أرشيف دنيا

الاتحاد

الأفغانيات·· يحطِّمن القيود القديمة

إعداد ـ هالة دروج:
من الطابق الأرضي في أحد أبنية كابول تصدر صيحات عالية تعتبر من أغرب الأصوات التي يمكن أن يسمعها المرء في شوارع العاصمة الأفغانية، فهي صيحات صادرة عن فتيات يمارسن حركات الجودو والكاراتيه في ذلك المكان· أكبر المشاركات سنا في الفريق المتدرب هي نرجس رحيمي التي عادت إلى وطنها أفغانستان في العام الماضي بعد أن قضت معظم سنوات عمرها الماضية كلاجئة في إيران· تقول نرجس: 'وجدت أنه ليس لدى النساء الأفغانيات أدنى فكرة عن ممارسة الرياضة· لذلك عدت لأكون نموذجا للفتاة الأفغانية ولأساعدها على القيام بدورها في المجتمع'·
لقد أصبح بإمكان النساء والفتيات في كابول أن يتذوقن لأول مرة متعة الرياضة وذلك بفضل توفر العديد من النوادي الرياضية التي تحدد ساعات معينة للنساء فقط· كما بدأت مدارس الإناث تدرج دروس الرياضة في برامجها، وتقوم لجنة الأولمبياد النسائية بتدريب ما يزيد عن 1500 فتاة أفغانية للمشاركة في المسابقات العالمية· ففي الصيف الماضي ولأول مرة في تاريخها شهدت الألعاب الأولمبية مشاركة فتاتين أفغانيتين في منافساتها·
وهكذا بعد سنوات من البقاء في أسر المنزل إبان حكم طالبان تتطلع النساء حاليا إلى النوادي الرياضية على أنها إحدى الطرق أو البوابات التي فتحت أمام الساعيات للتميز في المجتمع الأفغاني الذي ما زال يعاني من التشدد والظلم تجاه المرأة·
تقول مارثا برادي الخبيرة في مجلس السكان في نيويورك والتي ساهمت في نشر الرياضة بين النساء في مناطق أخرى من العالم: 'يمكن أن تستخدم الرياضة كمركبة تحلق نحو فضاء آمن، وكمدخل يمكن للنساء عبوره ليصلن إلى الحياة العامة· ففي الدول الفقيرة يمكنك أن تجد فتاة في الثامنة من عمرها تلعب الكرة خارجا· لكن من غير الممكن أن تراها تقوم بالأمر ذاته عندما تبلغ الثالثة عشرة لأنها في تلك المرحلة تصبح أسيرة المنزل'·
ملامح التغيير
وفي أفغانستان، التي ما زال فيها ظهور المرأة في الحياة العامة أمرا نادرا، لا تتوفر للمرأة الكثير من الأماكن التي يمكنها أن تخرج إليها خارج نطاق المدارس والجامعات· كما لا تتوفر أيضا الكثير من المنشآت الرياضية· لكن الظروف بدأت تتغير ببطء مع تزايد إقبال الفتيات على التعليم حيث تم افتتاح ما يزيد عن 1600 مدرسة إناث· بيد أن إحصائيات اليونيسيف تشير إلى أن 60% من الفتيات اللواتي تقل أعمارهن عن 11 عاما، ويقدر عددهن بأكثر من مليون، لا يذهبن إلى المدرسة· كما أكد تقرير البنك الدولي إلى أن نسبة الإناث لا تزيد عن 35% من عدد الطلاب المسجلين في المدارس الأفغانية·
وتعتبر روبينا مقيميار نموذجا عن الفتاة الأفغانية الساعية نحو الأفضل· فقبل عامين تقريبا طرأ تغير جذري في حياتها عندما قدم المسؤولون في المدرسة إلى فصلها ليسألوا عن الطلاب الراغبين في المشاركة في تشكيل فريق لكرة السلة· فكانت الفتاة الواثقة من نفسها أول من رفع يده· وقد حصدت روبينا ثمن شجاعتها وتصميمها عندما أثارت مواهبها الرياضية اهتمام لجنة الأولمبياد النسائية التي قدمت لها التدريبات المناسبة لرياضة الجري حيث مثلت بلادها فيها في أولمبياد عام 2004 التي ارتدت خلالها ثيابا محتشمة ووضعت قبعة على رأسها· وتؤكد الفتاة أن إنجازاتها الرياضية تعطيها مزيدا من الحماس لمتابعة تعليمها وتزيد من رغبتها في الحصول على الاستقلالية·
وتأثرا بنموذج روبينا تزايد إقبال الفتيات على التقدم بطلبات للمشاركة في المسابقات الدولية في أكثر من 15 نوعا من الرياضة بما في ذلك كرة القدم والطائرة والسلة وغيرها· معظم هؤلاء من بنات الطبقة المتوسطة، والكثير منهن من اللاجئات العائدات إلى أفغانستان·
نهاية عهد
تقول شمس الحياة عالم رئيسة لجنة الأولمبياد النسائية: 'ألحقت السنوات الخمس لحكم طالبان الكثير من الأضرار النفسية بالفتيات· وبعد عامين من القضاء على ذلك الحكم لم نكن قادرين على العثور على فتاة واحدة تبدي اهتماما بممارسة الألعاب الرياضية'· غير أن الأمور تغيرت كثيرا الآن فالفتيات يسافرن إلى الخارج للمشاركة بالمسابقات، كما ينتقلن بين المدارس في مختلف المناطق الأفغانية لتدريب الطالبات والمساهمة في إثارة اهتمامهن بالرياضة·
