الاتحاد

الملحق الثقافي

رجل ظل...

تمنته، عندما كانت فراشات من نور، وأزهار “نُوَيّر” تداعب العمر، كان عمرها مداً من الأحلام والأمنيات المشروعة البريئة، ربتها وكبرت معها كأشجار حديقة بيتها الجميلة، ها هي ذاتها تركن لصخرة الخيبة والاستسلام.
لم تكن تعرف أنّ بالإمكان الغرق في جزر حتى هذا العمق!.. أنّ بعض الأحلام ستبقى أحلاماً غير مشروعة، وبأنّ التنازل الأول هو المفتاح الأول لتنازلات قادمة، وكما للجُمل والعبارات والقصص فواصل ونقاط نهاية، لأحلام البشر أيضاً فواصل تفصلهم عن أحلامهم، وهناك نقاط بإمكانها أن تحجز حياتهم إلى الأبد!
اليوم تبدو أكثر يقيناً عن ذي قبل، بأنّ ليس بالماء فقط يمكن التطهر، وأنّ النساء وسيلة مُثلى يمكن استخدامها لتكفير الذنوب ومسح الخطايا، أو تقديمهن كقرابين للآلهة للعفو أو للصفح أو للتبّرك!، وبأن البشر يُهيأون ذاتياً لمواجهة أقدارهم، لأداء أدوارهم في الحياة، لذلك هي اليوم أكثر استسلاماً لقدرها، وأكثر تصالحاً مع ذاتها، لأنها باتت أكثر وعياً بخيبتها، وبحقيقة وجعها، وأكثر معرفة بأدوارها!
(في البكاء تطهر وخلاص أيضاً).
استثارت عبارة قرأتها سقوط دمعة ثقيلة مُعلقة ما بين قلبها ومحجر عينيها، عاندتها بجموح اندفاعها، لتستقر على صفحة خدها الرقيق، كانت تقرأ رواية “المخطوط القرمزي” للروائي الإسباني أنطونيو غالا، اندهشت، كيف التقت تلك العبارات بوجعها؟ كيف استهدت إلى طريقها لتهديها تلك الغيمات من المطر، وتنتشلها من كل هذا الجفاف؟!، وكأنّ غالا يعرفها، وتعمّد أن يُرسل لها تلك الكلمات بين طيات روايته ليقول لها:
“سيدتي! تقليص الحاجات من أجل تقليص العذابات التي يُكلف إشباعها كثيراً، وهكذا توصلت إلى أنّ الأشياء التي أحتاجها صارت قليلة، لأن السعادة يا “صديقتي” ليست في أن نملك وإنما في ألاّ نحتاج”!
ـ هل الحب ترف، وحاجة يمكن التخلص والتحرر منها، أو الاستغناء عنها من دون ألم متى شئنا؟!
تلقفت كلماته وقفزت تبحث عن ورقة وقلم لتدوّن تلك “الوصفة” السحرية، كانت تحرص على حفظها كأورادها اليومية، في مثل تلك الالتقاطات، أو “الوصفات” كانت تجد جرعات متقطعة لكنها مناسبة من المواساة، لها قوة المسكنات، تجد فيها الكثير مما لم يسعفها الوقت لإدراكه، أو تجريبه لتتجاوز به آلآم تسرّب الأحلام، وتبددها كسحابة دخان أمام ناظريها. كانت التقاطاتها تشبهها أو تشبه حالتها، تشبه تضاريس دماغها، تعرف خريطة قلبها، ومساحات الجدب التي فيه، كأنها تستشعر طعم المرارة التي في حلقها، تأتي متوافقة تماماً مع وجعها وحاجاتها، لذلك تتلقاها دائماً كصعقات كهربائية باردة، لاذعة، إلى حد أن تجعلها ترتعش انتشاءً لشدة تفاعلها واصطدامها بشحناتها الداخلية السالبة، التي غالباً ما تترك أثرها الإيجابي عليها!
أيمكن لتلك العبارات أن يكون لها فعل المخدر على المدى البعيد؟!، لترتسم كمؤشر بوصلة يوجهها للالتفات نحو وجهات مجهولة، قد تشغلها عن الاستغراق في التفكير في ما فقدته من أحلام وأمنيات، لوقف جريمة الاستمراء في استنزاف العمر، بالكف عن التنظير والبحث في مجاهيل مغرقة في العبثية، كأن تبحث مثلاً عن صيغة تُعرّف بك، أو تحدد موقعك في هذه الحياة!
ـ هل يمكن للمرأة فعلاً أن تعيش بلا حب دونما أن تتآمر على فطرتها؟!. هل يصبح من السهل عليها في وقت ما التنازل عن أحلامها؟، وهل من العدل أن تكون تلك التضحية فقط لوجود قصور في الطرف الآخر؟!
كانت تضحك وتُعلق وتسخر كيفما يتأتى لها، حينما تشاهد عينات لنساء بلا وهج يلفهن وهن سائرات من أمامها كل يوم، يمضين لوجهتهن من دون الاكتراث لمظهرهن، أو حتى لطريقة سيرهن، كأنهن خرجن من قاع بئر جافة.. أفواههن يملؤها التراب.. رائحتهن تشبه رائحة الحنوط.. جباههن يعلوها الرماد.. عيونهن بلا بريق.. كانت تضحك حد القهقهة إلى أن جاءت لحظة الانضمام لسربهن لكي تخرس!
