الاتحاد

دنيا

معرض رحيم نوسي·· سرد لوني لعذابات المهمشين

فداء طـه:
يقدم معرض الفنان التشكيلي الإيراني رحيم نوسي الذي يقام حالياً في المجمع الثقافي بأبوظبي واحدة من أهم التجارب التشكيلية الإيرانية المعاصرة، ويشتمل المعرض الذي يستمر حتى التاسع عشر من الشهر الجاري على عدد من اللوحات التي تعكس خبرته كرسام تمتد تجربتة التشكيلية منذ عام 1968 وحتى يومنا هذا·
وقد لفتت تجربة الفنان رحيم نوسي التشكيلية الأنظار إليه في موطنه، إيران، وفي عدة بلدان عربية وأجنبية ارتحل إليها ليقيم معارض أو ورشات عمل أو للتلاقي مع تجارب غربية رائدة في الفن التشكيلي، ويبدو من خلال معرضه الأخير في أبوظبي أن رحلاته إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا وهنجاريا وبلجيكا والنمسا بين عامي 1973 و1990 أثرت بصورة كبيرة على التشكيل اللوني في المساحات المتنوعة على سطح لوحته الغارقة بالمحلية الإيرانية·
مما يلفت الأنظار في تجربة الفنان رحيم نوسي ذلك التنوع الفريد في اختياره للموضوعات التي تناولها في هذه التجربة بشكل خاص، وقد بدا أن الفنان اختار موضوعات تنتمي لتجربة سابقة ووضعها إلى جانب موضوعات حديثة ليقدم لمتذوقي الفن التشكيلي في الإمارات سيرته الفنية العريقة·
ومن بين الموضوعات التي جذبت زوار المعرض، تلك الموضوعات التي ناقشت حياة أهالي المناطق الصحراوية والجبلية في إيران، وهم مزيج من حيث طبيعة حياتهم بين الغجر والبدو الرحل· فنرى الفنان قد عكس تفاصيل عديدة من حياة هذه الفئة المقهورة في المجتمع، ونقل عبر أدواته التشكيلية المبدعة معاناة خفية عن العيان تعيشها هذه الفئة في الجبال القاصية·
قصة الحياة
في تلك اللوحات بالذات قصة لا تنتهي تبدأ من الخيمة التي تعيش فيها النسوة العاملات في وسط يعتمد اعتماداً كبيراً عليهن في السقاية والرعاية وتحضير الطعام والتنظيف··· وما إلى ذلك من أعمال يظهرها الفنان في تفاصيل الشخوص بدقة متناهية·
ويستمر الفنان في سرد هذه القصة الحياتية الصعبة من خلال لوحات يتنقل فيها بين السلوك اليومي لهذه المجتمعات وطريقة عيشها وما تحاول تصنيعه من أشياء يدوية تقليدية لتبيعه في الأسواق المجاورة·
إنها تجربة صعبة للغاية، يظهر فيها سعي الفنان المتواصل في متابعة حياة هؤلاء الناس، وكأنه باحث اجتماعي كلف بتقصي حقيقة معاناة هذه الفئة المحرومة من المجتمع الإيراني، ولكن بالتأكيد عدسة الفنان تختلف في التقاطها للأحداث والتفاصيل عن أية عدسة أخرى، ذلك أن التشكيل اللوني للشخوص لدى 'رحيم نوسي' يعتبر تقريراً قائماً بذاته يتيح للمتلقي قراءة بصرية واضحة جلية لا تحتاج إلى شرح أو تعليق·
فبينما يقف المتلقي أمام لوحة ترحال، وتنقل هؤلاء الناس من جبل إلى جبل، يدور في المخيلة شريط سينمائي يقدم صعوبة هذه المرحلة وحساسيتها وعمق تأثيرها في حياة نساء ورجال وأطفال هذه الفئة· ويعود الفضل لهذه السهولة في قراءة المشهد التشكيلي إلى جهد الفنان في إنضاج اللوحة بكافة عناصرها·
البورتريه
