر من 16 فرقة مسرحية، هل هذا عدد ضئيل أم كبير، وكيف أثر على حجم الدعم الرسمي؟
- الفرق زادت أم نقصت، هذا ليس مؤشراً على حيوية النشاط المسرحي في الدولة، في بلد مثل الكويت الذي يعتبر رائداً في حراكه المسرحي، مقارنة بالإمارات هناك أربع فرق مسرحية فقط، لكن في ما يتصل بتأثر الدعم المالي الذي تقدمه الدولة للمسرح مقارنة بتزايد أعداد الفرق، فدعم الدولة منذ 1975 لم يتغير، في البداية، كان لدينا أربع فرق، وكانت كل فرقة تنال نحو ثلاثمائة ألف درهم، ومع تزايد الفرق تقلص التمويل، بحيث صار نصيب كل فرقة (نشطة) نحو مئة ألف درهم، وسبعين ألف درهم للفرق غير النشطة، وهذا الدعم، اليوم، ينفد حتى قبل أن تختتم أيام الشارقة المسرحية، في مستلزمات الإنتاج والديون وأجور الفنانين. لكن هذا الأمر يعود بنا إلى أمر الإدارات في هذه الفرق، فهي لا تعرف أي مصدر للتمويل سوى الدعم السنوي الذي يأتيها من الوزارة..
** تشتكي العديد من الفرق المسرحية المحلية من ارتفاع أسعار بعض الفنانين (النجوم)؛ فكيف يمكن لوضع لائحة تصنيفية، بحسب الخبرة والشهادة الأكاديمية، لجميع المشتغلين بالمجال ومكافأتهم حسب درجاتهم التصنيفية هذه.. أن يساعد في هذا الجانب؟
- لديّ أربعين سنة عمل في هذا المسرح، عليّ أن أقيّم نفسي كممثل بالطريقة التي أجدها تناسب خبرتي وما أنفقته من وقت وجهد حتى أجودها. لا ولن أعمل بمبلغ مالي زهيد. على فكرة، ما نأخذه كتعويض مادي هو قليل جداً، مقارنة بما يناله الفنان في بلدان عربية مجاورة. انظر إلى الطاقة التي يستنفدها المخرج محمد العامري، الجهد الذهني والبدني، يترك بيته ويعود فجراً، والسهر والتوتر، كل هذا لا يأخذ نظيره إلا القليل جداً من المال. أنا مع تصنيف الفنانين على درجات، وتكون هذه الدرجات تبعاً لخبرة كل فنان ومساره المسرحي، لكن متى يناسبنا هذا التصنيف؟ حين يكون لدينا حراك مسرحياً حقيقي، وحين تكون الفرق مؤسسات فنية نشطة لا تحصر أفقها على «دروع» أيام الشارقة المسرحية وجوائزها.

سطوة النجوم
في إجابته على سؤال: لماذا يبدو كما لو أن فرص المشاركة في العروض والجوائز لا تذهب إلا لقلة من المسرحيين؟ قال سالم: هذا صحيح، هناك قلة من الفنانين تتم دعوتها للمشاركة في العروض وهي التي تظفر بالجوائز أيضا، ولكن المسألة مرتبطة بما قبلها، حين يكون كل همّ إدارات الفرق هو الفوز بجوائز المهرجان فما الذي تفعله؟ إنها تضع كل تركيزها على «الأسماء» الجاهزة، تبحث عن المخرج والممثل والتقني الذي يأتي لها بجائزة لا ذاك الذي ما زال في مستهل حياته المهنية فهي تخشى أن تخسر الجائزة.
وشأن سيطرة بعض الأسماء لا يقتصر على المشاركين في العروض، ولكن حتى في مسألة الإشراف على الورش والمشاركين في الندوات، تجد أن هناك أربعة أو خمسة أسماء تتكرر هنا وهناك، كيف يمكن للأجيال الجديدة أن تظهر مع وضع كهذا؟ علينا أن نفسح المجال للشباب، نتقبل الأخطاء الصغيرة التي يمكن أن تحصل لأجل بناء المستقبل. نحن في حاجة للتفكير خارج إطار ذواتنا.

اقرأ أيضا

«مثل ماسة في السماء».. رواية القاع المظلم في بنغلاديش