الاتحاد

الملحق الثقافي

أنيس صايغ.. لا قبر في طبريا!

قبل أن يقفل العام أيامه الأخيرة، وقبل أن يكمل كتابه عن رفيق دربه شفيق الحوت رحل أنيس صايغ المؤرخ والباحث الفلسطيني اللبناني العربي عن 78 عاما، رهنها كلها لصالح الحقيقة والوطن. رحل الغريب تاركاً لنا غربته مشهرة في وجوهنا التي ألفت رحيل القامات الكبيرة، في عصر نحتاج فيه الى كل إبداع حقيقي يسند بعض صلابتنا، وفي وقت تتهاوى فيه كل أشيائنا المنيرة، وثوابتنا الراحلة. وبذهاب صايغ لا تفقد فلسطين واحداً من أبنائها الكبار، من ذلك الرعيل الذي حفر عميقاً ليمنحها حضورها العربي والعالمي، بل يخسر البحث التاريخي العلمي والثقافة العربية أيضاً، قامة من القامات الفذة، ومناضلا علميا من طراز شرس ربما يصعب تعويضه في الزمن القريب.

رأت عيناه (التي سرق طرد مفخخ أرسله له العدو الإسرائيلي إحداهما) النور في 1931 في بلدة طبريا في فلسطين المحتلة عام 1948. ولم تكن طبريا مسقط رأسه فقط، بل كانت “مسقط روحه” التي ظلت تحمحم شوقاً إليها، وبها اختتم آخر كتبه: “في طبريا وعلى الطريق الى طبريا، ومن أجل طبريا، يطيب الموت، لأن المرء يموت واقفاً، وكأنه لا يموت. هناك يتساوى الموت مع الحياة حلاوة. ودون ذلك تتساوى الحياة مع الموت مرارة”... ربما لهذا فقط، تصادف أن يذهب أنيس إلى الأردن، ليقضي نحبه في أقرب البقاع إلى معشوقته... إلى طبريا.

رصاص فكري

لم يطلق أنيس صايغ، كما يقول، رصاصة واحدة طوال عمره، لكنه في الحقيقة، أطلق “رصاصاً فكرياً” كثيفاً ومؤثراً على “الفكرة الصهيونية” أو على الجذر المؤسس لهذه الدولة المختلقة، التي سعى طوال عمره البحثي والعلمي إلى فضح وسائل اختلاقها وأسانيدها التاريخية المزعومة. ففي كتابه عن “بلدانية فلسطين المحتلة”، و”المستعمرات الإسرائيلية” كان يضربها في الصميم، ويضع أولى لبنات البحث عن وعي جديد يتجاوز “الجهل بالقضية الفلسطينية” الشائع لدى الجامعيين العرب، ويدحض مزاعم “رجال السياسة الإسرائيليون” حول فلسطين وتاريخها، لكنه سيثير “عش الدبابير” في “ملف الارهاب الصهيوني” و”الوصايا العشر للحركة الصهيونية” الذي كنس فيه “نصف قرن من الأوهام”، الأمر الذي لا يحتمله الخطاب الصهيوني ولا تقبل به المؤسسة القائمة على التزييف الفكري والتاريخي، فكان القرار بتصفية أنيس صايغ لأن عمله كان يهدد الكيان الصهيوني في العمق، في فكرة التأسيس، وفي البعد العقائدي للرواية التاريخية.
لا تنبع أهمية أنيس صايغ من مؤلفاته حول فلسطين وقضيتها وحسب، تلك التآليف والكتب التي قدمت إجابات على كثير من الأسئلة في مراحل مفصلية من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، في القديم والحديث، بل تأتي أيضاً، من دأبه على إنجاز بحث مؤسَّسي قائم على الشروط الصارمة للبحث العلمي (مركز ابحاث، مكتبة متخصصة، موسوعة فلسطينية)، ومتسلح بالإحصائيات الدقيقة والمعطيات العلمية والحقائق الدامغة، ناقلاً الخطاب الفلسطيني خاصة والعربي عامة من الشعاراتية والهتافية كصيغة للتعبير عن الحق الفلسطيني، إلى آفاق خطاب علمي مؤسس على صلابة التاريخ والجغرافيا. كان ينجز كتابة رصينة ومسؤولة، لم تقف عند حدود التأليف والبحث التأصيلي في الموضوع الفلسطيني بل امتدت إلى الترجمة. بهذا المعنى، كان أنيس مشروعاً معرفياً كاملاً، ينطلق من نظرة محكومة بأنساق معرفية متنوعة جعلت منه الباحث والمؤرخ والمفكر الاجتماعي والسياسي والمناضل العارف. وفي مشروعه لم يتوسل أنيس صايغ رضا أحد، ربما رضا فلسطين فقط كان ما يعنيه، وهذا ما جعله من “الحالات القليلة المتفردة” في تاريخ الثقافة الفلسطينية، إذ اختط لنفسه مساراً وسمه بميسم إبداعه وبصمه ببصمته الخاصة. على الطرف الآخر، كان العدو يجند كل إمكانياته البحثية والعلمية وميراثه التوراتي ليرسخ روايته حول فلسطين. ولم يكن مسموحاً (إسرائيلياً) بدحض الرواية، خصوصاً، إذا كان من يدحضها يفعل ذلك بشكل علمي وعقلاني، ويخاطب الغرب والتاريخ بالأسلوب الذي يفهمه الغرب ويحترمه التاريخ. لهذا بالضبط، حاولت إسرائيل اغتياله بتاريخ عام 1972 بطرد ناسف لم يفلح في إيقافه عن إكمال مهتمه لكنه للأسف نجح في أن يذهب بإحدى عينيه وبعض أصابعه (لأنها ارتكبت جريمة الكتابة وفضحت الزيف والأساطير التي تأسست عليها الدولة الصهيونية). أكثر من ذلك، التفتت القوة العمياء إلى المركز نفسه وفجرته في 1983، بعد احتلاله عام 1982 وسرقة وثائقه ومكتبته في محاولة لطمسه ومحو ذاكرته.
ربما كان “مركز الأبحاث” عنوان خياره العلمي في النضال، وهو كما يقول عنه في مذكراته: “ارتبط المركز والموسوعة بي وارتبطت بهما حتى كدنا نصبح واحداً”، لكن صاحب “الموسوعة الفلسطينية” حارب في الواقع على أكثر من جبهة، وخاض أكثر من معركة. على الصعيد الشخصي تقدم حياة صايغ نفسه مثالاً نموذجياً على الإخلاص الوطني غير المحدود.

