بالرغم من اختلاف الزمن وتعاقب أجيال وأجيال عن حرب الفيتنام ونسيان العالم لإحدى اقوى الحروب شراسة وألماً إلا أن الشعب الفيتنامي لم تفارقه مشاهد البطولة ليوم واحد وظلت راسخة في أذهان الكبار والصغار لأنهم ورثوا روح البطولة والتحدي متغلبين على فقرهم ومتسلحين بروح الإصرار والعزيمة في مواجهة الظروف الصعبة التي يعيشها بلدهم منذ أيام الحرب الأميركية· وبالرغم من ان المجال الذي نتواجد فيه هذه الايام هو رياضي بحت لا علاقة له بالحروب وآلامها وانما يتعلق بنشر روح التاخي والتحابب بين الشعوب فان من يدخل ملعب '' ماي دينه '' -اي استاد السلام - ستحمله الذاكرة الى مشاهد خالدة في تاريخ الصمود والتحدي وتحقيق الحلم· وصحيح أن ملعب ''ماي دينه'' لا يتسع إلا لأربعين ألف متفرج إلا أن من يدخله يحس وكانه في مواجهة العالم باكمله من اثر تكاتف هذا الشعب واتفاقه على كلمة واحدة ونطقه بصوت واحد· فالجماهير الفيتنامية تختلف تماما عن بقية الجماهير التي عرفناها سواء في ملاعبنا او بالملاعب العالمية الشهيرة· وبالرغم من تواضع امكانات منتخب فيتنام وعدم شهرة لاعبيه او تواجد نجوم في صفوفه إلا أن الدعم الذي يلقاه هذا المنتخب في بطولة الأمم الآسيوية والتشجيع منقطع النظير الذي يحظى به في كل مبارياته يفوق ما تلقاه اكبر المنتخبات العالمية الكبرى التي تعج صفوفها بنجوم اللعبة· ومن خلال تواجدنا في فيتنام عايشنا مشاهد مختلفة من التشجيع نرصدها في النقاط التالية: في البداية يعتبر الجمهور الفيتنامي الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 85 مليون ساكن ان عدم امتلاء الملعب الجديد يعد امرا مخجلا لشعب عرف بتواجده الكبير في الاحداث الكبرى وتكاتفه وراء من يمثل فيتنام الى جانب عدد المولعين بكرة القدم والمتابعين لاخبارها· وبالتالي فإن نفاد التذاكر قبل كل مباراة يخوضها المنتخب الفيتنامي يعد امرا طبيعيا للاقبال الكبير الذي تشهده شبابيك بيع التذاكر قبل انطلاقة البطولة الاسيوية الامر الذي جعل اللجنة المنظمة توزع التذاكر على شبكة الانترنت لايجاد مبدأ العدالة في الدخول الى الملعب وتشجيع المنتخب الفيتنامي· كما تعد البطولة الاسيوية الحدث الذي انتظره الجمهور الفيتنامي طويلا ليشاهد بلده تحتضن لاول مرة هذا الحدث القاري الكبير والعودة بعد 47 عاما الى هذه التظاهرة الكروية الكبرى وفتح صفحة جديدة من تاريخه الكروي بعد ان ابعدته الحروب والازمات السياسية طويلا عن التمثيل الخارجي · تكتيك فيتنامي من يتواجد في ملعب ''ماي دينه '' قبل المباراة بساعة واحدة سيصاب بخيبة امل عندما يشاهد مدرجات الملعب فارغة تماما من الجماهير باستثناء اعداد متفرقة جاءت مبكرا لوضع الاعلام ونشر اللافتات· وقد يتساءل البعض اين هي الجماهير الفيتنامية التي نشاهدها تملأ الدنيا لتشجيع منتخبها· لكن قبل انطلاقة المباراة بنصف ساعة فقط لن تصدق عينيك وان ترى الكم الهائل من الجماهير ينتشر في ارجاء الملعب بسرعة البرق بفضل تواجد حوالي 40 بوابة دخول تسهل عملية الدخول والخروج بسرعة· فهذا التكتيك يصيب المنتخب