الاتحاد

تقارير

الخطاب الديني والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

مع تعليق عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية، بدأ الأصوليون الدينيون على جانبي النزاع يكتسبون تأثيراً متزايداً. غير أن محللين فلسطينيين وإسرائيليين على حد سواء يحذرون من أن هذه النزعة، يمكن أن تزيد من تعقيد احتمالات تسوية عبر تحويل صراع قومي على الأرض إلى حرب دينية.
فمؤخراً، انضمت السلطة الوطنية الفلسطينية، العلمانية عادة، إلى حركة "حماس" في استعمال الإسلام كوسيلة للحشد، في حين بدأت مجموعات المستوطنين الإسرائيليين، التي تشير إلى"الكتاب المقدس" والمدعومة من قبل واحدة من أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل، تكتسب زخماً غير مسبوق في جهودها الرامية إلى السيطرة على القدس الشرقية العربية.
وفي هذا السياق، يقول "يوسي ألفار"، المدير السابق لمركز "جافيي للدراسات الاستراتيجية": "على الجانبين، هناك صعود سياسي لعناصر أصولية دينية". رأي يشاطره هاني المصري، مدير مركز بدائل، المعني بالبحوث والدراسات في رام الله، إذ يقول: "إن العامل الديني في النزاع كان حاضراً ولكنه ازداد قوة".
التغير في طبيعة النزاع يعود جزئياً إلى فشل عملية السلام التي بدأت في 1993 عندما كانت كلا القيادتين علمانية، حسب غسان الخطيب، مدير المركز الإعلامي التابع للسلطة الفلسطينية؛ حيث ازداد التشدد الديني والإيديولوجي على جانبي الانقسام الفلسطيني- الإسرائيلي، مثلما يؤشر على ذلك انتصار "حماس" في الانتخابات البرلمانية في 2006 حيث يقول الخطيب: "إن فشل القيادتين العلمانيتين... في تحقيق أهداف شعبيهما أضعفهما وسمح بتحول في ميزان القوة... لمصلحة تلك القوى والمجموعات والقطاعات، التي تعتبر أكثر تشدداً سياسياً وإيديولوجياً، ضد عملية السلام".
ولكن ذلك لا يمثل سوى جزء فقط من الأسباب، مثلما يقول الصحفي الفلسطيني والمدون الإلكتروني سعيد غزالي، الذي يشير أيضاً إلى عوامل أخرى مثل "فشل السلطة الفلسطينية في بناء مجتمع، والمشاكل الاقتصادية، ووصول الإسلاميين إلى السلطة في العالم العربي".
إحدى الشخصيات المعينة من قبل الرئيس الفلسطيني هي التي استعملت الإسلام مؤخراً لإضفاء طابع التشدد على النزاع، في محاولة للمزايدة على "حماس" ربما. ففي وقت سابق من يناير الماضي، أشار مفتي القدس محمد حسين، إلى حديث نبوي يقول إن يوم القيامة لن يأتي حتى يقتل المؤمنون اليهود.
المفتي نفى لاحقاً أن الخطاب، الذي ألقاه في التاسع من يناير الماضي بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس حركة "فتح"، كانت دعوة إلى قتل اليهود. ولكن حقيقة أنها لم تثر رد فعل مندداً من قبل السلطة الفلسطينية، التي بثت الخطاب على قناتها التلفزيونية، يمثل مؤشراً دالاً ومعبراً على علاقات مسممة في وقت كان يحاول فيه زعماء إسرائيليون وفلسطينيون في الأردن إعادة إحياء مفاوضات السلام.
غير أن الفلسطينيين لا يحتكرون الخطاب الناري والقدحي. فهذا الحاخام عوفاديا يوسف، الزعيم الروحي لحزب شاس الديني – وهو جزء في ائتلاف نتنياهو الحاكم – قال خلال العقد الماضي إنه ينبغي مهاجمة العرب بواسطة الصواريخ، وإنهم "أفاعٍ"، وأنه ينبغي أن "يبتليهم الله بالطاعون". وفي الوقت الذي صدر فيه تعليق "الطاعون" في 2010، قال نتنياهو إن الحاخام لم يكن يتحدث باسمه، ولكنه لم يذهب إلى حد التنديد به.
وقد وصف صاحب متجر بالقدس الشرقية، طلب عدم الكشف عن اسمه، استعمال المفتي للحديث بـ"الطبيعي" إذ قال "إنه لم يختلقه. وكل ما هناك هو أن المفتي أخذ حديثاً معروفاً من زمن النبي. غير أن "عوفاديا يوسف" هو الذي فتح الباب أمام كل هذا".
غسان الخطيب يجادل بأن خطابات نتنياهو تعكس استبدال الخطاب العلماني بدوافع دينية وقومية متشددة، وبخاصة الخطاب الذي ألقاه نتنياهو سبتمبر الماضي في الأمم المتحدة عندما أشار إلى أن اسمه يعود إلى أحد أبناء يعقوب إذ قال: "لقد كان لدى يعقوب 12 ابناً، كانوا يجوبون "جوديا وسماريا" (الضفة الغربية) قبل 4 آلاف سنة، وهناك وجود يهودي مستمر منذ ذلك التاريخ". كما طالب نتنياهو الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية – مطلب لم يوجه أبداً إلى مصر أو الأردن، وهما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان تربطهما بإسرائيل معاهدتا سلام.
مثل هذه الإشارات التوراتية القوية تذكِّر بخطابات بيجن، رئيس الوزراء الإسرائيلي من 1977 إلى 1983 من حزب "الليكود" الذي ينتمي إليه نتنياهو ، والذي أشرف على تحول إسرائيل نحو الاستيطان المكثف للضفة الغربية.
وفي هذه الأثناء، يضغط أحد شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي، حزب "هاباييت ها يهودي" (المنزل اليهودي)، في اتجاه توسيع الوجود الاستيطاني اليهودي بمدينة الخليل في الضفة الغربية عبر السير على نهج "التوراتي" إبراهام الذي اشترى أرضاً هناك.
وبدعم من الحكومة، تشرف مجموعة "إيلا" الاستيطانية المتشددة على حديقة أثرية وطنية شعبية تعمل على إشاعة رسالة تفيد بأن حي سلوان الفلسطيني بالقدس الشرقية هو في الواقع "مدينة داوود"، التي كان يمتلكها الملك التوراتي- وبالتالي، فإنها ينبغي أن تعود إلى اليهود اليوم!

بين لينفيلد - القدس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا