الاتحاد

الملحق الثقافي

عولمة بمذاق المطاعم السريعة

انشغل عدد من الكتاب والمفكرين العرب، وغير العرب، بالبحث في سر و أسباب التفوق الغربي، ثقافيا وصناعيا، ويمكن رصد العديد من الكتب في هذا المجال، بعضها اتسم بالانبهار الشديد وبعضها انطلق من العدائية، وبينها ما انطوى على جهد علمي وفكري عميق، لكن الكتاب الذي بين أيدينا انشغل بقضية أخرى ليست بعيدة، وهي “مرتكزات السيطرة الغربية” وضعه عالم الاجتماع اللبناني المعروف د. فردريك معتوق، وقدم له د. خالد زيادة المتخصص في الوثائق والتاريخ الإسلامي، وهو سفير لبنان في مصر.

إعادة التمركز

ولن نختلف كثيرا في أن الغرب يسيطر على العالم منذ قرابة خمسة قرون، أي يسيطر على إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، كان هناك عصر الاستعمار والاحتلال المباشر بالقوة العسكرية، ثم تراجع ذلك ليحل محله الاستعمار الاقتصادي، والآن نحن إزاء صيغة متجددة للسيطرة هي العولمة، فالعولمة تسعى لجعل شعوب الأرض قاطبة منضوية تحت لواء نظام اقتصادي واحد وقائمة على نموذج اقتصاد السوق، فبإمكان أي إنسان أن يستهلك ما شاء، طالما أنه قادر على دفع ثمن السلعة التي يريد الحصول عليها، بغض النظر عن مدى احتياجه لها وأهميتها له، وفي هذا النظام الجديد لم يعد الإنتاج يحصل عمليا في الغرب، بل في مناطق عديدة من بلدان الجنوب، حيث اليد العاملة أقل تكلفة والبيئة يمكن أن تحتمل التلوث ومخاطره، وقد ظهر مصطلح “إعادة التمركز” للتعبير عن هذه الظاهرة الجديدة، وبموجب ذلك أصبحت المنتجات الصينية في كل مكان بالعالم تقريبا، غير أن أحد المشتغلين بعلم الاقتصاد لفت الانتباه إلى ضرورة استبدال شعار “صنع في الصين” بكلمة “معالج في الصين”، حيث إن شعار صنع في الصين لا يعبر عن الحقيقة، حيث إن كل المصنوعات الصينية محاكاة لنماذج واختراعات ظهرت في الغرب وبعقول غربية.
الأخطر في العولمة، هو المستوى الثقافي والمعرفي، فمطاعم “ماكدونالدز” موجودة في القاهرة ومكة المكرمة وبيروت كما هي في مدن الخليج، وهذا قد يوحي بأنه لا حدود لانتقال الأذواق والأمزجة، لكن واقع الحال يكشف عن أن الانتقال يأتي من الغرب إلى مناطق الجنوب فقط، وقد تختلف بعض التفاصيل وتتباين بين القاهرة وطوكيو مثلا، لكن الانتقال من الشمال إلى الجنوب فقط، فلن تنتقل أغنية برازيلية مثلا إلى باريس ولندن ونيويورك.