الالتزام إلى... آخره

ترك أنيس للسياسيين كل شيء، الشعارات والسلطة والعنتريات والألقاب الرنانة... كل شيء... شيء واحد فقط أخذه من السياسة هو فكرة الالتزام بمعناها العميق والإنساني والخلاق. الالتزام القائم على العطاء بلا حساب، والذهاب في العمل الثقافي إلى آخره بحثاً عما يسند البندقية في قتالها. هناك، في مجال المعلومات والحقائق كان صايغ يقاتل بجلادة وصبر ساحرين، وبوتيرة مكثفة لا تعرف الملل، وكما يليق بمثقف حقيقي، رؤيوي، يضع قدميه في الأرض فيما عيناه لا ترى غير السماء..
كانت الرؤية أمامه واضحة، وفيما غرق كثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب في “ضبابية” الرؤية الثورية حول أولوية الوحدة والتحرير، والخلاف حول التسميات والصيغ العملية لاستكمال الوحدة العربية، سافر هو بعيداً عن الالتباس، ودعاوى “الثورية” التي ضرَّتْ أكثر مما نفعتْ، وترك خلفه قاموس الشعارات الطويل الذي رافق تمرحلات الخطاب الفلسطيني حول فلسطين الكاملة أو “المقسومة” أو (...)، ليتمسك بفلسطينه الكاملة؛ بكرمل (ها) ومجدل (ها) وناصرتـ (ها) وحيفا (ها) ويافا (ها) وطبريتـ (ها)، ليس باعتبارها فردوساً مفقوداً يتغنى به، بل بوصفها مهمة عاجلة وملحة ينبغي تحقيقها، ومبتغى وغاية وهدفاً لا يتحقق للعرب النهوض من دون استعادته.

مهما قلنا عن هذا الرجل لن نوفيه حقه، ففي مقام كهذا تتعطل “لغة الكلام” و”تضيق العبارة”، و... مع الذكرى الأولى للاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة، وفي أجواء ميلاد السيد المسيح، حمل أنيس صايغ “صليبه” ومضى إلى موعده الأخير، هناك، في تربة لبنان الحانية سيتوسد قبراً مؤقتاً، لأن طبريا لا تتسع حالياً لقبر له.


شيء عن أنيس

- مواليد طبرية في فلسطين عام 1931.
- أسس مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت الذي استهدفته إسرائيل واحتلته حين دخولها بيروت.
- أسس مجلة “شؤون فلسطينية” في السبعينات من القرن الماضي، ومجلة “شؤون عربية” و”المستقبل العربي” و”قضايا عربية”.
- ترك للمكتبة العربية والعالمية مجموعة من الكتب القيمة: لبنان الطائفي، 1955، الأسطول الحربي الأموي في البحر الابيض المتوسط، 1956، جدار العار، 1956، سوريا في الأدب المصري القديم، 1957، الفكرة العربية في مصر، 1959، تطور المفهوم القومي عند العرب، 196، من فيصل الأول إلى جمال عبد الناصر: في مفهوم الزعامة السياسية، 1965، الهاشميون والثورة العربية الكبرى، 1966، الهاشميون وقضية فلسطين، بيروت 1966، فلسطين والقومية العربية، 1967، ميزان القوى العسكري بين العرب واسرائيل، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت، 1967، بلدانية فلسطين المحتلة: 1948 ـ 1967، المستعمرات الإسرائيلية منذ 67، 1969، الجهل بالقضية الفلسطينية: دراسة في معلومات الجامعيين العرب عن القضية الفلسطينية، بيروت، 1970، رجال السياسة الإسرائيليون، 1970. 13 أيلول.. الخطأ والصواب، 1994، ملف الارهاب الصهيوني، 1996، الوصايا العشر للحركة الصهيونية، مركز الإسراء للدراسات والبحوث، 1998، نصف قرن من الأوهام، 1999، أنيس صايغ عن أنيس صايغ، 2006.
ومن كتبه المترجمة: فن الصحافة، 1958، قمح الشتاء، 1958، مقالات في القضية الفلسطينية، 1956، المؤسسات والنظم الأمريكية، 196.
- شارك في تحرير الموسوعة العربية الميسرة، دراسات فلسطينية الفكرة الصهيونية ـ النصوص الأساسية، 1970، العمليات الفدائية خارج فلسطين المحتلة، 1970.
- ترأس تحرير مجلة العلية، وسلسلة اليوميات الفلسطينية.
- توفي يوم الجمعة الموافق 25 ديسمبر 2009 في عمّان الأردن.

اقرأ أيضا