الذي سيلعب امام الجماهير الفيتنامية لانها تباغته من دون ان يتصور هذا الكم الهائل من المشجعين الذين يصلون في اخر لحظة ويولعون المدرجات تشجيعا مستعملين كل انواع التشجيع المعروفة من آلات موسيقية وطبول ومزامير مروعة المنافس بالهالة التي تحدثها في المدرجات· ''نفس طويل'' في التشجيع لا يمكن ان تتوقف الجماهير الفيتنامية للحظة واحدة خلال المباراة الامر الذي يحير المنافس ويخلق ضغطا نفسيا متواصلا على لاعبيه· فالجماهير تؤازر منتخبها طوال اللقاء سواء كان منتخبها يملك الكرة او الهجمة عليه حيث تملك الجماهير الفيتنامية نفساً طويلاً في التشجيع وتشعر لاعبيها بتواجدها القوي الى جانبهم· وتشعر الجماهير الفيتنامية في المدرجات بان المباراة لا تلعب داخل الملعب فقط وانها لم تأت لمشاهدة عرض كروي ثم المغادرة وإنما دورها اكبر بكثير من ذلك فيوم المباراة هو يوم الجماهير اولا ثم اللاعبين والذي يدخل الملعب عليه ان يتحلى بهذا الشعور النابع من الاصرار والعزيمة على تحقيق الفوز والخروج بنتيجة ايجابية لان الجميع شركاء في المصير والفرحة ستعم الجميع وليس اللاعبين فقط وهو امر ليس بغريب عن دولة تطبق الاشتراكية في نظامها الى يومنا هذا· وتحدث الاهازيج واصوات المشجعين هالة كبيرة بالملعب تبعث الرعب في المنافس خاصة اذا كان من الفرق التي لم تتعود اللعب في مثل هذه الظروف مثلما حصل لمنتخبي الامارات وقطر في هذه البطولة الاسيوية حيث تاه المنتخب الاماراتي في الملعب من وقع الصدمة وخسر معركته مثلما ارتبك المنتخب القطري وارتجفت فرائسه في الشوط الاول وخسره بهدف نظيف قبل ان يصحح اموره ويخرج بنقطة يتيمة · الضعف يتحول إلى قوة لا يختلف اثنان على ان المنتخب الفيتنامي هو الاضعف في مجموعته مقارنة بمنتخبات تعد ابطالا مثل اليابان حامل لقب البطولة الاسيوية والامارات بطلة كاس الخليج وقطر بطلة الاسياد لذلك فان الشعور بالضعف ولد قوة في منتخب فيتنام بفضل روح الاصرار والتحدي اللذين تسلح بهما اللاعبون وحفزهم اليه الجمهور فالاحساس بالضعف ضاعف من العطاء وتحول الى قوة ضاربة لا تؤمن بالمهارات والفنيات والخبرة والتجربة وتعطي لكرة القدم معنى جديدا هو التحدي· فما لاحظناه في ملعب ''ماي دينه '' هو اشبه بسيمفونية يشارك في عزفها كل من يدخل ارض الملعب او يجلس على مدرجاته فالشعب الذي تحدى الفقر وضعف الامكانات وغلب الاميركيين وطردهم من ارضه ليس بغريب ان يكون التحدي المبدأ الذي يعيش ويحيى عليه· فالامكانات الكروية التي تحظى بها بقية منتخبات المجموعة والتطور الذي تعيشه سواء في منشآتها الرياضية او في عملية ادارة اللعبة وتطبيق الاحتراف يفوق بكثير وضع كرة فيتنام والتي مازالت تحبو للخروج من واقعها الصعب خاصة إذا علمنا أن دولة كاملة عدد سكانها 85 مليوناً لا تضم سوى 52 نادياً وتدار المسابقة فيها بنظام نصف احتراف · روح الانتماء وحب البطولة عمقت النتائج الايجابية التي حققها المنتخب الفيتنامي روح الانتماء والفخر بهذا المنتخب الكروي الذي ظهر في مجموعته بمظهر البطل خاصة بعد ان قلب التوقعات وحقق