5 أسس

وعبر دراسة معرفية شيقة وشاقة ينتهي معتوق إلى أن السيطرة الغربية على العالم تستند على خمسة أسس هي الهيمنة والجدل أو المساجلة والمعرفة والتنظير والربح، وإذا كانت الهيمنة في عالم الحيوانات والحشرات تقوم على أساس بيولوجي في المقام الأول، الذكر يهيمن على الأنثى والقوي يحتوي الضعيف ويسيطر عليه، فإن الهيمنة عند الإنسان ليست بيولوجية، لكنها اجتماعية، وقد عرفت الإنسانية الهيمنة بالغزو والحروب العسكرية منذ التاريخ القديم، ولكن الغرب منح هيمنته مسمى “الغزو الحضاري” حتى يبدو وكأنه يقوم برسالة حضارية ودور إنساني تجاه شعوب ومجتمعات غير متحضرة وبدائية.
ورغم أن الغرب يشهد تنوعا وتباينا بين الإنجليزي والفرنسي والألماني والأميركي، لكنه بالنسبة إلى أبناء الجنوب واحد، يقوم على صورة ذهنية وسمات ثقافية واحدة، ومهما اقترب ابن الجنوب من الغرب والغربيين، فإنه يشعر بالاختلاف. ويحاول المؤلف أن يقدم تعريفا لمن هو الغربي، طبعا من وجهة نظر الشرقي أو الجنوبي، فيحدده بعدة سمات، أهمها: أن تكون غربيا فأنت تنتمي في لحظة ما من تاريخك الوطني إلى قوى مستعمرة، وتعيش في بلد اقتصاده حر وليبرالي، بلد رأسمالي، وبلد صناعي كلي أو جزئي، وفضلا عن ذلك فأنت تعيش في مجتمع مدني وفي دولة القانون وأنت كمواطن، إما أن تكون مسيحيا أو علمانيا. ويدلل معتوق على كل ذلك بالرجوع إلى وقائع تاريخية وأحداث سياسية معاصرة، والسمة الأخيرة أن تتكلم إحدى اللغات الأوروبية المعروفة، أي لغة مشتقة من اللغة اللاتينية، ولعل هذا ما يفسر أن اليابان إلى الآن لا يعد بلدا غربيا، والثقافة اليابانية لا تدخل في عداد الثقافة الغربية، رغم أن اليابان تتبنى الاستراتيجية الغربية وتسير على النهج الاقتصادي الغربي، فالحداثة الغربية ترعرعت منذ القرن السادس عشر في أحضان اللغات اللاتينية، وجاءت مصطلحاتها مرتبطة بسياج معرفي وتاريخي خاص.
ويزداد الأمر الآن بإصرار العولمة على أن تكون الإنجليزية هي اللغة المعتمدة لها في العالم، فالمنتجات الصناعية والأدوية ومختلف البضائع معها أدلة شارحة باللغة الإنجليزية، وصارت الإنجليزية لغة السوق والربح والتعامل ولغة الهيمنة والسيطرة.
ويعترف المؤلف اللبناني بأنه من غير المنطقي ألا نتوقع استمرار السيطرة الغربية على العالم، وذلك أن هذه الظاهرة لا ترتبط بعناصر مادية قدر ارتباطها بعناصر ثقافية وبني ذهنية ترسخت منذ عدة قرون، يضاف إلى ذلك أن الغرب صار متمرسا في وسائل الهيمنة وقادرا على تجديد تلك الهيمنة، وعموما فالحضارة الغربية تبدو اصلب من سواها من الحضارات العالمية، لا بسبب نخبها المتميز فحسب، بل وكذلك بسبب مجتمعاتها المتبلورة وقد عبر عدد من المفكرين الغربيين عن خطورة السيطرة الغربية، فقد أصبحت الحروب العسكرية أمرا ثابتا في العلاقات الدولية، حتى بين بلاد الغرب ذاته، مثل حروب إنجلترا وفرنسا من قبل، ويبني الغرب علاقات الشمال والجنوب وفق مصالحه الخاصة، وليست هناك دوافع مباشرة الآن كي يتوقف الغرب عن الهيمنة والسيطرة، فليس هناك طرف قادر على أن يدفع الغرب لتغيير مسلكه وهو القوي والمسيطر اقتصاديا وعسكريا على العالم.
لكن لن تستمر الأمور على هذا النحو إلى الأبد، فهناك المشكلة الديموجرافية التي تظهر على الخريطة العالمية داخل الغرب بين الكتلة الأوروبية والكتلة الأميركية وهناك تزايد وتجدد الثقافة اللاتينية في أميركا، والتي حذر منها صمويل هنتجتون فقد لاحظ التزايد السكاني المكسيكي داخل الولايات المتحدة، والذي لا يبشر بالخير طبقا لوصف هنتنجتون.
ويبدو أن المؤلف يراهن هنا على أمر غير مؤكد، فالمجتمعات الغربية تحتوي المهاجرين إليها ويتشكلون بثقافتها.
أيا كان الأمر، فالكتاب لا يصدر عن نظرة عدائية تجاه الغرب، لكنه يحلم بلحظة عندها سيذوب الغرب الغالب ويتغير وجه الأرض، وكل ما يريده هو أن يتم تقاسم خيرات الأرض مع جميع أمم العالم وإطلاق مشروع تنموي شامل، عالمي لا عولمي وأن تتبدل السياسات الغربية تجاه البلدان التي تقع خارج مجالهم الجيوسياسي.

اقرأ أيضا