في جانب آخر من معرض رحيم نوسي يقدم الفنان تجربته البارزة في رسم البورترية، لكنه يخرجه من المعنى التقليدي للبورتريه ليقدمه كمعادل فني وموضوعي أو كمكمل حيوي لصورة المحيط أو المشهد، ويضع الشخوص في بيئتها ليواصل غوصه في روح البناء التشكيلي الذي اختاره لتجارب متعددة تختلف في الموضوعات وتلتقي في الفكرة الأساسية، وهنا يقدم 'نوسي' تنويعات للشخوص التي يرسمها لكنها تتسق كلها في لحن المعاناة، وكأن الفنان يؤكد على الدوام رسالته الفنية التي ميزته عن بقية الفنانين الإيرانيين، رغم أنه سافر إلى أوروبا في وقت مبكر واطلع على نماذج عديدة من الرسم الواقعي كانت كفيلة بأن تنحيه جانباً عن مشروعه الفني المنتمي إلى مدرسة المعاناة·
وفي لوحة من لوحات الفنان نوسي نرى طفلة ريفية تمسك بيدها قطعة من الخبز وتتكئ على جدار في مدخل البيت مرتدية ملابس رثة تظهر معاناة أهلها في تحصيل ما تمسكه هي بيدها· هذه اللوحة، على وجه الخصوص، تقدم رسالة شفافة واضحة للمتلقي، ليس من خلال وجه الفتاة أو ملابسها، ولا مدخل بيتها، وإنما من خلال ورقة ملقاة على الأرض بجانب قدمها اليمنى مكتوب عليها نص بالخط الفارسي، ومن خلال قطعة الخبز التي تمسكها بيدها، ونظرة عينيها اللامعتين إلى الأمام، وهي إشارة من الفنان إلى أن الهم الأول في حياة البسطاء في بلده هو قطعة الخبز وليس العلم، ونظرة الفتاة إلى مستقبلها تحتاج أولاً إلى توفر الخبز في حاضرها·
من هنا نجد أن معرض رحيم نوسي كان نقطة تلاق مع الحياة والحقيقة والمعاناة، وهو أيضاً فرصة للتعرف على فنان صرف جزءاً كبيراً من عمره في البحث عن تفاصيل حياة العديد من المهمشين في الأرض، ولم يتوان عن نقل معاناة هؤلاء الناس إلى أنحاء عديدة من العالم حاله حال الباحثين في حقوق الإنسان·
الطبيعة المهجورة
في جانب من أروقة معرض رحيم نوسي تبرز عدة لوحات رسمها الفنان للطبيعة المهجورة رغم توفر جماليات نادرة فيها· وبحساسية عالية وضع الفنان هذه اللوحات بصورة تشبه صورة الإنسان المهمش، فالماء ضحل لا ضفاف له والشجر مبتور لم تمسه يد عطوفة منذ زمن، وأوراق الخريف ملقاة على الأرض كأنها على هذه الحال منذ أمد بعيد، وبين هذه المشاهد يبرز الفنان الملوِّن، الذي مزج ألوانه بتقنية خاصة به ووضع هويته اللونية بالفرشاة والسكين والإبهام ليؤكد أن هذه اللوحة تحتاج جهدا عاليا، وخبرة طويلة، وتركيز نادر·
فضاء اللوحة عند رحيم نوسي في هذه التجربة كيان مستقل، فهو ينشئ لوحة داخل لوحة، وموضوعاً على موضوع، ويمزج بين تجربتين في آن واحد تلتقيان في خبرة اللون حيث نرى التفاصيل في فضاء اللوحة كما نراها على السطح، وهي بلا شك براعة لا تتوفر إلا لدى فنان يعرف جيداً أهمية المشهد وحساسيته، ويدرك نقطة انطلاقه ونهايتها، أي كما هو الحال في عدسة المصور، حيث تلتقط فتحة العدسة المشهد المقابل بحساسية البداية والنهاية، فتظهر التفاصيل الآنية جلية بدون الحاجة لمعالجتها فيما بعد·
في معرض رحيم نوسي يمتزج المشهد التشكيلي بالمشهد الفوتوغرافي حيث يملك الفنان حساسية قوية لا تختلف عن حساسية عدسة الكاميرا، ويبرز كفنان مصور بارع يجذب المتلقي بسهولة ليقرأ النص البصري في اللوحة بيسر بالغ·

اقرأ أيضا