الاتحاد

الاقتصادي

مصر تطلق برنامجاً جديداً للإصلاح الاقتصادي

قطاع الأسمدة من المجالات المستهدف توجيه الاستثمارات إليها (الاتحاد)

قطاع الأسمدة من المجالات المستهدف توجيه الاستثمارات إليها (الاتحاد)

محمود عبدالعظيم (القاهرة) - انتهت وزارة التخطيط المصرية من إعداد برنامج جديد للإصلاح الاقتصادي أطلقت عليه اسم «خريطة الطريق الاقتصادية» بهدف تصحيح المسار في المرحلة المقبلة، وتحقيق معدل جيد للنمو يتجاوز معدل النمو السكاني البالغ 2,6% سنوياً.
وحسب معلومات حصلت عليها «الاتحاد»، فإن البرنامج الجديد يغطي الفترة الزمنية من عام 2014 وحتى عام 2017 ويرتكز على مجموعة من المحاور المالية والاجتماعية وسياسات التشغيل.
ويركز المحور الأول للبرنامج على إحداث تغيير هيكلي في بنية الاقتصاد المصري وإعادته إلى الدائرة الإنتاجية وإخراجه من دائرة الاستهلاك واستحواذ نشاط الخدمات على نسبة كبيرة من الاستثمارات العامة والخاصة، بحيث تتم إعادة توجيه 70% على الأقل من هذه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية المختلفة في الزراعة والصناعة.
أما المحور الثاني، فيتمثل في تنفيذ خريطة لتكوين أصول اقتصادية جديدة في محفظة الدولة تساعدها على التدخل غير المباشر في عمليات الإنتاج والتوزيع، وتحول دون تحكم كيانات احتكارية تابعة للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي في شركات توزيع السلع الاستراتيجية والسلع الوسيطة التي ترتبط بها قطاعات اقتصادية حيوية، ومنها قطاع إنتاج الأسمدة الذي يعتمد عليه النشاط الزراعي بدرجة أساسية، وكذلك قطاع إنتاج الإسمنت الذي يعتمد عليه نشاط البناء، إلى جانب إنتاج بعض السلع الاستهلاكية الرئيسية مثل السكر والزيوت، الأمر الذي يمكن الدولة من التأثير المباشر على كميات إنتاج هذه السلع المهمة، وكذلك التحكم في شبكات توزيعها بما يحول دون انفلات أسعارها ويسهم في حماية الطبقات الفقيرة وحماية الاقتصاد من عودة ظهور تكتلات احتكارية، تؤدي إلى تشوه الأسواق وتركيز الثروة في يد فئات محدودة، وتزايد معدلات الفقر بسبب ارتفاع الأسعار.
اكتتاب عام
وتشمل خطة تكوين الأصول الجديدة طرح أكثر من 30 مشروعاً صناعياً كبيراً في غضون السنوات الثلاث القادمة، تمتلك الحكومة بشكل مباشر حصصاً في رأسمالها تتراوح بين 40 و51%، على أن تتم تغطية الحصص الباقية عبر مساهمات البنوك وطرح 30% من أسهمها على الأقل للاكتتاب العام في بورصة القاهرة، ووضع قيود تتمثل في تحديد سقف كمية الأسهم التي يحوزها الشخص الواحد لضمان توسيع قاعدة الملكية، واجتذاب أصحاب المدخرات الصغيرة، والمساهمة في رأسمال هذه المشروعات. ومن المنتظر أن يتراوح رأس المال المدفوع لكل من هذه المشروعات بين 1,5 وثلاثة مليارات جنيه للمشروع الواحد لضمان احتوائها على تكنولوجيا صناعية متقدمة، تسهم في جودة الإنتاج، حيث سيتم طرح ثلاثة مشروعات صناعية من بين قائمة المشروعات المقترحة خلال الربع الأخير من العام الجاري، وتتوزع هذه المشروعات على قطاعات البتروكيماويات والسكر والإسمنت، وسوف تقام المشروعات الثلاثة الأولى في جنوب مصر لضمان التوزيع الجغرافي العادل للاستثمارات العامة، والتخفيف من حدة الفقر في محافظات الصعيد.
العدالة الاجتماعية
أما المحور الثالث، فيتمثل في اعتماد وتنفيذ خطة للعدالة الاجتماعية ترتكز على حزمة من المساعدات المادية والعينية الجديدة للأسر الفقيرة وسكان المناطق المهمشة، ودمج هؤلاء في العملية الإنتاجية ودعم قدراتهم ومهارتهم لضمان دخولهم سوق العمل مستقبلاً، بما يؤدي إلى وقف هذه المساعدات التي سوف ترتبط بمدة زمنية وليست دائمة مع ربط هذه المساعدات ببرامج تدريبية والتزام الأسر الفقيرة بتعليم أبنائها إلى جانب تقديم خدمات الرعاية الصحية المجانية لهؤلاء بما يسهم في دعم قضية التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. وتستهدف الحكومة المصرية من وراء تطبيق هذا البرنامج الإصلاحي الجديد إنجاز مجموعة من الأهداف المرحلية مع نهاية الجدول الزمني له، وهي الوصول بمعدل نمو اقتصادي يتراوح بين 4 و4,5% على الأقل سنوياً، بما يمثل ضعف معدل النمو السكاني، وكذلك تخفيف حدة الفقر عبر استهداف شرائح اجتماعية محددة، بحيث يتم خفض نسبة عدد الفقراء في مصر من نحو 26% من إجمالي عدد السكان حالياً إلى حدود 15% مع انتهاء مدة البرنامج الأول.
