الاتحاد

دنيا

سماح جانم ·· قوة المحبة

حوار-أمل النعيمي:
احتضنت آمالها بيديها، كان العدل ونصرة المظلوم هوايتها المحببة·· سماح جانم جاءت إلى الدنيا كفيفة البصر، محبة للحياة، لم تعكر العواقب صفاء اسمها (سماح)·· استعدت للصراع من اجل ان تكون قوية وكانت حازمة في اتخاذ قراراتها، أحبت الحياة رغم كل تقلباتها التي لم تصف لها أحياناً كثيرة لكن حبها لاسرتها جعلها قوية شامخة صلبة، وجدت من لذة العيش في كنف أفراد اسرتها والثقة بهم ملاذاً لآلامها، لم تعلق كثيراً على الاساءات التي مرت بها من قبل الاخرين، بل جعلت من كل ذلك سلماً لترتقي وتشعر بالتفوق، حاولت بناء قصور لاحلامها في الأثير المتناثر وحققت أجزاء كثيرة من هذه الاحلام، لم تجد للتشاؤم بدا لكنها استطاعت ان تتغلب على تركاته في حياتها، بحثت عن الثقة والحقيقة والصراحة، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة بلوغ مراتب الشرف والطليعة بما تصبو إليه نفسها، استطاعت باستقامتها الشديدة وكرهها للكذب والنفاق والمراوغة ان تتمتع بالحزم والهمة والشجاعة والثقة، لم تجد للحقد طريقاً لتصفية حساباتها، فقاموسها لا يحوي بين اسطره إلا ما اعتادت عليه وهو الأبيض والأسود وأخذت من ذلك خطاً لحياتها لا تحيد عنه·
تقول: ولدت كفيفة البصر، محبة للحياة، مليئة بإرادة البقاء والعطاء، ورثت صفاتي كلها من أمي، والتي يعجز القلب عن شكرها، حيث ينفطر حبي لروحها الوفية، احتضنتني بكل الروح التي كللتني بالعزم والدعاء للخالق كي يحفظها لنا، فأنا احمل فضلا لله سبحانه وتعالى وادعوه ان يحميني ويلقي بحبه علي لينير لي دروبي الكثيرة والمتشعبة·
البداية
تقول سماح: كانت ملاحظة أمي دقيقة عندما واظبت على النظر إلى هاتين العينين الزرقاوين حيث كانت تتمنى ان تلمح بصيص أمل في النظر إليهما ولو لثوان، ومع الخوف الذي داهمها اذ وجدتني كفيفة لا يمكنني ان أميز ملامحها أو النظر إليها كانت تتمنى ان تهبني عينيها مقابل ان أراها، لكن اسرتي لم تستسلم لهذا الشك، فتم عرضي على الطبيب الذي أكد ان مشكلتي تستدعي الاستسلام لإرادة الله مع انه رجح إجراء عملية جراحية، وفي أثناء تلك المحاولات التي باءت بالفشل اذكر ان أمي ما فارقت الدموع عينيها، رغم ما أبداه الجميع من حولي من تضحيات جمة افتخر واعتز بها وبانتمائي لهذه الاسرة·
الوراثة كانت السبب في ارتفاع ضغط العين، كنا اربع اخوة وقد ابتليت من تصغرني بأربع سنوات بنفس الداء وكان السبب هو القرابة الاسرية· وتضيف سماح: بعد العملية اصبحت أدرك الأشياء من حولي وكان الشعور يغمر العائلة لهذا التطور بالفرح والحزن معاً، كان اكتشافي لكل ما يجري حولي يسعدني، واطمئن الجميع بان هذا التطور مؤشر إيجابي لكي استطيع التعامل مع من حولي من مجريات الحياة وبكل مراحل حياتي، بعد سن الرابعة بدأ مشواري العلمي، وتلقيت بداياتي الدراسية في القدس فكانت هي أول من احتضني وعلمني وسائل المعرفة، وأتذكر مدرستي الأولى التي جعلت اصابعي تقرأ بعد ان تعلمت من ملامسة النقط الأولى سر الكلمات، فكان بعدي عن أهلي حافزاً كبيراً دفعني لأكون طالبة نجيبة اكتب وأقرأ بحروف من أمل اشتعل في نفسي شموعاً اتقدت لتضيء مستقبلي ودرب الظلام، وكانت لمعلماتي الأوائل الأثر البالغ في نفسي الذي علمني الارتقاء إلى ما أنا عليه، وتظل ذكرياتي تلك طيفاً مازال يداعب فكري ولا أخفي أمنيتي التي احب ان اذكرها الا وهي رد المعروف لمن كان سبباً في ذلك: ان افتح نوافذ المعرفة لمن احب هناك من ابناء الانسان·