نتائج لم تكن في الحسبان مما زاد من جماهيرية اللعبة وحمس الجماهير الغفيرة للاقبال على بقية مبارياته· ولم يكن الشعب الفيتنامي على ما هو عليه الحال قبل انطلاقة البطولة فمنتخبه أضفى أجواءً جديدة في الشوارع وحرك الناس لحمل الاعلام واللافتات وارتداء فانلات المنتخب والاهتمام بكرة القدم بعد سنوات عجاف لم تحقق الرياضة الفيتنامية خلالها اي شيء يفرح الشعب الفيتنامي· ولم يعد الجمهور ينظر الى لاعبي المنتخب الاول على اساس أنهم مجرد لاعبين بل إنهم أبطال قوميون اعادوا للشارع الفيتنامي الحياة وزرعوا الابتسامة التي غابت عنه طويلا فانسوا الناس همومهم ولو للحظات قصيرة· ويولي الشعب الفيتنامي اهتماما خاصا للبطولة ويعيش على ذكريات جميلة تنسيه واقعه الصعب فكان المنتخب هذا البطل الذي افتقده الفيتناميون خلال السنوات الماضية جدد فيهم روح التفاؤل وزرع النخوة والاعتزاز بنخبة من اللاعبين قهروا الصعاب وبرزوا في بطولة يراقبها العالم ويعلق على نتائجها الجميع · أعلام لحشد الجماهير لا تختلف أهداف وسائل الإعلام الفيتنامية عن اهداف شعبها حيث تساهم بشكل كبير في توفير الحشد اللازم للمنتخب وتساعد بطرقها الخاصة على توجيه الراي العام لضمان المؤازرة القوية والشرسة· واكثر ما لفت انتباهنا في صحف فيتنام بعد كل مباراة هو العناوين المستفزة والمثيرة وكانها حريصة كل الحرص على شحن الجماهير واذكاء روح الحماس فيهم· وبعد فوز فيتنام على الامارات خرج عدد من الصحف بعناوين غريبة مثل صحيفة '' فيتنام نيوز '' والتي قالت: اخرسنا منتخب الامارات '' وصحيفة '' فوتبول '' التي قالت : ''ثنائية الاصرار والتحدي في شباك الامارات ''· وتعتبر وسائل الاعلام الفيتنامية نفسها الغطاء التي ينظم تحركات الجماهير فتوجههم الى الهدف المشترك وتضمن كل وسائل النجاح للوصول الى ذلك· وسائل تأثير في المنافس بالرغم من الاطار الرياضي الذي تقام فيه مباريات البطولة الآسيوية إلا أن وسائل تاثير الفيتناميين على المنافس عديدة ومتعددة حيث حدثنا عدد من الملمين بالكرة الفيتنامية بأن وسائل التأثير لا يمكن ان تتوقعها لانها تربك حساباتك وتفاجئك وهو ما تم بالفعل في اول يوم يتدرب فيه المنتخب الفيتنامي بملعب مدينة هانوي عندما قطع المسؤولون عن الملعب النور وجعلوا اللاعبين ينتظرون لحوالي الساعة من دون جدوى وبمجرد أن ركبوا الحافلة وقرروا إلغاء التدريبات والعودة الى مقر إقامتهم تم فتح النور لبضع دقائق وإطفاؤه من جديد وذلك في ما يعرف بالحرب النفسية على المنافس · خوف المنافسين بعد خسارة الامارات وتعادل قطر انتشر الخوف والذعر من ملعب ''ماي دينه '' لدى بقية المنتخبات الاخرى المشاركة في البطولة الآســــــــــــــــــــــيوية خـــــــــــــــــــاصة وأن هذا الملعب سيحتضن مباريات في الأدوار المتقدمة ضمن ربع النهـــــــــــــــــــــائي ونصف النهائي وفي حال تأهل منتخــــــــــــــــــــب فيتنام الى الادوار المقبلة ستــــــــــــــــــــكون مهمة المنافسين صعبة في هذا الملعـــــــب الذي أصبح بمثابة الرعب لكل من يدخله ·