لكن جميع الفتيات يواجهن في البداية تحدي الحصول على موافقة الأهل والعائلة قبل اتخاذ القرار بشأن ممارسة الرياضة· ولا تزال بعض العائلات تمانع في إرسال بناتها إلى الخارج فالأفغان يحرصون على ألا تمضي الفتاة الكثير من الوقت خارج المنزل· حتى الرئيس حامد كرزاي الذي يعتبر معتدلا جدا في الأمور الاجتماعية لا يحضر زوجته معه إلى المناسبات العامة· وهذا الأمر تفسره بارفين حكيم من الاتحاد الثوري لنساء أفغانستان بقولها: 'هم يفكرون بأنه كلما قلت مشاركة المرأة في الحياة العامة وكلما قل خروجها من المنزل يزداد الحفاظ على شرف العائلة'·
لقد دلت الأبحاث على أن الأميركيات اللواتي يمارسن الرياضة ويتميزن بنتائج دراسية أفضل وبمشاكل سلوكية أقل وبطموحات أكبر من غيرهن· كما تمتاز هؤلاء بثقة أكبر بالنفس· مثل هذه النتائج التي تسفر عنها الرياضة تبدو واضحة أيضا في المجتمع الأفغاني وهو ما تؤكد عليه شمس الحياة عالم بقولها: 'من خلال تجربتي مع الفتيات لاحظت أن الرياضة زادت من اهتمامهن بالدراسة، ومنحتهن مزيدا من الثقة بالنفس والشعور بالاستقلالية'·
بيد أن ممارسة الرياضة ما تزال فرصة محدودة لكل من الفتيات والصبيان على حد سواء في أفغانستان حيث تحتاج معظم المدارس إلى المعدات والمتطلبات اللازمة لذلك· ويؤكد مسؤول الرياضة في وزارة التربية هناك أنه لا توجد موازنة لتلبية هذه المتطلبات وكل ما يقومون به هو الاستفادة من الأدوات القديمة ومحاولة الاستعانة بالتبرعات الخارجية بين الحين والآخر·
من الملاحظ أن المرأة الأفغانية أحرزت بعض التقدم خلال السنوات الأربع الماضية ولا سيما في مجال السياسة· فقد تولت منصب حاكم إقليم باميان، وثلاثة مناصب وزارية في الحكومة بالإضافة إلى مشاركتها في البرلمان· لكن كل هذه الإنجازات لم تنجح في تغيير دور المرأة في الحياة الاجتماعية وقد يكون ذلك بسبب حرص النساء في السياسة الأفغانية على عدم الحث باتجاه التغيير الاجتماعي السريع خوفا من أن يثير تحفظ ومعارضة الكثيرين في المجتمع·
والحقيقة أن ذلك لم يمنع بعض النساء من محاولات تجاوز الحدود بطرقهن الخاصة· فقد تزايد عدد النساء اللواتي يخرجن من المنزل بدون غطاء الوجه· كما افتتحت مدارس تعليم قيادة السيارات في كابول ومؤخرا في هيرات· وفي أبريل تخرجت أول دفعة تضم 138 قابلة قانونية مؤهلة لممارسة المهنة على أمل الحد من معدل وفيات الولادة والمواليد التي تعتبر في هذه البلاد الأعلى من نوعها في العالم·
تقول بارفين حكيم: 'لا يمكننا أن نغض الطرف عن هذه التغيرات لكنني أرى أنها صغيرة جدا· كما أننا لا نستطيع أن نقلص خارطة أفغانستان لتشمل كابول فقط، فهذا الانفتاح يقتصر على كابول حتى الآن'·
بيد أن رياح التغيير بدأت تهب على أماكن أخرى في أفغانستان إذ باتت هيرات هي الأخرى مسرحا لبزوغ خجول لشمس الحرية بالنسبة إلى المرأة· ففي شوارعها تسير الكثير من النساء بدون برقع· والأمر الغريب الآخر الملاحظ فيها إقبال الفتيات على العمل في البيع في المحال التجارية· كما تم فيها افتتاح مدرسة لتعليم قيادة السيارات وذلك بعد النجاح في تخطي الكثير من العقبات· الفضل في ذلك يعود إلى أسد الله أفضلي الذي بات ينظر إليه كبطل في معركة تحرير المرأة الأفغانية· فقد فر هذا الرجل البالغ من العمر 48 عاما من حكم طالبان إلى إيران حيث استطاعت ابنته الحصول على رخصة قيادة هناك· وبعد سقوط ذلك الحكم مباشرة عاد مع عائلته إلى هيرات ليؤدي رسالة هامة فيها وهي تعليم نسائها القيادة ومساعدتهن على الحصول على رخص القيادة· وقد نجح بالفعل في مهمته حيث تتدفق عليه النساء من طالبات الجامعة والخريجات العاملات الراغبات في إنهاء دورة تمتد لأسبوعين تتناول نظم وقواعد السير وتعليمات السلامة أثناء القيادة قبل الجلوس خلف المقود والانطلاق نحو عصر جديد وحياة جديدة·

اقرأ أيضا