وكذلك زيادة نسبة المساحة المأهولة من الأراضي المصرية بنحو 2% بدلاً من 9% حالياً، لتبلغ 11% إلى جانب امتصاص حدة الاحتقان الاجتماعي وتخفيف الفارق الكبير في الدخول.
مشكلة البطالة
ويرى خبراء اقتصاديون أن البرنامج الإصلاحي الجديد يأتي استجابة للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وسيؤدي بمرور الوقت لمواجهة مشكلة البطالة لأن الثلاثين مشروعاً الكبيرة سوف تؤدي إلى تشغيل نحو 250 ألف مواطن بشكل مباشر، إلى جانب استفادة عشرات الآلاف بشكل غير مباشر لارتباطهم بالعملية الإنتاجية في هذه المصانع في عمليات النقل والتوزيع والتوريد وغيرها.
وقال الخبراء إنه من الضروري طرح هذا البرنامج الإصلاحي الجديد للحوار المجتمعي لضمان الحصول على توافق عام بشأنه، والوصول إلى صيغة تنفيذية ملائمة تتعامل مع الواقع الراهن بالبلاد، خاصة على صعيد تدبير التمويل اللازم والتوزيع القطاعي للمشروعات واختيار أماكن إقامتها.
ويؤكد الدكتور أحمد الدرش وزير التخطيط المصري الأسبق، أن قضية تمويل البرنامج الإصلاحي الجديد ليست مشكلة، نظراً لتوافر مصادر متعددة لهذا التمويل، في مقدمتها البورصة المصرية التي استعادت عافيتها منذ 30 يونيو الماضي، وأصبحت جاذبة للاستثمارات الخارجية والمحلية، وباتت تحقق صعوداً متواصلاً، ومن ثم يمكن الاعتماد على البورصة في تدبير جانب مهم من التمويل.
وقال: «بالإضافة إلى توافر 1,3 تريليون جنيه هي مدخرات الشعب المصري في البنوك، يمكن توجيه جزء مهم منها لتمويل هذه المشروعات الصناعية بدلاً من تسرب جزء كبير من هذه المدخرات لتمويل الائتمان الاستهلاكي للأفراد الذي يفاقم من حدة المشكلة الاقتصادية وبدلاً من أن تحصل عليها المشروعات المملوكة للاستثمار الأجنبي، لا سيما أن هذه المشروعات استراتيجية طويلة الأجل».
وأضاف أن العودة لتكوين محفظة أصول إنتاجية جديدة لدى الدولة هي عودة للمسار الصحيح لأنه لا يمكن لأي دولة التدخل المباشر في العملية الاقتصادية من دون أن تمتلك أدوات إنتاجية تساعدها على هذا التدخل، وضبط حركة السوق والحد من جموح القطاع الخاص الساعي إلى الربح فقط.
وأشار إلى أن هذا التحرك يؤدي إلى تعويض العديد من الأصول الإنتاجية المهمة التي تم التفريط فيها في السنوات السابقة عبر برنامج الخصخصة، ولم يحسن القطاع الخاص إدارتها أو الحفاظ عليها كوحدات إنتاجية مهمة، بل كان الهدف الرئيسي هو الحصول على الأصول العقارية والأراضي المملوكة لهذه المشروعات وتحويلها إلى أنشطة سكنية للاستفادة بفارق أسعار الأراضي من دون الاهتمام بالنشاط الإنتاجي الأصلي لهذه المشروعات.
أما الدكتورة يمنى الحماقي أستاذ الاقتصاد في جامعة عين شمس، فتؤكد أن هذا البرنامج طموح، وفي حال تنفيذه سوف يعيد تصحيح مسار الاقتصاد وإعادته إلى دائرة الإنتاج بدلاً من الاستهلاك، وهذا ما نحتاج إليه بشدة في المرحلة القادمة، وهو العمل المتواصل في الإنتاج لأنه لن تتم إعادة بناء الاقتصاد على أسس سليمة وتلبية تطلعات الشعب في العيش الكريم من دون بذل الجهد.
وقالت إن هذا البرنامج يمكن أن يسهم في تخفيف حدة الفقر الذي بلغ معدلات كبيرة، وكذلك البطالة التي تجاوزت 13% من إجمالي قوة العمل إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار السلع الرئيسية الذي يؤدي إلى استمرار انخفاض مستوى المعيشة مع تراجع القوة الشرائية للعملة.

اقرأ أيضا