علمت منذ ذلك اليوم أن بالإمكان أن تحيا النساء بلا وهج للحياة، وبلا عطر للأنوثة يتوجهن، لا يفردن خانة لملابس نوم حريرية ارتوت بألوان الربيع في خزائنهن، من دون أن يُعطرن أسرتهن.. ينمن من دون أن يتحسسن أجسادهن، من دون أن يراقبن الساعة، من دون أن ينتبهن للكرسي الشاغر على طاولة الطعام غالباً، من دون أن يمضغن حبة هال قبل النوم، ولا يحرصن على وجود علبة لقطع سكر النبات قريبة من مخادعهن، بلا زهرة تزيّن شعورهن، وصدورهن، ولا يتعطرن بالمسك لأن مسامهن قد تحجرت، ككعاب أقدامهن المتشققة الرمادية، فممارسة طقوس الفرح الأنثوي قد تصبح يوماً ترفاً زائد عن الحاجة!، ألأنهن خُلقن بلا أحلام؟ أم لأن هناك رجلاً يقبع في الظل؟!
في هذا الانطفاء العاطفي، لا يعود هنالك فرق للتمييز بين الأشياء، أو الذهاب في جوهرها، تصبح كل تفاصيل الحياة بلون واحد، وبإيقاع واحد، وبفصل واحد، كآلة مبرمجة لتنفيذ المهام فقط، كما لو كانت هي!
جلست بجانب صديقتها في العمل تحتسي فنجان قهوة على عجل، في تلك اللحظة انتبهت بأنّ طرف كُم عباءتها محروقاً.. لم تبدِ أي اهتمام. تناولت ورقة من محفظتها، وبدأت تسجّل ملاحظاتها، كانت قائمة مهام شخصية روتينية، حذفت، عدّلت، أضافت... تنهدت، أطلقت زفراتها المتقطعة، همْهمت بكلمات ترددها ككل شهر، وكأنها تأتي متزامنة مع آلآم دورتها الشهرية: “طار الراتب”!.
تعلم من خلال مشاهداتها اليومية بأنها ليست الوحيدة التي تفعل ذلك، وربما تجد في تلك الشراكة الضمنية مع الأخريات، جزءاً من عزائها، وسرّ جَلدِها الذي تواسي به نفسها عندما تضيق بها الحياة لتصرخ من قاع روحها: “يكفي تعبت “!، لتنهض من جديد وتحمل حملها وتمضي من دون اكتراث لتلك النوبات التي تهاجمها بين الحين والحين.
كانت محاولات فاشلة للتملص من بعض التزاماتها ومسؤولياتها الأسرية اليومية، ومداعبة الحلم الأول بشيء من التمني الخجول، حينما ترتفع في صدرها صرخات الأنثى التي تعرف دورها الأول جيداً!، عندما تقول لنفسها: “أريد أن أبقى في بيتي”.
تيقنت أن ليس بالإمكان أن ترتقي الأمور إلى ما تطمح إليه وتأمل، لطالما كان هناك من يخلط الأمور والمفاهيم ويفسرها على مزاجه، ويفصّلها على مقاسه، لن ترتقي ولن تتزحزح صخرة خذلانها قيد أنملة، وهي العارفة بأن هناك رجالاً يلتبس عليهم إلى الآن فهم معنى الذكورة أو الفحولة، كصفة بايولوجية يشترك فيها معهم حتى النبيل وغير النبيل من الحيوانات، بل وتتفوق بها عليهم وبلا منشطات، وما بين صفات الرجولة والقوامة بمعناها الحقيقي المطلق، التي لا تستقيم ولا تتطابق إلاّ مع الرفيع من المواصفات والخُلق... لذا سيبقى في نظرها الرجل الذي تمنته يوماً أسطورة أو أحجية قرأتها ذات يوم في كتاب قديم!
في خضم وجع تجربتها، طلع عليها أحد الكتّاب في زاويته اليومية، مستعرضاً إحصائية قامت بها شركة فرنسية لإنتاج الواقيات الجنسية. بدا لها الكاتب في مقالته أكثر اهتماماً بعرض معدلات الفحولة في العالم، مطمئناً القراء بأن فحولتهم بخير، مُتكئاً على أخبار صولات وجولات الفحولة العربية في مخادعها الشرعية والسريّة، لكأنه استعصى عليه استعراض معدلات الرجولة، لربما لأنها إحصائية لا تستطيع إثباتها إلاّ النساء فقط!.
كان غاضباً لاستثناء العرب من تلك الإحصائية، وتجاهل بطولاتهم في ذلك المضمار، شعرت بالغثيان والاشمئزاز... يا الله!... حتى الكتّاب لا يتوانون عن الكتابة فقط لأجل الثأر لفحولتهم!
رمت الجريدة جانباً. قفزت من مكانها، وأسرعت لاصطحاب أولادها من المدرسة، ولإنجاز الكثير من مهامها اليومية المعتادة.
سألتها صديقتها: ماذا يفعل زوجك؟!
أجابتها وهي مُسرعة: أراكِ غداً... أولادي في انتظاري...


فاطمة اللامي
Esmeralda8844@gmail.com

اقرأ أيضا