اللهجة البحرينية
تعددت المشارب بعد ان بقيت سماح في فلسطين إلى التاسعة من العمر، ثم ذهبت إلى مملكة البحرين لإكمال دراستها، وتقول: تلقيت دراستي فيها لمدة ثلاث سنوات وكان ذلك في معهد النور للمكفوفين، كانت المدرسة كبيرة فضلا عن تنوع طلابها باعمارهم وألسنتهم، كنت شديدة الحرص على ان اروي فضولي الذي بدأ بالقدس وانتهى بالبحرين، وتفوقت وعوقبت عندما أهملت، والظريف في الأمر الذي لا أزال اذكره ان لهجة معلماتي كانت ذات وقع غريب وصعب بعض الشيء، لكنني تعودتها بعد ذلك وأحببتها واتقنتها، وقد يكون حبي للمدرسة هو السبب، وزادت اشواقي لأهلي لكثرة ترحالي وكنت أزورهم في الإجازات فقط، وشعرت بالغربة تنهش قلبي، كرهت الغربة وبدأت اشعر بالغيرة كلما تذكرت أختي الكفيفة التي تتمتع بحنان الاسرة، وقررت أمي بعد ذلك الاستجابة لي والحاقي وشقيقتي بنفس المدرسة في الاردن وكانت محطتي الأخيرة التي نزعت بها آثار البعاد والترحال، وقد كان ذلك ما أثرى عقلي فلكل شيخ طريقته في التعليم·
الجامعة
شق أهلي الدرب معي حتى يسر الله بتوفيقه نجاحي في الثانوية العامة فقررت خوض الحياة الجامعية في الاردن، قابلتني الطالبات باستغراب وكذلك المعلمات فقد كانت كتبي ضخمة جداً، وقد كنت اقوم بشرح متكرر بسبب استخدامي طريقة برايل ثم ادراك الموضوع· غدت الجامعة مدينتي الوردية، وحصن احلامي المنيع رغم عدم خلو أوقاتها من الصعوبات وكانت يد العون ممدودة لي هنا وهناك وكنت قد سجلت في كلية الاداب -لغة انجليزية- بعد ان سمعت عن تجارب الكثير من المكفوفين في دراساتهم الاكاديمية فأحببت خوض هذا المجال وكانت سنواتي الاربع هي الأجمل والأروع في حياتي· انهيت دراستي في الجامعة وكان الأمل يحفزني لان أؤدي مهمتي كفرد منتج في المجتمع وجاءت المحاولات مضنية وتنتهي بالفشل ولكنني تخطيت هذه العقبات وبدأت بالعمل متطوعة في مدرسة عبدالله بن أم مكتوم للمكفوفين لمدة سنتين، لاكتشف حبي للاطفال وجديتي في عطائي لهم وفتح أبواب المعرفة امامهم ، كان ثمة شيء إيجابي داخلي يحدثني انني قادرة وذات كفاءة، بعد ذلك عملت مدرسة -عملا إضافيا- في مدرسة اخرى للمكفوفين وذلك كان لعام واحد، حاولت بعدها تكرار الأمر لكنني لم أنجح فمشكلتي كانت تكمن في وثيقة سفري الفلسطينية· عانيت كثيراً بعد ذلك، وتكرار محاولاتي اعياني وزادني تعبا، فكرهت نفسي، وبالصدفة سمعت ان احدى منظمات الأمم المتحدة أعلنت عن حاجتها لتوظيف من هم في مثل وضعي فتقدمت بطلبي وادركت ان الوظيفة لم تكن إلا مأمور مقسم (في البدالة) وانا احمل شهادة جامعية في الأدب الانجليزي··! وهذا هو حال ذوي الاحتياجات الخاصة في الوطن العربي·

اقرأ أيضا